من أسماء الله الحسنى: المجيد

معنى “المجيد” في اللغة:

قال الزجاج: أصلُ المجد في الكلام: الكثرة والسَّعة. فالماجد في اللغة: الكثير الشرف.
وقال الزجاجي: المجيد: الكريم، والمجد الكرم .
قال ابن سيده: المجد نيل الشَّرف، وقيل: لا يكون إلا بالآباء، وقيل: المجد الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي.
وقال الراغب: المجد: السَّعَة في الكَرَم والجلال .
ويتحصَّل عندنا في معنى” المجد”:
1- أنه الشَّرف التام الكامل.
2- أنه السّعة والكثرة.

اسم الله “المجيد” في القرآن الكريم:

ورد الاسمين مرتين: في قوله تعالى: (رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) (هود: 73).
وقوله سبحانه: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) (البروج: 14 – 15).

معنى “المجيد” في حق الله تبارك وتعالى:

قال أبو عبيدة: (حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) أي: محمود ماجد.
وقال ابن جرير:” مجيد”: ذو مجدٍ ومدحٍ وثناء كريم.
وقال الخطابي:” المجيد” هو الواسع الكرم.
وفي المقصد:” المجيد” هو الشريف ذاته؛ الجميل أفعاله؛ الجزيل عطاؤه ونواله.
وقال ابن كثير: الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمودٌ ممجد في صفاته وذاته.
وقال الشوكاني:”مجيد”: كثير الإحسان إلى عباده، بما يفيضه عليهم من الخيرات.
وقال عبد الرحمن السَّعدي: المجيدُ الكبير العظيم الجليل، وهو الموصوفُ بصفاتِ المجْد والكبرياء؛ والعظمة والجلال، الذي هو أكبرُ مِنْ كلّ شيء، وأعْظمُ من كل شيء؛ وأجلُّ وأعْلى، وله التعظيم والإجلال في قلوب أوْليائه وأصفيائه، قد مُلئت قلوبهم مِنْ تعظيمه وإجلاله؛ والخضوع له؛ والتذلل لكبريائه.

من آثار الإيمان باسم الله “المجيد”:

1- قال الأزهري: الله تعالى هو”المجيد” تَمجَّد بفعاله، ومجَّدهُ خلقه لعظمته.
فالله سبحانه له المجد العلي العظيم، بفعاله العظيمة وصفاته العلية وبأسمائه الحسنى، فلا مجدَ إلا مجده، ولا عظمة إلا عظمته، وكلُّ مجدٍ لغيره؛ إنما هو منه عطاءٌ وتفضّل.
وفي اقتران”الحميد” مع”المجيد” بيانٌ أنه محمود على مجده وعظمته؛ وكمال صفاته، فليس كلّ ذي شرفٍ محمود، وكذلك ليس كل محمودٍ يكون ذا شَرَف.
قال الحليمي:”المجيد” ومعناه: المنيع المحمود؛ لأنَّ العرب لا تقول لكل محمودٍ مجيداً، ولا لكل منيع مجيداً. أو قد يكون الواحد منيعاً غير محمود، كالمتآمر الخليع الجائر، أو اللص المتحصّن ببعض القلاع. وقد يكون محموداً غير منيع، كأمير السُّوقة والصابرين من أهل القبلة.
فلما لم يقلْ لكل واحدٍ منهما مجيد، علمنا أنّ”المجيد” من جمع بينهما فكان منيعاً لا يرام، وكان في منعته حسن الخصال جميل الفعال، والباري – جل ثناؤه – يُجل عن أنْ يرام؛ وأنْ يوصل إليه، وهو مع ذلك مُحسن مجمل؛ لا يستطيع العبد أنْ يُحصي نعمته، ولو استنفذ فيه مدته، فاستحق اسم المجيد؛ وما هو أعلى منه اهـ .

2- إنّ الله سبحانه عطاؤه واسعٌ، وفضله سابغ، قد شمل المؤمن والكافر، والبَر والفاجر، مجد بذلك نفسه في قوله عز وجل: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) (إبراهيم: 34).

3- مجد الله تعالى نفسه في كتابه العزيز في آيات كثيرة، بل القرآن مليءٌ بتمجيد الله وتعظيمه، وكذا حديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وأعظم آيات القرآن وسوره؛ هي التي احتوت على ذلك، كآية الكرسي في البقرة، وسورة الفاتحة والإخلاص.
ومِنْ أعْظم ما يُعظِّم به العبدُ ربَّه ويُمجِّده، هو تلاوة كتابه، في آناء الليل؛ وأطراف النهار، فإنه لا أحدٌ يُحْصي الثناء عليه؛ والتَّمجيد له، كما أثنى هو على نفسه.
وفي الحديث القدسي:” قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نِصْفَين؛ ولعبدي ما سَأل، فإذا قال العبد: (الحمدُ للهِ ربِّ العَالمين)، قال الله تعالى: حَمَدني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَن الرَّحِيم)، قال الله تعالى: أثْنى عليَّ عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين)، قال: مجَّدني عبدي…”. ثم ذكره وتسبيحه وتحميده؛ وتكبيره وتهليله، وما يلتحق بها مِنَ الحَوقلة والبَسْملة والحسبلة؛ والاستغفار؛ والدعاء بخيري الدنيا والآخرة.
وهذه الحال هي حال أهل الذكر، مَن لا يشقى بهم الجليس، من الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” إنَّ لله ملائكة يَطُوفون في الطُّرق؛ يلتمسون أهلَ الذكر، فإذا وَجَدوا قوماً يَذْكرون الله؛ تنادوا: هلُمُّوا إلى حَاجتكم، قال: فيَحفُّونهم بأجْنحتهم إلى السَّماء الدنيا، قال: فيَسألهم ربُّهم عزّ وجل وهو أعلمُ منهم: ما يقولُ عِبَادي؟ قال تقول: يُسبّحونك ويكبرِّونك ويَحْمدونك ويُمجِدُونك، قال فيقول: كيفَ لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لكَ عبادةً، وأشدّ لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً…، حتى قال تعالى: فأُشْهدكم أني قد غفرتُ لهم، قال يقول ملكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجُلَساء لا يشقى جليسهم”.

4- سمّى اللهُ تبارك وتعالى كتابه بـ”المجيد” في آيتين من كتابه في قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (ق: 1). وقوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) (البروج: 21- 22). قال قتادة: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) يقول: قرآن كريم.
فالقرآن مجيدٌ؛ أي شريفٌ كريمٌ عظيم، ولا غَرابة في ذلك؛ فإنه كلامُ الله المجيد، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه؛ ولا مِنْ خَلْفه، تنزيلٌ مِنْ حكيمٍ حميد.
ومِنْ مَجدِ القرآن وشَرَفه: أنه لا يُمكن للجن والإنس أنْ يأتوا بمثله، بل بسورةٍ منه، قال الله تعالى: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء: 88).
وهذا يتجلى لنا في جوانب عديدة: منها: أنه لا يمكن للجنّ والإنْس أنْ يأتوا بمثل ما فيه مِنَ التشريعات، من أمرٍ ونهي، وحلالٍ وحرام، وما فيه من العبادات الدينية؛ والمُعاملات الدنيوية، فهذا مِنْ أعظم إعجازه.
ومنها: أنّ بلاغته وفصاحته، وروعته وبهاءه، وحُسن تركيبه وأسلوبه، وأخذه بالنُّفوس؛ كله مما لا يُضاهى. ومنها: كثرة فوائده التي لا تَنقضي، ولا يَشبع منها العلماء؛ على مرّ الدهور والعصور.
ومِنْ شَرَفه ورِفْعته: أنّ اللهَ سبحانه حَفِظه وصَانه؛ مِنْ كيدِ الكفار والمنافقين، ومِنَ الحاقدين على هذا الدِّين، حَفِظه مِنْ أنْ يبدلوه أو أنْ يُحرّفوه، أو أنْ يَزِيدوا فيه أو يَنْقصوه، قال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).
ومِنْ عَظَمة هذا الكتاب ومجده: أنّ الله يَرْفع به مَنْ عَمِل به، واتخذه ديناً ومنهاجاً، ويخفض به ويذل مَنْ تركه وراء ظهره، ورأى أنّ العملَ به؛ رَجْعيةٌ وتخلّفٌ وجُمُود !!
ففي صحيح مسلم: أنّ نافع بن عبد الحارث لقي عُمر بعُسْفان، وكان عُمرُ يَسْتعمله على مكة، فقال: مَنْ استعملت علي أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومَنْ ابنُ أبزى؟ قال: مولَى مِنْ موالينا، قال: فاستخلفتَ عليهم مولَى؟! قال: إنه قارئٌ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالمٌ بالفرائض، قال عمر: أما إنَّ نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال:” إنَّ الله يَرفعُ بهذا الكتابِ أقْواماً، ويَضعُ به آخَرين”. فقد رفع الله تعالى هذا المَولى لحفظه لكتابه؛ وعلمه به – مع انحطاط نسبه وشرفه – على غيره من أهل مكة؛ أهل الشَّرف والنَّسب.
وهكذا المجدُ والرّفعة في الدرجات في الآخرة، فإنما هي لمن أخذ بهذا الكتاب، وعمِل به، والذّل والمَهانة والدركات، لمَن تركه وأعْرض عنه.

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي.

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: