من أسماء الله الحسنى: الواسع

معنى “الواسع” في اللغة:

السَّعةُ نقيضُ الضيق، وقد وَسِعَهُ يَسَعُهُ ويَسِعهُ سعةً، ووَسُعَ بالضم وساعةً؛ فهو وسيعٌ.
قال الجوهري: والوُسْعُ والسَعَةُ: الجِدَةُ والطاقة، قال تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ) (الطلاق: 7)، أي: على قدر غِناه وسعته.
قال الزجّاج: أصل السَّعَةُ في الكلام: كثرةُ أجزاء الشيء، يقال: إناءٌ واسعٌ، وبيتٌ واسعٌ، ثم قد يستعمل في الغنى، يقال: فلانٌ يعطي من سعةٍ، يراد من غنىً وجده، وفلانٌ واسع الرحلِ؛ وهو الغني.

اسم الله “الواسع” في القرآن الكريم:

جاء في القرآن تسع مرات منها:
قوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 115).
وقوله:(وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 247).
وقوله:(واللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 268).
وقوله:(وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيما) (النساء: 130).
وقوله:(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) (النجم: 32).

معنى “الواسع” في حق الله تبارك وتعالى:

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: (إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أي : جواد يسع لما يُسأل.
قال ابن جرير: (إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ): يعني جل ثناؤه بقوله”واسع” يَسَعُ خَلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير. وقال: (وَاللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ): واللهُ واسعٌ بفضله فينعم به على مَن أحب، ويريد به من يشاء،”عليم” بمن هو أهلٌ لمُلكه، الذي يؤتيه وفضله الذي يعطيه، فيُعطيه ذلك لعلمه به؛ وبأنه لما أعطاه أهل، إما للإصلاح به، وإما لأنْ ينتفع هو به.
وقال الخطابي:”الواسع” هو الغني الذي وسع غناه مَفَاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه، والسعة في كلام العرب: الغنى، ويقال: الله يعطي عن سعة.
قال الحليمي:” الواسع” ومعناه الكثير مقدوراته ومعلوماته، المنبسط فضله ورحمته، وهذا تنزيهٌ له من النقص والعلة، واعتراف له بأنه لا يعجزه شيءٌ؛ ولا يخفى عليه شيء، ورحمته وسعت كل شيء.
وفي المقصد:”الواسع” مشتق من السعة، والسعة تضاف مرةً إلى العلم، إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط النعم، وكيفما قدّر؛ وعلى أي شيء نزل. فالواسع المطلق هو الله تعالى، لأنّه إنْ نَظر إلى عِلمه؛ فلا ساحلَ لبحر معلوماته، بل تنفد البحار لو كانت مداداً لكلماته، وإنْ نظر إلى إحْسانه ونعمه، فلا نهاية لمقدوراته، وكلّ سعةٍ وإنْ عظمت فتنتهي إلى طرف، والذي لا ينتهي إلى طرف هو أحقّ باسم السّعة، والله تعالى هو الواسع المطلق، لأنَّ كل واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق، وكل سعة تنتهي إلى طرف، فالزيادة عليها مُتصورة، وما لا نهايةَ له ولا طرف، فلا يُتصور عليه زيادة.
وقال الإصبهاني: ومِنْ أسْمائه”الواسع”: وسِعتْ رحمتُه الخلقَ أجمعين، وقيل: وسع رزقه الخلق أجمعين، لا تجد أحداً؛ إلا وهو يأكلُ رزقه، ولا يقدرُ أنْ يأكلَ غيرَ ما رُزق.
وقال القرطبي: أي يوسّع على عباده في دينهم، ولا يُكلّفهم ما ليس في وُسعهم.
قال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحْصى أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظـمة والسلطان والمُلك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.

من آثار الإيمان باسم الله “الواسع”:

1- الله سبحانه وتعالى واسعٌ في علمه، واسعٌ في حِكْمته، فلو كان ماءُ البحر مداداً للقلم الذي يُكتب به كلمات الله وحكمته، وآياته وعِلمه؛ وشَرعه وقَدَره، لنفد ماء البحر؛ قبل أنْ ينفد ما عند الله من علمٍ وحكمةٍ وآيات، ولو مَدَدنا البحر بمثل ما فيه، كما قال تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (الكهف: 109).
وقال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان: 27). أي: لو أنّ أشجار الأرض كانت أقلاماً، والبحار مِداداً، وسبعة بحارٍ مثلها مداداً، وكُتِبت بتلك الأقلام، وبذلك المِداد، كلماتُ الله، لنفدت البحار؛ وتكسرت الأقلام، ولم تنفدْ كلمات الله جلَّ شأنه.

2- تقدم قول الحليمي رحمه الله: أن”الواسع” معناه: الكثير مقدوراته؛ ومعلوماته.
فقد جاء اسمه”الواسع” مقترناً بــ”العليم” في سبع آيات من كتاب الله، فالله سبحانه واسعُ العطاء، كثيرُ الإفْضال على خلقه، والخَلْق كلهم يتقلّبون في رحمته وفضله، يُعطي من يشاء ويمنع، ويخفض مَن يشاء ويرفع، بعلمه الذي وَسِع كلّ شيء وحكمته. وقد ذكر الله اعتراض بني إسرائيل على نبيهم، حين قال لهم: (إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) (البقرة: 247). أي: كيف يكون له المُلك؛ وليس مِن سِبْط النبوة؛ ولا المُلك، ونحن أحقُّ بالمُلك منه، ثم هو ليس من الأغنياء؟ أصحاب الأموال والسعة في الرزق؛ ليُفضَّل علينا. فردَّ عليهم نبيهم عليه الصلاة والسلام بقوله: (إنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) (البقرة: 247).
قال ابن جرير: وأما قوله: (وَاللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) فإنه يعني بذلك: والله واسعٌ بفضله؛ فينعم به على مَنْ أحبّ، ويريد به من يشاء، عليمٌ بمن هو أهلٌ لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل، إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به. اهـ .

3- وتقدم قول القرطبي في” الواسع” أنه يُوسّع على عباده في دينهم، ولا يكلّفهم ما ليس في وسعهم. ومِصْداق ذلك من كتاب الله، قوله سبحانه: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة:185). وقوله: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: 233). وقوله: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: 286). وقوله: (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: 6). وقال عليه الصلاة والسلام:” إنَّ هذا الدِّين يُسْرٌ؛ ولنْ يُشادَّ الدِّين أحدٌ؛ إلا غَلَبه…”.
فكلُّ ما كلفنا الله سبحانه به من العبادات والشرائع، هو مما تُطيقه النفوس على وجه العموم، ثم خفّف اللهُ عز وجل عن المريض والمسافر، والمُسن والفقير، والمرأة والصغير، وغيرهم من أصحاب الأعذار، كلُّ ذلك تخفيفاً وتوسعةً على عباده، ورفعاً للضيق والحَرَج عنهم. وأَضْربُ على ذلك مثالاً مناسباً لما نسمعه هذه الأيام، من اتجاه الغرب النصراني؛ لإباحة الطلاق بين الأزواج؛ بعد أنْ حرموه على أنفسهم؛ وضيقوا ما وسع الله عليهم. قال الله تعالى في كتابه العزيز عن الزوجين: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً) (النساء: 130).
قال ابن جرير: يُغني الله الزوج والمرأة المطلقة مِنْ سعة فضله، أما هذه فبزوجٍ هو أصلحُ لها من المُطلّق الأول، أو برزقٍ واسع وعصمة، وأما هذا فبرزقٍ واسع؛ وزوجة هي أصلح من المطلقة؛ أو عِفَّة.
(وكان الله واسعاً) يعني: وكان الله واسعاً لهما في رزقه إياهما، وغيرهما مِنْ خَلقه، حَكيماً فيما قضى بينه وبينها من الفُرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها؛ من الحُكم بينهما في هذه الآيات وغيرها، وفي ذلك مِنْ أحكامه وتدبيره؛ وقضاياه في خَلقه اهـ .
إنَّ الله واسع المغفرة، ومِنْ سَعَة مغفرته: أنه يغفر لكلِّ مَنْ تابَ وأناب، مهما بلغت ذنوبه وخطاياه، قال الله عزَّ مِن قائل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53).
وقال حَمَلةُ العرش عن ربّهم تبارك وتعالى: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (غافر: 7).

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي.

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: