من أسماء الله الحسنى: القيوم

معنى “القيوم” في اللغة:

القِيام نقيضُ الجلوس.
قال ابن بَرِّي: قد ترتجل العرب لفظة”قام” بين يدي الجُمل؛ فيصير كاللغو، ومعنى القِيام: العَزْم، ومنه قوله تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) (الجن: 19) أي: لما عَزَمَ. قال: وقد يجيء القيام بمعنى المحافظة والإصلاح، ومنه قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء) (النساء: 34). وقوله تعالى:(مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً) (آل عمران: 75) أي: مُلازماً محافظاً.
ويجيء القيام بمعنى الوقوف والثبات، يقال للمَاشي: قفْ لي، أي: تحبس مكانك حتى آتيك، وكذلك قمْ لي بمعنى قفْ لي، وعليه فسَّروا قوله سبحانه: (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ) (البقرة: 20).
وقام عندهم الحقّ، أي ثبتَ ولم يَبرح، ومنه قولهم: أقامَ بالمكان؛ هو بمعنى الثبات.
وقال الزجاج:”القيوم”: هو فَيْعول مَنْ قام يقوم، الذي بمعنى: دام، لا القيام المعروف، وقال الله تعالى ذِكره: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً) (آل عمران: 75)، أي: دائماً، والله أعلم.
القيوم هو الدائم، وكان من قراءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “الحيُّ القَيَّام”.

اسم الله “القيوم” في القرآن الكريم:

ورد الاسم في ثلاث آيات من القرآن، وهي:
قوله تعالى: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) (البقرة: 255).
وقوله تعالى: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آل عمران: 2).
وقوله تعالى:(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) (طه: 111).

معنى “القيوم” في حق الله تبارك وتعالى:

قال أبو عبيدة: القائمُ وهو الدَّائم؛ الذي لا يَزُول.
وقال ابن جرير: القيّم بحفظ كلّ شيءٍ ورزقه، وتصريفه فيما شاء وأحبّ، مِنْ تغييرٍ وتبديل، وزيادة ونقص.
وقال آخرون: معنى ذلك القِيَام على مكانه، ووجّهوه إلى القيام الدَّائم؛ الذي لا زوالَ معه ولا انتقال، وأنّ الله عزّ وجل إنما نَفَى عن نفسه بوصفها بذلك التغيير؛ والتَّنقل مِنْ مكانٍ إلى مكان، وحدوث التبدّل الذي يَحْدث في الآدميين؛ وسائر خَلْقه غيرهم.
ثم رَجَّح ابن جرير فقال: وأولى التأويلين بالصَّواب؛ ما قاله مجاهد والربيع، وأنَّ ذلك وَصْفٌ مِنَ الله تعالى؛ وذكره نفسه بأنه القَائم بأمر كلِّ شيء في رزقه، والدّفع عنه؛ وتَدْبيره وصرفه في قدرته، مِنْ قول العرب: فلانٌ قائمٌ بأمر هذه البلدة، يعني بذلك: المتولّي تدبيرَ أمرها.
وقال الزجاجي:”القيوم”: وهو من قوله عز وجل: (أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) (الرعد: 33) أي: يَحْفظُ عليها؛ ويُجازيها ويُحاسبها.
وقال الخطابي:”القيّوم” هو القائمُ الدائمُ بلا زوال. ووزنه: فيعول؛ مِنَ القِيَام، وهو نعتُ المبالغة في القِيامة على الشيء.
ويقال: هو القيِّمُ على كلّ شيء؛ بالرعاية له، ويقال: قمتُ بالشيء، إذا وليته بالرعاية والمصلحة.
وقال البيهقي:”القيوم” هو القائمُ الدائمُ بلا زوال.
فيرجع إلى صفة البَقَاء، والبقاء صفةُ الذات.
وهو على هذا المعنى مِنْ صِفات الفعل.
وقال القرطبي:” القيوم” مِنْ قَام، أي: القائمُ بتدبير ما خَلق.
وقال السعدي:” الحيُّ القيوم” كامل الحياة، والقائم بنفسه، القيوم لأهل السماوات والأرض، القائم بتدبيرهم وأرزاقهم؛ وجميع أحوالهم، فالحيُّ: الجامع لصفات الذات، والقيّوم: الجامع لصفات الأفعال.

من آثار الإيمان باسم الله “القيوم”:

1- إثبات وَصْفُ الله تعالى ذكره بأنه قيوم بنفسه، لا يحتاج في قيامه ودوامه إلى أحَد، يُطْعم ولا يُطْعَم،وكيف يَحْتاج إلى غيره أو أحدٍ مِنْ خَلْقه، وهم أنفسُهم لا قيامَ لهم، إلا بإقامة الحيِّ القيّوم لهم؟!
فقيامه تعالى بذاته، وليس ذلك إلا لله تعالى.

2- إثباتُ وَصْفه تعالى بأنه المدّبر لأمر الخلائق؛ في السّماء والأرض، المُصرّف لشئونها، لأنها ليستْ قائمةً بنفسها، بل مُحتاجة للحيّ القيوم، الذي يرزقها ويحييها ويُقيمها.
ولا شك أنَّ من عَرَفَ هذه الصفة في ربّه؛ توكّل عليه، وانقطعَ قلبه عن الخَلق؛ إليه، وذلك أنّهم محتاجون مفتقرون مثله إلى خالقهم؛ في قيامهم وقُعُودهم، وحياتهم وبعد مماتهم، في دينهم ودنياهم، فكيف يرجوهم بعد ذلك؟!

3- ومن كمال قيّوميته تعالى: أنه لا يَنام، إذْ هو مختصٌ بعدم السِّنَة والنُّعاس والنّوم؛ دون خَلقه، فإنهم ينامون.

4- اقترن هذا الاسم بـ”الحي” في ثلاثة مواضع كما سبق، واقترانه بالحيّ يَسْتلزم سائر صفات الكمال، ويَدلُّ على بقائها ودوامها، وانتفاء النّقص والعدم عنها؛ أزلاً وأبداً، ولهذا كان قوله: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة: 255) أعظم آيةٍ في القرآن، كما ثبتَ ذلك في الصحيح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
فعلى هذين الاسمين؛ مَدَارُ الأسْماء الحسنى كلِّها، وإليهما تَرجع معانيها، فإنّ الحياة مستلزمة لجميع صفاتِ الكمال، فلا يَتَخلَّف عنها صفةٌ منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكملَ حياةٍ وأتمَّها، اسْتلزم إثباتها؛ إثبات كلّ كمالٍ يُضادُّ نفيه؛ كمالَ الحياة.
وأما”القيومُ” فمُتضمِّنٌ كمالَ غناه؛ وكمال قدرته، فإنّه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجهٍ مِنَ الوجوه، المُقيم لغيره، فلا قيامَ لغيره إلا بإقامته.
فانتظم هذان الاسمان؛ صفاتِ الكمال؛ أتمَّ انتظام.

5- جاء في السُّنة المُطهّرة؛ ما يدل على عَظَمة هذين الاسْمين، والدُّعاء بهما مجتمعين، حتى قال بعضُ العلماء: إنهما الاسْم الأعْظم للربّ تبارك وتعالى، كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: كنتُ جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد؛ ورجلٌ يُصلي؛ فقال: اللهم إني أسْألك بأنّ لكَ الحَمْد؛ لا إله إلا أنتَ الحنَّانُ المنَّان، بديعُ السَّموات والأرْض، يا ذا الجَلال والإكرام، يا حيُّ يا قيُّوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” دَعَا الله باسْمه الأعْظم، الذي إذا دُعِي به أجَابَ، وإذا سُئِلَ به أعْطى”.
وقد سبق بيان أنّ الصواب في الاسْم الأعظم؛ أنه هو”الله” جل جلاله؛ وتقدست أسماؤه.
وعلى كل حال؛ فدعاءُ الله بهما، هو مِنَ امتثال أمره؛ في قوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180).

6- ومنها: حديث أنس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو:”يا حَيُّ يا قيُّومُ”.
وفي رواية: “كان مِنْ دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “أي حَيُّ؛ أي قيّوم”.

7- ومنها: حديث أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة:” ما يمنعُك أن تَسْمعي ما أُوصيكِ بهِ ! أنْ تقولي إذا أصبحتَ؛ وإذا أمسيتَ: يا حيُّ يا قَيُّوم؛ برحمتك أستغيثُ، أصلحْ لي شأني كلَّه، ولا تَكلني إلى نفْسي طرْفة عَين”.

8- ومنها: حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو؛ الحيُّ القيوم، وأتوبُ إليه، ثلاثاً، غُفرت ذُنوبهُ؛ وإنْ كان فاراً من الزحف”.
قال أبو نعيم الأصبهاني: هذا يدلُّ على أنّ بعض الكبائر؛ تُغفر ببعض العمل الصالح، وضابطه: الذُّنوب التي لا تُوجب على مرتكبها؛ حُكماً في نَفْسٍ ولا مال، ووجه الدلالة منه: أنه مثّل بالفِرار مِنَ الزَّحف؛ وهو مِن الكبائر، فدلّ على أنّ ما كان مثله أو دونه؛ يُغفر، إذا كان مثل الفِرار مِنَ الزحف، فإنه لا يُوجب على مرتكبه حكماً؛ في نَفْسٍ ولا مال.

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: