من أسماء الله الحسنى: القادر – القدير – المقتدر

معنى “القادر” “القدير” “المقتدر” في اللغة:

القَدْرُ والقُدرة والمِقدارُ: القوة، وقدَرَ عليه يقدِر، وقدِرَ قُدرةً واقتدرَ، وهو قادر وقدير.
والاقتدار على الشيء: القُدْرة عليه. ورجلٌ ذو قُدْرة، أي: ذو يسار.
وقدرتُ الشيء أقدُره وأقدِرُه قَدْراً، من التقدير. وفي الحديث: “إذا غُمَّ عليكم الهَلال؛ فاقْدُروا له”. أي: أتمّوا الثلاثين. وقَدَرُ الله وقدْرهُ بمعنىً، وهو في الأصْل مصدر، وقال الله تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الحج: 74) أي: ما عَظّموا الله حقَّ تعظيمه.
والقدَرُ والقَدْرُ أيضاً: ما يُقدِّرُه الله عزّ وجل مِنَ القَضَاء. وقُدِرَ على الإنْسان رزقُه قَدْراً، مثل: قُتِرَ.

اسم الله “القادر” و”القدير” و”المقتدر” في القرآن الكريم:

* ورد اسمه”القادر” اثنتي عشرة مرة، خمسٌ منها بصيغة الجَمع، نورد منها:
قوله تعالى:(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (الأنعام: 65).
وقوله: (وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون: 95).
وقوله:(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ) (المرسلات: 20 – 23).
* وأما اسمه”القدير” ورد خمساً وأربعين مرة منها:
قوله تعالى (ولَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:20).
وقوله: (أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 148).
وقوله: (إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) (النساء: 149).
وقوله: (يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة:40).
وقوله: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) (الأنعام: 17).
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحج: 6).
قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39).
وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر: 44).
وقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك: 1).
* وأما”المُقْتدر” فقد ورد أربع مرات وهي:
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً) (الكهف: 45).
وقوله:(فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ) الزخرف: 41 – 42).
وقوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ) (القمر: 42).
وقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) (القمر: 54- 55).

معنى “القادر” و”القدير” و”المقتدر” في حق الله تبارك وتعالى:

* أما”القادر”:
فقال الزجاج:”القادر”: الله القادر على ما يشاءُ، لا يُعجزهُ شيء؛ ولا يَفوته مَطْلوب، والقادر منَّا – وإنْ استحق هذا الوصف – فإنَّ قدرتَه مستعارةٌ، وهي عنده وديعة من الله تعالى، ويجوز عليه العجزُ قي حال؛ والقدرةُ في أخرى.
والله تعالى هو القادر، فلا يتطرَّق عليه العجزُ؛ ولا يفوته شيء.
وقال الخطابي:”القادر”: هو مِنَ القُدرة على الشيء، يُقال: قَدَر يقدِرُ قُدْرةً؛ فهو قادر وقدير، كقوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) (الأحزاب: 27) ووصفَ الله نفسه بأنه قادرٌ على كلّ شيءٍ أراده، لا يَعترِضُهُ عجزٌ ولا فتورٌ.
وقد يكون القادر بمعنى المُقدِّر للشيء، يقال: قدَّرتُ الشّيء وقدَرتُه؛ بمعنى واحد، كقوله: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) (المرسلات: 23) أي: نعم المُقدِّرون، وعلى هذا يُتأول قوله سبحانه: (فظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) (الأنبياء: 87) أي: لن نُقدِّرَ عليه الخَطيئة أو العقوبة، إذْ لا يَجوز على نبي الله؛ أنْ يظنَّ عدم قدرة الله عزّ وجل، في حالٍ من الأحوال.
وقال الحليمي:”القادر” قال الله عزّ وجل: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (القيامة: 40)، وقال: (بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأحقاف: 33) وهذا يدلُّ على معنى أنَّه لا يُعْجزه شيءٌ، بل تيسّر له ما يُريد على ما يريد، لأنَّ أفعاله قد ظَهَرت، ولا يظهر الفعل اختياراً؛ إلا مِنْ قادرٍ غير عاجز، كما لا يَظهر إلا مِن حيٍّ عالم.
وقال البيهقي: هو الذي له القُدرة الشَّاملة، والقُدرة له صِفةٌ قائمةٌ بذاته.
* وأما”القدير”:
فقال ابنُ جرير عند قوله تعالى: (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 20): وإنّما وَصَف الله نفسه – جلَّ ذكره – بالقُدْرة على كلّ شيءٍ في هذا الموضع، لأنه حذَّر المنافقين بأْسه وسَطوته، وأخبرهم أنه بهم مُحيط، وعلى إذْهاب أسْماعهم وأبصارهم قدير، ثم قال: فاتَّقوني أيها المنَافقون، واحْذروا خِدَاعي وخَداع رسُولي، وأهل الإيمان بي، لا أُحلُّ بكم نقمتي، فإني على ذلك؛ وعلى غيره من الأشياء قدير.
ومعنى” قَدِير” قادر، كما معنى”عليم”: عالم. وقال عند قوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 106): ألم تعلم – يا محمد – أني قادرٌ على تعويضه مما نَسَختُ من أحكامي وغيَّرتُه، مِنْ فرائضي التي كنتُ افترضتها عليك ما أشَاء، مما هو خيرٌ لك؛ ولعبادي المؤمنين معك؛ وأنفعُ لك ولهم، إما عاجلاً؛ وإما آجلاً في الآخرة، وشبيهه في الخفّة عليك وعليهم. فاعلم يا محمد أني على ذلك؛ وعلى كلّ شيء قدير.
ومعنى قوله” قدير” في هذا الموضع: قويّ، يقال منه: قد قدرتُ على كذا وكذا، إذا قَوِيت عليه.
وقال الحليمي:” القدير” وهو: التامُّ القدرة، لا يُلابس قدرته عَجْزٌ بوجه.
وقال السعدي:”القدير” كامل القدرة، بقدرته أوْجد الموجودات، وبقدرته سوَّاها وأحْكمها، وبقدرته يُحيي ويُميت، ويبعث العباد للجزاء، يُجازي المحسن بإحسانه، والمُسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئاً قال له: كنْ، فيكون، وبقدرته يُقلِّب القلوب؛ ويصرفها على ما يشاء ويريد.
* وأما”المقتدر”:
فقال ابن جرير في قوله تعالى: (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) (القمر: 55) يقول: عند ذي مِلْكٍ مقتدر على ما يشاء، وهو الله ذو القُوة المتين؛ تبارك وتعالى .
وقال الزَّجاج:” المُقتدر” مبالغةٌ في الوصف بالقدرة، والأصل في العربية أنَّ زيادة اللفظ؛ زيادة المعنى، فلما قلت: اقتدر، أفادت زيادةُ اللفظ؛ زيادةَ المعنى .
وقال الخطابي:”المقتدر”: هو التامُّ القدرة؛ الذي لا يمتنعُ عليه شيء ولا يحتجزُ عنه بمنعةٍ وقوةٍ. ووزنه: مُفْتعل، من القدرة إلا أنَّ الاقتدار أبلغ وأعمُّ، لأنه يقتضي الإطلاق، والقدرة قد يدخلُها نوعٌ من التَّضمين بالمقدور عليه، قال الله سبحانه: (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) أي: قادر على ما يشاء.
وقال الحليمي:”المقتدر” وهو المُظْهر قُدرته بفعل ما يقدر عليه، وقد كان ذلك مِنَ الله تعالى فيما أمضاه، وإن كان يَقْدِرُ على أشياء كثيرة لم يفعلها، ولو شاء لفعلها، فاسْتحقَّ بذلك أن يُسمَّى: مقتدراً.

من آثار الإيمان باسم الله “القادر” و”القدير” و”المقتدر”:

1- اتفقَ المُسلمون، وسائرُ أهلِ الملل، على أنَّ اللهَ على كلّ شَيءٍ قَدِير.
لا يُعْجزه شيءٌ في الأرْض ولا في السَّماء، قال سبحانه: (وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر: 44).
فلا يَمْتنع عليه شيءٌ – جلَّ وعلا – ولا يَفُوته مطلوبٌ، بل له القُدْرة الشّاملة الكاملة، وهذا مِنْ صفاتِ ذاتِه سبحانه، ولم يزل سُبحانه ذا قوةٍ وقُدرة، ولم تزل قدرته موجودةً قائمة به، موجبةً له حكم القادرين.
ومعنى قُدْرة الله تعالى: قدرته على الفعل، والفعل نوعان: لازمٌ ومُتعدٍّ، فالأفعال اللازمة: هي تقومُ بالفاعل؛ ولا تتعدّى إلى مفعول، وقد ذُكر النَّوعان في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الحديد: 4) ، كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: “الاسْتواءُ والإتيانُ والمجيء والنزول ونحو ذلك، أفعالٌ لازمة؛ لا تتعدّى إلى مفعول، بل هي قائمةٌ بالفاعل، والخَلق والرزْق، والإماتة والإحياء، والإعْطاء والمنع، والهُدى والنَّصر والتنزيل؛ ونحو ذلك، تتعدَّى إلى مفعول”.
ثم بيَّن اختلاف الناس في هذا فقال:
والناس في هذين النوعين على ثلاثة أقوال:

القول الأول: مَن لا يُثبت فعلاً قائماً بالفاعل، لا لازماً ولا متعدياً، أما اللازم فهو عنده مُنتفٍ، وأما المتعدِّي: كالخَلق فيقول: الخَلق هو المخلوق ! أو معنى غير المخلوق! وهذا قول الجهمية والمعتزلة؛ ومَنْ اتبعهم كالأشْعري ومتبعيه، وهذا أول قولي القاضي أبي يعلَى؛ وقول ابن عقيل.

والقول الثاني: إنّ الفعل المتعدِّي قائمٌ بنفسه؛ دون اللازم؛ فيقولون: الخَلقُ قائمٌ بنفسه؛ ليس هو المخْلوق، وهم على قولين: منهم مَنْ جعلَ ذلك الفعلَ حادثاً، ومنهم مَنْ يجعله قديماً؛ فيقول: التخليق والتكوين أزلي !

والقول الثالث: إثباتُ الفعلين: اللازم والمتعدِّي كما دلَّ عليه القرآن، فنقول: إنه كما أخبر عن نفسه؛ أنه خَلقَ السموات والأرض في ستة أيامٍ؛ ثم استوى على العرش، وهو قولُ السلف وأئمة السُّنة، وهو قولُ من يقول: إنَّه تقوم به الصفات الاختيارية؛ كأصحاب أبي معاذ وزهير البابي وداود بن علي والكرامية؛ وغيرهم من الطوائف، وإنْ كانت الكرامية يقولون: بأنّ النّزول والإتيان أفعالٌ تقوم به؛ وهؤلاء يقولون: يقْدر على أنْ يأتي بنفسه؛ ويجيء وينزل ويستوي، ونحو ذلك من الأفعال، كما أخبرَ عن نفسه وهذا هو الكمال”.
ثم بيَّن رحمه الله: أنّ الله تعالى لو لم يكنْ حياً عليماً؛ سميعاً بصيراً؛ متكلماً قادراً، للزم أنْ يكون ميتاً؛ جاهلاً؛ أصماً أعمى أخرساً عاجزاً، وهذه نقائص يجب تنزيهه عنها، فإنه سبحانه قد خلق مَنْ هو حيٌ سميعٌ بصير متكلم؛ عالمٌ قادرٌ متحرك، فهو أولى بأنْ يكون كذلك، فإنَّ كلَّ كمالٍ في المخلوق؛ هو مِن كمال الخالق.
ثم قال:”والمقصود ههنا: أنَّ هؤلاء لا يجعلونه قادراً على هذه الأفعال، وهي أصلُ الفعل، فلا يكون على كلِّ شيء قدير – على قولهم – بل ولا على شيء، وقد قال: (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الأنعام: 91).
قال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: هذه في الكفار، فأما مَنْ آمن أنَّ الله على كلِّ شيء قدير؛ فقد قدَّر الله حقَّ قدره.
وذكروا في قوله: (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ): ما عرفوه حق معرفته؛ وما عظَّموه حق عظمته، وما وصفوه حق وصفه، وهذه الكلمة ذكرها الله في ثلاثة مواضع: في الردِّ على المُعَطّلة، وعلى المشركين، وعلى مَنْ أنكر إنزال شيءٍ على البَشَر، فقال في الأنعام: (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) (الأنعام: 91)؛ وقال في الحج: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ)، إلى قوله تعالى (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (73 – 74).
وقال في الزمر:(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر: 67).
وقد ثبت في الصحيحين: من حديث ابن مسعود رضي الله عنه:” أنّ حَبْراً مِنَ اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ! إنَّ الله يومَ القيامة يجعلُ السَّمواتِ على إصْبع، والأرض على إصْبع، والجبال والشّجر على إصَبع، والماءَ والثَّرى على إصْبع، وسائرَ الخَلْق على إصْبع، ثمَّ يهُزُّهنَّ، ويقول: أنا المَلكُ، قال: فضحك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقولِ الحبر، ثم قرأ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) الآية.
وفي الصحيحين أيضاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”يقْبضُ اللهُ الأرضَ يومَ القيامة، ويَطْوي السماءَ بيمينه، ثم يقول: أنَا الملكُ، أينَ ملوكُ الأرضِ؟ ثم يقول: أين الجبَّارون؟ أين المُتكبّرون؟”. وفي السنن: عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال:” قمتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة؛ فقام فقرأ سُورة البقرة، لا يمرُّ بآيةِ رحمةٍ إلا وَقَفَ فسَأل، ولا يمرُّ بآيةِ عذابٍ إلا وقفَ وتعوَّذَ، قال: ثم ركعَ بقَدْرِ قيامه، يقول في ركوعه:” سُبْحان ذِي الجَبروتِ والمَلكُوت، والكبْرياء والعَظَمة” ثم يَسْجدُ بقَدْر قيامه، ثم قال في سُجوده مثل ذلك؛ ثم قام فقرأ آل عمران؛ ثم قرأ سُورة”. رواه أبوداود والنسائي والترمذي في”الشمائل”.
فقال في هذا الحديث:”سُبْحانَ ذِي الجَبَروت والمَلَكوت؛ والكِبْرياء والعَظَمة”. وهذه الأربعةُ نُوزعَ الرَّبُّ فيها، كما قال:” أينَ الملوكُ؟ أين الجبّارون؟! أين المتكبرون؟!”.
وقال عزّ وجل – كما في الحديث القُدْسي -:” العظمةُ إزَاري، والكِبْرياءُ ردائي، فمَنْ نازعني واحداً منها؛ عذَّبتُه”. وفي رواية:” قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ “.

ونُفاةُ الصفات ما قدَّروا الله حقَّ قدره، فإنه عندهم لا يمسك شيئاً، ولا يقبضه ولا يَطْويه، بل كلٌّ ممتنعٌ عليه، ولا يقدر على شيءٍ من ذلك، وهم أيضاً في الحقيقة يقولون: ما أنْزلَ الله على بَشَرٍ مِنْ شيء، لوجهين:

أحدهما: إنّ الإنزال إنَّما يكون مِنْ علو، والله تعالى عندهم ليس في العُلو، فلم يَنْزلْ منه شيءٌ، وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) (الأنعام: 114)؛ (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (الزمر: 1) إلى غير ذلك، وقولهم: إنَّه خَلَقهُ في مخلوق؛ ونزلَ منه باطل؛ لأنه قال: (مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ) ولم يجئ هذا في غير القرآن، والحديد ذَكر أنه أنْزله مطلقاً، ولم يقل منه؛ وهو منزَّلٌ من الجبال، والمَطر أُنزل من السماء؛ والمراد أنه أنْزله من السّحاب، وهو المُزن كما ذكر ذلك في قوله: (أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ) (الواقعة: 69).

والثاني: أنه لو كان مِنْ مخلوقٍ لكان صفة له؛ وكلاماً له، فإنّ الصّفة إذا قامت بمحلٍّ؛ عادَ حُكْمها على ذلك المحل، ولأنَّ الله لا يتَّصف بالمخلوقات، ولو اتَّصفَ بذلك لاتَّصف بأنه مُصوت إذا خَلق الأصْوات، ومتحرك إذا خلق الحركات في غيره، إلى غير ذلك.
إلى أنْ قال: فقد تبيّن أنّ الجهْمية؛ ما قَدَروا اللهَ حقّ قَدْره، وأنهم داخلون في هذه الآية، وأنهم لم يُثبتوا قُدْرته لا على فعلٍ، ولا على الكلام بمشيئته، ولا على نُزُوله، وعلى إنْزاله منه شيئاً، فهم مِنْ أبعدِ الناس عن التصديق بقُدرة الله، وأنه على كلّ شيءٍ قدير، وإذا لم يكن قديراً لم يكنْ قوياً، ويلزمهم أنه لم يَخلق شيئاً، فيلزمهم الدخول في قوله: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 73- 74).
فهم ينفون حقيقة قدرته في الأزَل، وحقيقة قولهم: إنه صار قادراً بعد أنْ لم يكنْ، والقُدرة التي يثبتونها لا حقيقة لها”.
إلى أنّ قال:”والمقصود هنا؛ التّنبيه على تنازعِ الناس في مسألة”القُدرة”؛ وفي الحقيقة أنه مَنْ لم يقلْ بقول السلف؛ فإنه لا يُثْبت في قدرةً، ولا يُثْبته قادراً، فالجهمية ومَنْ تبعهم؛ والمعتزلة والقدرية والمجبرة والنَّافية؛ حقيقة قولهم: إنه ليس قادراً؛ وليس له المُلك، فإنّ الملكَ إما إنْ يكون هو القدرة؛ أو المقدور أو كلاهما،
وعلى كل تقدير فلا بدَّ من القُدرة، فمن لم يُثبت له القدرة حقيقةً؛ لن يُثبت له مُلكاً! كما لا يُثبتون له حمداً”.

2- وجودُ المخلوقات التي لا تُحصى، بتعدُّد أشْكالها وبتنوُّع أصنافها، بُرْهانٌ سَاطع؛ وآيةٌ ظاهرة على كمال قُدْرة الله تعالى، وقد بَسَط اللهُ سبحانه بيان ذلك في مواضع جمَّة مِنْ كتابه، قال شيخ الإسلام في تتمَّة كلامه السابق:” والمقصود إنه سُبحانه عَدْلٌ لا يَظْلم، وعَدْله إحْسانه إلى خَلْقه، فكل ما خَلَقه فهو إحْسانٌ إلى عباده، ولهذا كان مُسْتحقاً للحَمْد على كلِّ حال، ولهذا لمَّا ذَكر في سورة النَّجم أنواعاً من مقدوراته.
قال بعدها: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى) فدلَّ على أنَّ هذه الأنعم؛ مثل إهْلاك الأمْم المكذِّبة للرسل، فإنّ في ذلك من الدلائل على قدرته وحكمته، ونعمته على المؤمنين؛ ونصره للرسل، وتحقيق ما جاءوا به؛ وأنَّ السعادة في متابعتهم، والشقاوة في مخالفتهم، ما هو أهون من أعظم النِّعم. وكذلك ما ذكره في سورة الرحمن، وكل مخلوق هو من آلائه من وجوه:
منها: أنه يستدل به عليه؛ وعلى توحيده وقدرته وغير ذلك، وأنه يحصل به الإيمان والعلم؛ وذكر الرب، وهذه النّعمة أفضل ما أنعم الله به على عباده في الدنيا، وكلُّ مخلوقٍ يعين عليها؛ ويدلُّ عليها، هذا مع ما في المخلوقات من المنافع لعباده؛ غير الاستدلال بها، فإنه سبحانه يقول: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) لَـمَّا يذكر ما يذكره من الآية، وقال: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى) والآلاء: هي النِّعم، والنِّعم كلها مِنْ آياته الدالة على نفسه المقدّسة، ووَحْدانيته ونعوته؛ ومعاني أسْمائه، فهي آلاء آياته، وكل ما كان من آلائه؛ فهو مِنْ آياته، وهذا ظاهر، وكذلك كل ما كان مِنْ آياته فهو من آلائه، فإنه يتضمَّنُ التعريف والهداية؛ والدّلالة على الرب تعالى، وقُدْرته وحِكْمته؛ ورحمته ودينه، والهُدى أفْضل النّعم.
وأيضاً: ففيها نعمٌ ومنافع لعباده غير الاستدلال، كما في خلق الشمس والقمر؛ والسحاب والمطر؛ والحيوان والنبات، فإنَّ هذه كلها من آياته، وفيها نِعمٌ عظيمةٌ على عباده غير الاستدلال، فهي تُوجبُ الشكر لما فيها من النّعم، وتُوجب التذكّر لما فيها من الدلائل، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً) (الفرقان: 62). وقال: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) (ق: 8)،
فإنَّ العبد يدعوه إلى عبادة الله؛ داعي الشُّكر، وداعي العلم، فإنه يشهد نِعَم الله عليه؛ وذلك داعٍ إلى شُكرها، وقد جُبلت النُّفوس على حبّ مَنْ أحسن إليها، والله تعالى هو المُنْعم المحسن، الذي ما بالعباد من نعمةٍ؛ فمنه وحده.
وذلك في قوله تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى* وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى) (النجم: 42 – 55)، وفيها مِنْ ذكر قُدرته وفعله؛ وتصرّفه في الخَلْق والإيجاد، والبَعْث والمعاد، وإهْلاك الأمم والإيعاد، لذكرى لمن كان له قلبٌ؛ أو ألْقى السّمع وهو شهيد، بأنه الله الواحد القادر على كل شيء.
وقد ذمَّ سبحانه مَنْ كفر بعد إيمانه، كما قال: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (الأنعام: 63) الآية، فهذه في كشف الضُّر، وفي النعم قال: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الواقعة: 82) أي: شكركم؛ وشكر ما رزقكم الله؛ ونصيبكم، تجعلونه تكذيباً؛ وهو الاستسقاء بالأنواء”.

3- اختلف الناس في تفسير (إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 20) مع تصديقهم بخبره سبحانه، فقالت طائفة: إنَّ هذا عامٌّ يدخل فيه المُمتنع لذاته، مِن الجمع بين الضّدين ! قاله طائفة منهم ابن حزم. وطائفة تقول: هذا عامٌّ مخْصوص، يخصّ منه المُمتنع لذاته، فإنه وإنْ كان شيئاً، فإنه لا يدخل في المقدور، كما ذكر ذلك ابن عطية وغيره !
وقد حكى القولين ابن تيمية رحمه الله؛ وخَطَّئهما؛ ثم قال:” والصواب وهو القول الثالث؛ الذي عليه عامة النُّظار، وهو: أن” الممتنع لذاته” ليس شيئاً ألبتة، وإنْ كانوا متنازعين في المعدوم، فإنّ الممتنع لذاته؛ لا يمكن تحققه في الخارج، ولا يتصوّره الذهن ثابتاً في الخارج، فلم يدخل في قوله: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك: 1).

ثم قال:” المسألة الثانية: إنّ المعدوم ليس بشيءٍ في الخارج عند الجمهور، وهو الصواب.
وقد يطلقون إنّ الشيء هو الموجود، فيقال على هذا: فيلزم أنْ لا يكون قادراً إلا على موجود، وما لم يَخْلقه؛ لا يكون قادراً عليه، وهذا قولُ بعض أهل البدع، قالوا: لا يكون قادراً إلا على ما أراده؛ دون ما لم يُرده؟ ويُحكى هذا عن تلميذ النظّام”.
إلى أنْ قال:” والتَّحقيق أنّ الشَّيء اسمٌ لما يُوجد في الأعْيان؛ ولما يُتَصوّر في الأذْهان، فما قدَّره الله؛ وعلم أنه سيكون؛ هو شيءٌ، في التقدير والعلم والكتاب، وإنْ لم يكنْ شيئاً في الخارج، ومنه قوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: 82).
ولفظ الشيء في الآية؛ يتناول هذا وهذا، فهو على كل شيء – ما وجد وكل ما تصوره الذهن موجوداً، إنْ تصوّر أنْ يكون مَوجوداً – قدير، لا يستثنى مِنْ ذلك شيء، ولا يزاد عليه شيء، كما قال تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ) (القيامة: 4). وقال: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) (الأنعام: 65).
وقد ثبت في الصحيحين: أنها لما نَزَلت قال النبي صلى الله عليه وسلم:” أعُوذُ بِوجْهِك” فلما نَزلت: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً)
(الأنعام: 65) الآية، قال:”هَاتان أهْون”. فهو قادرٌ على الأولتين؛ وإنْ لم يفعلها،
وقال: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون: 18).
قال المفسرون: لقادرون على أنْ نذهبَ به؛ حتى تُموتوا عَطَشاً، وتهلك مَواشيكم، وتَخرب أراضيكم، ومعلوم أنه لم يذهب به، وهذا كقوله: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ)؛ إلى قوله: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الواقعة: 68 – 82) وهذا يدل على أنه قادرٌ على ما لا يفعله؛ فإنه أخبر أنه لو شاءَ جَعَل الماء أُجَاجاً، وهو لم يفعله.
ومثل هذا: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) (السجدة: 13)، (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ) (يونس: 99) (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ) (البقرة: 253) فإنه أخبر في غير موضعٍ أنه لو شاء لفعل أشياء، وهو لم يَفعلها، فلو لم يكن قادراً عليها لكان إذا شاءها لم يمكنه فعلها.

(المسألة الثالثة): إنه على كلِّ شيء قَدير، فيدخل في ذلك أفعالُ العباد؛ وغير أفعال العباد، وأكثر المعتزلة يقولون: إنَّ أفعالَ العبد غير مقدورة !!

(المسألة الرابعة): إنه يدخلُ في ذلك أفعالُ نفسه، وقد نَطَقت النُّصوص بهذا، وهذا كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم) (يس:81)؛ (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (القيامة: 40)؛ (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ) (القيامة: 4) ونظائره كثيرة. والقُدرة على الأعيان؛ جاءت في مثل قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ) (ق: 16)؛ (أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) (البلد: 5) وجاءت منصوصاً عليها في الكتاب والسُّنة،
أما الكتاب فقوله: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ) (الزخرف: 41) فبيّن أنه سُبحانه يقدر عليهم أنفسهم، وهذا نصٌ في قُدرته على الأعيان المفعولة، وقوله: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ) (ق: 45)؛ و(لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية: 22) ونحو ذلك، وهو يدل بمفهومه على أنّ الربّ هو الجبَّار عليهم المسيطر، وذلك يستلزم قدرته عليهم.
وجاء أيضاً الحديث منصوصاً في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي مَسْعود رضي الله عنه، لما رآه يَضربُ عبده:” للهُ أقْدرُ عليك؛ منك على هذا”.
فهذا فيه بيان قُدْرة الرب على عين العبد، وأنه أقدرُ عليه منه على عبده، وفيه إثباتُ قدرة العبد”.

ثم ذكر اختلاف الناس في قُدرة الرب والعبد؛ فقال: وقد تنازع الناسُ في”قُدرة الربِّ والعبد”؛ فقالت طائفة: كلا النّوعين يتناول الفعل القائم بالفاعل، ويتناول مقدوره، وهذا أصحُّ الأقوال، وبه نَطَق الكتاب والسنة، وهو: أنَّ كلَّ نوعٍ من القدرتين يتناول الفعل القائم بالقادر، ومقدوره المُباين له، وقد تبيَّن بعض ما دلَّ على ذلك في قُدرة الرب.
وأما قدرة العبد: فذِكرُ قدرته على الأفعال القائمة به كثيرة، وهذا متفقٌ عليه بين الناس الذين يثبتون للعبد قدرة، مثل قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: 16). (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ) (التوبة: 42) الآية.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:” صَلِّ قائماً، فإنْ لم تسْتطعْ فقاعداً، فإنْ لم تَسْتطعْ فعلى جنبِكَ”.
وأما المباين لمحلِّ القدرة، فمثل قوله: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) إلى قوله:(وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا) إلى (قَديرا) (الفتح: 20 – 21) فدلَّ على أنهم قدروا على الأول، وهذه يمكن أنْ يقدروا عليها وقتاً آخر، وهذه قُدرة على الأعيان، وقوله: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) إلى قوله: (عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) (القلم: 25 – 32).

وأيضاً: فالقُرآن دَلَّ على أنَّ المفعولات الخَارجة مَصْنُوعة لهم، وما كان مَصْنوعاً لهم فهو مقدور بالضرورة والاتفاق، والمنازع يقول: ليس شيءٌ خارجاً عن محل قُدرتهم؛ مصنوعاً لهم، وهذا خِلاف القرآن، قال تعالى لنوح: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) (هود: 37).
وقال: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) (هود: 38) وقد أخْبر أنَّ الفُلك مَخلوقة، مع كونها لبني آدم؛ وجَعَلها مِنْ آياته،فقال: (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (يس: 41).
(سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) (الحج: 65)؛ (وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف: 12)؛ وقال: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: 95- 96).
فجعل الأصنامَ مَنْحوتةً مَعْمولة لهم، وأخْبر أنه خَالقهم، وخالقُ معمولهم، فإن”ما” ههنا: بمعنى الذي، والمراد خَلَق ما تعملونه مِنْ الأصنام، وإذا كان خَالقاً للمَعْمول؛ وفيه أثر الفعل، دلّ على أنه خالقٌ لأفعال العباد.
وأما قولُ مَنْ قال: إن”ما” مصدرية، فضعيف جداً.
وقيل: بل الربُّ تعالى لا يَقْدر إلا على المخلوق المُنْفصل، لا يَقُوم به فعلٌ يقدر عليه؟! والعبد لا يَقدر إلا على ما يقومُ بذاته، لا يقدر على شيءٍ مُنْفصل عنه! وهذا قول الأشعري، ومَنْ وافقه من أتباع الأئمة: كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني، وغيرهم.
وقيل: إنَّ العبدَ يقدِر على هذا وهذا، والربّ لا يقدِر إلا على المنفصل! وهو قول المعتزلة.
وقيل: إنَّ كليهما يقدر على ما يقوم به؛ دون المنْفصل، وما علمتُ أحَداً قال: كلاهما يقدر على المنفصل دون المتصل.

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي

اقرأ المزيد في سلسلة: "أسماء الله الحسنى"