من أسماء الله الحسنى: الوكيل – الكفيل

معنى “الوكيل” و”الكفيل” في اللغة:

قال ابن سيده: وَكِل بالله؛ وتوكَّل عليه واتَّكل: استسلم له، يقال: توكَّل بالأمر؛ إذا ضَمِنَ القيام به، ووكَلْت أمري إلى فلان، أي: ألجأته إليه؛ واعتمدت فيه عليه، ووَكَّل فلانٌ فلاناً: إذا اسْتكفاه أمرَه؛ ثقةً بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمْر نفسه.
ووَكل إليه الأمر: سلَّمه. ووَكله إلى رأيه وَكْلاً ووَكولا: تركه.
وقال الجوهري: والتَّوَكُّلُ: إظهار العجز والاعتماد على غيرك، والاسم التُّكْلان.
وقال الزجاجي: والوكيل: الكفيل أيضاً، كذلك قالوا في قوله تعالى عز وجل؛ في سورة يوسف: (اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (يوسف: 66) أي: كفيل.
* وأما الكفيل فهو من:
* كَفَله يَكُفُله، كَفَّله إياه، والكافل: العائل، وفي التنزيل العزيز (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) (آل عمران: 37).
وفي الحديث:”أنا وكافلُ اليتِيم كهاتين في الجنة، له ولغيره”.
والكافل: القائم بأمْر اليتيم المربّي له، وهو من الكفيل الضَّمين.
وقال ابن الأعرابي: كفيلٌ وكافل، وضَمِينٌ وضامن؛ بمعنى واحد.
وفي”التهذيب” للأزْهري: وأما الكافل: فهو الذي كَفَلَ إنْساناً يَعُوله، ويُنْفق عليه.

اسم الله “الوكيل” و”الكفيل” في القرآن الكريم:

* ورد”الوكيل” في القرآن أربع عشرة مرة، منها:
قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173).
وقوله: (وتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) (النساء: 81).
وقوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الأنعام: 102).
وقوله تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (هود: 12).
وقوله تعالى: (فلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (يوسف: 66).
وقوله تعالى: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً) (الإسراء: 2).
وقوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) (المزمل: 9).
* وأما”الكفيل” فقد جاء مرة واحدة:
في قوله تعالى: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (النحل: 91).

معنى “الوكيل” و “الكفيل” في حق الله تبارك وتعالى:

قال الفَرّاء في قوله تعالى: (اتَّخِذْهُ وَكِيلاً): كَفِيلاً بما وَعَدك. وقال في قوله تعالى: (أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً): يقال: ربّاً، ويقال: كافياً. وقال أبوجعفر ابن جرير في قوله تعالى: (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): كفانا الله، يعني: يَكفينا الله (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) يقول: ونعْم المولى لمن وليه وكفله، وإنّما وَصَف اللهُ تعالى نفسه بذلك، لأنّ”الكفيل” في كلام العرب؛ هو: المُسْنَدُ إليه القيامُ بأمره، فلما كان القوم الذين وصفهم الله؛ بما وصفهم به في هذه الآيات، قد كانوا فَوَّضُوا أمرهم إلى الله، ووثِقوا به، وأسْندوا ذلك إليه، وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم.
وقال في قوله تعالى: (تَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً): وتوكّل أنت يا محمد على الله، يقول: وفوّض أنتَ أمرك إلى الله، وثق به في أمورك، وولها إياه، (وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) يقول: وكفاك الله ، أي: وحسبك بالله وكيلاً، أي: فيما يأمرك، وولياً لها ودافعاً عنك وناصراً.
وقال في قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ): والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته.
وقال الخطابي بعد أن ذكر قول الفراء أنه”الكافي”: ويقال معناه: أنه الكفيل بأرزاق العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته: أنه الذي يستقلُّ بالأمر الموكول إليه، ومن هذا قول المسلمين (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أي: نعم الكفيل بأمورنا القائم بها.
وقال أبوعبد الله الحليمي:”الوكيل” وهو: الموكَّل والمفوَّض إليه علماً بأن الخلق والأمر له، لا يملك أحد من دونه شيئاً.
فيتلخَّص في”الوكيل” ثلاثة معان:
1- الكفيل. 2- الكافي. 3- الحفيظ.
* وأما”الكفيل”:
فقال ابن جرير في قوله تعالى: (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا): وقد جَعلتم الله بالوَفاء بما تَعَاقدتم عليه على أنْفسِكم راعياً، يَرْعى المُوفى مِنْكم بعهْد الله، الذي عَاهَد على الوفاء به والناقض.
وساق بسنده إلى مجاهد في معنى”كفيلاً” قال: وكيلاً.
وقال الحليمي:”الكفيل” ومعناه: المتقبّل للكفايات، وليس ذلك بعقد وكفالة ككفالةِ الواحد مِنَ الناس، وإنما هو على معنى أنه لما خَلْق المحتاج؛ وألزمه الحاجة، وقدَّر له البَقاء الذي لا يكون إلا مع إزالة العلّة، وإقامة الكفاية، لم يُخْلِهِ مِنْ إيصال ما علَّق بقاؤه به إليه، وإدْراره في الأوْقات والأحوال عليه. وقد فعل ذلك ربُّنا جل ثناؤه، إذ ليس في وُسْع مُرْتزق أنْ يَرزقَ نفْسه، وإنما الله جلَّ ثناؤه يرزق الجَماعة من الناس والدواب، والأجنة في بطون أمهاتها، والطير التي تغدو خماصاً وتروح بطانا ً، والهوام والحشرات، والسباع في الفلوات.
وقال القرطبي:”كفيلا” يعني: شهيداً، ويقال: حافظاً، ويقال: ضامناً.

من آثار الإيمان باسم الله “الوكيل” و “الكفيل”:

1- إن الله سبحانه وتعالى هو القائم بأمر الخلائق أجمعين، والمتكفل برزقهم وإيصاله لهم، والرعاية لمصالحهم، وما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهذا لا بد يتضمّن أوصافاً عظيمة مِنْ أوْصافه، كحياته، وعِلْمه، وقُدْرته وقوته، ورحمته، وحكمته، وجُوده وكرمه، ووفاء عَهْده، وصِدقِ وعده… إلى غير ذلك من الأوْصاف الجليلة، اللائقة بكمَاله وعظمته.
قال القرطبي: فيجبُ على كلِّ مُؤْمنٍ أنْ يعلم أنَّ كلَّ مالا بدَّ له منه، فالله سبحانه هو الوكيلُ والكفيل؛ المتوكّل بإيصاله إلى العبد، إما بنفسه فيخلقُ له الشَّبع والرِّي، كما يَخْلق له الهداية في القلوب، أو بواسطة سبب مَلَك؛ أو غيره يُوكّل به.

2- الفرق بين وكالة الخالق ووكالة المخلوق:
بينَّا فيما سبق أنْ الخَلْق قد يشتركونَ مع الخَالقِ في بعض دلالات الأسْماء الحُسْنى، كالسَّمع والبصر والحياة.. وغيرها من الصفات.
ولكنْ هذا لا يعني التشابه في الصفات؛ لمجرد الاشتراك في الأسماء، فأينَ سمعُ الإنْسَان مِنْ سمع الرحمن، وأين بصرُه مِنْ بصره، وأينَ علمه مِنْ علمه، وأينَ الترابُ مِنْ ربِّ الأرْباب سبحانه وتعالى. وإذا كان بعض الخلق قد يتوكّل بغيره مِنَ الضُّعفاء، واليتامى والمساكين والأرامل، فلا يعني هذا أنه قد شابه الله تعالى في صِفته، فإنّ هذا المتوكل بأمرِ غيره، هو نفسه محتاجٌ إلى رزق الله؛ ومَعُونته ورحمته وفضله.
قال ابن العربي: فإذا عَلِمتم معنى”الوكيل” فلله في ذلك منزلته العَلياء، بأحْكامٍ تختصُّ به أربعة:
الأول: انفراده بحفظ الخلق.
الثاني: انفراده بكفايتهم.
الثالث: قدرته على ذلك.
الرابع: إنَّ جميع الأمر، مِنْ خيرٍ وشر، ونفعٍ وضر، كل ذلك حادثٌ بيده.
ثم قال: المنزلة السُّفْلى للعبد، وله في ذلك ثلاثة أحكام:
أنْ يتبرأ من الأمور إليه، لتحصل له حقيقةُ التوحيد، ويرفع عن نفسه شغبَ مَشقَّة الوجوب..
الثاني: أنْ لا يَسْتكثر ما يَسأل، فإنّ الوكيل غني، ولهذا قيل: مِنَ علامة التوحيد، كثرة العيال على بساط التوكل.
الثالث: أنك إذا علمتَ أنّ وكيلك غنيٌّ وفيٌّ، قادرٌ مليٌّ، فأعرض عن دنياك، وأقبل على عبادة من يتولاَّك.
ونضيف بأن الوكيل يكون قادراً على القيام بأمر مُوكله في وقت، وعاجزاً عنها في وقت آخر، غنياً في وقت فقيراً في آخر، عالماً بشيء جاهلاً بغيره، حياً في وقت ميتاً في غيره، والله جل شأنه يتعالى عن ذلك كله.
قال تعالى: (تَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) (النساء: 81). وقال: (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (هود: 123).
وقال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) (الفرقان: 58).

3- حضَّ الله تبارك وتعالى على التوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، وجعل هذا من صفات المؤمنين به، فقال سبحانه: (وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (المائدة:23).
وقال:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: 2).
وقال سبحانه: (إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) (يونس: 84).
فالتوكّل إذن يزيدُ بزيادة الإيمان، ويَنْقص بنقصانه.
وكيف لا يتوكَّل المؤمن على الله وهو: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر: 62).
وهو الكافي لمن توكل عليه وفوَّض أمره إليه (وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) (النساء: 81).
وقد أخبر سبحانه عن محبته لمن اتصف بهذه الخصلة، فقال مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159).
ووعدهم بالأجر العظيم والثواب الجزيل، فقال: (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الشورى: 36).
وحرَّم سبحانه على عباده التوكل على غيره، فهو وحده حسبهم ونعم الوكيل، فقال: (أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً) (الإسراء: 2).
وقال: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) (المزمل: 9).
وقال: (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر: 38).

4- وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين الغاية في التوكل على الله تعالى والإنابة له، وتفويض الأمور إليه، وقد مدحهم ربهم تبارك وتعالى في كتابه الكريم في غير موضع. فقال سبحانه:(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)) (آل عمران: 173، 174).
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أُخبر أن أبا سفيان وأصحابه يقصدونهم ـ وذلك بعد غزوة أحد ـ فقال صلى الله عليه وسلم:”حسبنا الله ونعم الوكيل”.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: (النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).
وكذا ما كان منهم في”غزوة الخندق” من إظهار التوكل على الله وتسليم الأمر له، وقد حكاه عنهم ربهم تبارك وتعالى في قوله: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 22، 23).

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي

اقرأ المزيد في سلسلة: "أسماء الله الحسنى"