من أسماء الله الحسنى: الباطن

معنى “الباطن” في اللغة:

البَطن خلاف الظهر. وبطانة الثوب: خلاف ظهارته. وبطنتُ الوادي: دخلته، وبطنتُ هذا الأمر: عرفت باطنه، وبطنتُ بفلان: صَرتَ مِنْ خواصّه، وبِطانة الرجل: وليجتُه، وأبطنتُ الرجل: إذا جعلته مِنْ خواصك.

اسم الله “الباطن” في القرآن الكريم:

ورد مرةً واحدة؛ في قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد: 3).

معنى “الباطن” في حق الله تبارك وتعالى:

تقدم في معنى اسمه (الظّاهر) قول الفرَّاء والزَّجاجي.
وقال ابن جرير: و(البَاطن) يقول: وهو الباطن لجميع الأشياء؛ فلا شيءَ أقربَ إلى شيءٍ منه، كما قال: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق: 16).
وقال الزجاج: (البَاطن) هو العالمُ بِبِطانة الشّيء، يقال: بطنتُ فلاناً وخبرتهُ: إذا عرفتَ باطنه وظاهره. والله تعالى عارفٌ ببواطن الأمور؛ وظواهرها؛ فهو ذُو الظّاهر؛ وذُو الباطن.
وقال الخطابي: (الباطن) هو المُحْتجبُ عن أبْصار الخَلْق، وهو الذي لا يَسْتولي عليه توهُّم الكيفية، وقد يكون معنى الظُّهور والبُطون: احْتجابهُ عن أبْصَار الناظرين، وتجلِّيه لبَصَائر المُتفكِّرين. ويكون معناه: العالم بما ظهرَ من الأمور، والمُطَّلعُ على ما بطنَ مِنَ الغيوب.
وقال الحليمي: (البَاطن) وهو الذي لا يُحَسّ، وإنما يُدركُ بآثاره وأفعاله.

آثار الإيمان باسم الله “الباطن”:

1- اللهُ تبارك وتعالى أعْظمُ الغيب، مُحْتجبٌ عن الخَلق، لا يَراه أحدٌ في الدُّنيا، ولا تُدْركه الأبْصار في الآخرة؛ ولا نُحيط بشيءٍ من عِلمه، إلا بما شاء لنا أنْ نعلمه عنه، مما وصف به نفسه في كتابه، أو ما وَصَفه به رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهو سبحانه مع ذلك ظاهر لخلقه بأفعاله وآياته المتلوة والعيانية، فمن تأمل وتفكر في السموات والأرض وما فيها، علمَ علم اليقين أنَّ له خالقاً مدبراً (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: 190 – 191).
وهناك فرقٌ بين قولنا: لا تُدْركه الأبصار، وبين قول المعتزلة وأشباههم: بعدم رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فإنّ الإدْراك: هو الإحاطة بالشيء، فأنتَ تَرى البَحْر، لكن لا تُدْركه جميعه ببصرك، وهو مخلوق ! فالخالق أعظم؛ وأجلُّ وأكبْر.
ولقد أحسنَ من قال:
فيا عَجباً كيفَ يُعْصَى الإلهُ أم كيفَ يَجْحدُه الجَاحدُ
وفـــي كـلِّ شَـيءٍ لـــه آيةٌ تـــــدلُّ عَـلـى أنـهُ وَاحــــــــدُ
وكذلك الآيات المتلوة، وهي كتابه عز وجل، فإنها بنفسها تدلُّ على الله تعالى، لأنّها ليستْ من جنسِ كلام البَشَر، لأنواع الإعجاز التي فيها.

2- والله تبارك وتعالى هو العليم ببواطن الأمور وظواهرها، يستوي عنده هذا وهذا (سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) (الرعد: 10) فيستوي عند الله تعالى؛ مَنْ هو مختفٍ في قَعْر بيته في ظَلام الليل، ومَنْ هو سائر في سَرْبه (طريقه) في بياضِ النّهار وضيائه.

3- فسَّر بعض السلف (الباطن) بأنه أقربُ إلى كلِّ شيءٍ؛ من كلِّ شيءٍ، كما تقدم في كلام ابن جرير والنَّحَّاس، وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في فتاويه – عن مقاتل بن سليمان أنه فسّره كذلك، فقال ناقلاً عنه: “و(الباطن) أقربُ مِنْ كلّ شيء، وإنما نعني بالقُرْب بعلمه وقُدْرته؛ وهو فوق عرشه”. فضعَّف هذا القول بكونه ليس مُشهوراً عن مقاتل، وأنه فسّر البَاطن بالقريب، ثم فسَّر القُرب بالعلم والقدرة؟! ولا حاجة إلى هذا.
ثمَّ بيَّن أنه ليس معنى (الباطن) أنه القُرب، ولا لفظ (الباطن) يدلُّ عليه، ولا لفظ القرب في الكتاب والسّنة على جهة العموم؛ كلفظ المعية، فإنه إذا قال: هذا مع هذا فإنه يعني به المُجامعة والمقارنة والمصاحبة، ولا يدلّ على قُرب إحدى الذاتين من الأخرى؛ ولا اخْتلاطها بها، فلهذا كان إذا قيل: هو معهم، دلَّ على أنَّ علمه وقدرته وسلطانه مُحيطٌ بهم، وهو مع ذلك فوقَ عرشه، كما أخبر القرآنُ والسُّنة بهذا، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد: 4) فأخبر سبحانه أنّه مع عُلّوه على عرشه، يَعلم كلَّ شيء، فلا يمنعه عُلوه عن العِلم بجميع الأشياء. ولم يأت في لفظ”القرب” مثل ذلك. أنه قال: هو فوق عرشه؛ وهو قريبٌ مِنْ كلّ شيء؛ بل قال: (إنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: 56)؛ وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:” إنكم لا تَدْعون أصمَّ ولا غائباً، إنَّ الذي تَدْعونه؛ سَميعٌ قريبٌ”.
قال: ولا يقال في هذا: قريبٌ بعلمه وقُدْرته، فإنه عالم بكلّ شيء، قادر على كل شيء، وهم لم يشكوا في ذلك، ولم يسألوا عنه، وإنما سألوا عن قربه؛ إلى مَنْ يدعوه ويناجيه، ولهذا قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) فأخبر أنه قريبٌ مجيب.
وطائفة من أهل السُّنة تُفَسّر” القرب” في الآية والحديث بالعلم، لكونه هو المقْصود، فإنه إذا كان يعلم ويسمع دُعاء الدّاعي حصل مقصوده، وهذا هو الذي اقتضى أنْ يقول مَنْ يقول: إنه قريبٌ مِنْ كل شيء؛ بمعنى العلم والقدرة، فإنّ هذا قد قاله بعضُ السلف؛ كما تقدّم عن مقاتل بن حيان، وكثير من الخلف، لكن لم يقل أحدٌ منهم: إنَّ نفس ذاته قريبة مِنْ كلّ شيء! وهذا المعنى يُقرُّ به جميع المسلمين، مَنْ يقول: إنه فوقَ العرش، ومَنْ يقول: إنه ليسَ فوقَ العَرْش.

4- وللإمام المحقق أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم رحمه الله، كلامٌ دقيقٌ نفيس جامع؛ على هذه الأسماء الأربعة (الأولُ والآخرُ والظَّاهر والبَاطن) ذكر فيه تعلّق العباد بها نجاحاً وفلاحاً، وكيفية تحقيق العبودية لها، وذلك في كتابه” طريق الهِجْرتين وباب السَّعادتين”. قال رحمه الله:” فصل: في أنّ حقيقة الفَقْر؛ توجُّهُ العبد بجميع أحْواله إلى الله”:
ولما كان موجب الدرجة الأولى من الفقر الرجوع إلى الآخرة، فأوجبَ الاسْتغراق في هَمِّ الآخرة؛ نفْضَ اليدين مِنَ الدُّنيا ضَبْطاً أو طلباً، وإسْكات اللسان عنها مَدْحاً أو ذماً، وكذلك كان مُوجب هذه الدرجة الثانية الرجوع إلى فضل الله سبحانه، ومُطالعة سبقه الأسْباب والوسائط، فبفضلِ الله ورحمته؛ وُجدت منه الأقوالُ الشريفة، والمقاماتُ العليّة، وبفضْله ورحمته وَصَلوا إلى رضاه ورحمته، وقُرْبه وكرامته ومُوالاته، وكان سبحانه هو (الأول) في ذلك كله؛ كما أنه الأول في كلِّ شيء، وكان هو (الآخر) في ذلك كما هو الآخر في كلّ شيء، فمن عَبَدهُ باسْمه (الأول والآخر) حصلتْ له حقيقة هذا الفَقْر، فإنْ انضافَ إلى ذلك عبوديته باسمه (الظّاهر والباطن) فهذا هو العارفُ الجامع لمفترقات التعبّد؛ ظاهراً وباطناً.
فعبوديته باسْمه (الأول) تقتضي التجرّد مِنْ مُطالعة الأسْباب، والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبْق فَضْله ورحمته، وأنه هو المُبتدئ بالإحْسَان؛ مِنْ غير وسيلةٍ مِنَ العبد، إذْ لا وَسِيلة له في العدم قبل وجوده، وأيُّ وسيلةٍ كانت هناك؟ وإنما هو عَدَمٌ مَحْض، وقد أتى عليه حينٌ مِنَ الدَّهر لم يكنْ شيئاً مذكوراً، فمِنْه سبحانه الإعْداد، ومنه الإمْداد، وفَضْله سابقٌ على الوسائل، والوسائل مِنْ مُجرد فضله وُجوده، لم تكنْ بوسائل أخْرى، فمَن نزَّل اسمه (الأول) على هذا المعنى، أوجبَ له فَقْراً خاصاً وعبودية خاصة.
وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي أيضاً عدم رُكونه ووثوقه بالأسْباب؛ والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي الآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلُّق بها تعلُّق بما يعدم وينقضي، والتعلّق بالآخر سبحانه؛ تعلقٌ بالحيّ الذي لا يموتُ ولا يزول، فالمتعلّق به حقيقٌ أنْ لا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلّق بغيره مما له آخر يفنى به، كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيثُ كان قبل الأسْباب كلها، وكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية؛ حيث يبقى بعد الأسْباب كلّها، فكان الله ولم يكنْ شيءٌ غيره، وكل شيء هالكٌ إلا وجْهه.
فتأمل عبودية هذين الاسْمين، وما يُوجبانه مِنْ صحّة الاضْطرار إلى الله وحده، ودوام الفَقْر إليه دُون كل شيء سواه، وأنّ الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو أول كل شيء وآخره، وكما أنّه ربُّ كلِّ شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاحَ له ولا فلاحَ ولا كمال؛ إلا بأنْ يكون وحده غايته؛ ونهايته ومقصوده، فهو (الأول) الذي ابتدأت منه المخلوقات، و (الآخر) الذي انتهت إليه عبودياتها وإراداتها ومحبتها، فليس وراء الله شيءٌ يُقْصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يَخلق ويبرأ، فكما كان واحداً في إيجادك، فاجعله واحداً في تألهك إليه، لتصح عبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه، فاجعله نهاية حُبِّك وإرادتك وتألهك إليه، لتصح لك عبوديته باسمه (الأول والآخر). وأكثر الخلق تَعبَّدوا له باسمه (الأول) وإنما الشأن في التعبد له باسمه (الآخر) فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو ربّ العالمين؛ وإله المرسلين؛ سبحانه وبحمده.
وأما عبوديته باسمه (الظاهر) فكما فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:” وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقكَ شيء، وأنتَ الباطنُ فليسَ دُونك شيء”.
فإذا تحقّق العبد عُلوه المطلق على كلّ شيء بذاته، وأنه ليس فوقه شيء ألبتة، وأنه قاهرٌ فوق عباده؛ يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض؛ ثم يعرج إليه (إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: 10) صار لقلبه أمماً يقصده، ورباً يعبده، وإلهاً يتوجه إليه، بخلاف من لا يدري أين ربه فإنّه ضائعٌ مشتّت القلب، ليس لقلبه قِبْلةٌ يتوجَّه نحوها؛ ولا معبودٌ يتوجه إليه قصده، وصاحب هذه الحال؛ إذا سلك وتألَّه وتعبّد؛ طلب قلبه إلهاً يسكن إليه ويتوجّه إليه، وقد اعتقد أنه ليس فوق العرش شيء إلا العدم، وأنه ليس فوق العالم إلهٌ يُعبد؟ ويُصَلى له ويُسجد؟ وأنه ليس على العرش مَنْ يصعد إليه الكلمُ الطيّب؟ ولا يُرفع إليه العمل الصالح؟ جالَ قلبه في الوجود جميعه؛ فوقع في الاتّحاد ولا بد ! وتعلَّق قلبه بالوجود المُطلق؛ السَّاري في المعينات، فاتخذ إلهه من دون إله الحقّ؛ وظنّ أنه قد وصل إلى عين الحقيقة ! وإنما تأله وتعبّد لمخلوقٍ مثله، ولخيالٍ نَحَته بفكره؛ واتخذه إلهاً من دون الله سبحانه، وإله الرسل وراء ذلك كله؛ (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) (يونس: 3 – 4).
وقال: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) (السجدة: 4 – 9). فقد تعرَّف سبحانه إلى عباده بكلامه؛ مَعرفةً لا يجحدها إلا مَن أنكره سبحانه، وإنْ زعم أنه مُقرٌّ به.

5- والعلم بهذه الأسماء الأربعة ومعانيها؛ له أثرٌ عظيم في دَفع الوسوسة، وردِّ كيدها، أشار إلى ذلك حَبْر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، فقد أخرج أبو داود: عن أبي زُميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيءٌ أجِدْه في صدري؟ قال: ما هو؟ قلتُ: والله ما أتكلم به، قال: فقال لي: أشيءٌ من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجَا من ذلك أحدٌ، قال: حتى أنزل الله عز وجل: (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ) (يونس: 94) قال: فقال لي: إذا وجدتَ في نفسك شيئاً، فقل: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد: 3).

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: