من أسماء الله الحسنى: المجيب

معنى “المجيب” في اللغة:

مُجيب: اسْم فاعلٍ مِنْ: أجابَ؛ وأجابَ على.
وأجابَ عنْ سؤاله: ردّ عليه؛ وأفاده عمّا سَأل.
قال تعالى (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (القصص: 65).
وأجابه إلى حاجته: قَبِله وقَضَى حَاجته، واسْتَجاب له، لبّاه.
وأجَابَ دَعَوْةَ الدَّاعي: قَضَاها، ولَبَّى الدَّعوةَ حَتَّى لاَنَ وَأجَابَ الدَّعْوَةَ.
ومُجِيب الدُّعَاءِ: مَنْ يُجِيبُ الدُّعَاءَ أَوِ النِّدَاءَ. وأجابَ طَلَبَه.
وأَجابَتِ الأَرْضُ: أَنْبَتَتْ.

اسم الله “المجيب” في القرآن الكريم:

ورد مرتين في القرآن الكريم:
مرة بصيغة الفرد؛ في قوله تعالى على لسان نبيِّه صالح عليه السلام: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود:61).
ومرة بصيغة الجَمْع؛ في قوله تعالى: (ولقدْ نَادانا نوحٌ فلنِعمَ المُجِيبُون) الصافات: 75.
كما ورد بصيغة الفعل؛ في قوله سبحانه (فإِني قَريبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لي) البقرة: 186.

معنى “المجيب” في حق الله تبارك وتعالى:

قال ابن جرير: (إنَّ ربِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)، يقولى: إنَّ ربي قريبٌ ممنْ أخْلصَ له العبادة؛ ورغِبَ إليه في التوبة، مجيبٌ له إذا دعاه.
وقال ابن كثير: (إنَّ ربِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) كما قال تعالى: (وإذا سَألك عَبَادي عنِّي فإني قَريبٌ أجيبُ دعوة الداَّعِ إذا دَعَان) (البقرة: 186).
وقال البغوي: (إنَّ ربّي قريبٌ) مِنَ المؤمنين، (مُجيبٌ) لدُعَائهم.
وقال السعدي: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) أي: قريبٌ ممنْ دَعَاه؛ دعاءَ مسْألة، أو دعاءَ عبادة، يُجيبه بإعْطائه سُؤْله، وقَبُول عبادته، وإثَابته عليها، أجلّ الثواب.. قال: وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) وهذا النوع، قربٌ يَقْتضي إلطَافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمُرادَاتهم، ولهذا يَقْرن باسمه”القريب” اسمه”المجيب”.
وقال في قوله (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عني…) : هذا جوابُ سُؤال، سَأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعضُ أصْحابه؛ فقالوا: يا رسولَ الله ، أقريبٌ ربُّنا فَنُنَاجيه؟ أم بعيدٌ فنناديه؟ فنزل: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) لأنه تعالى ، الرقيب الشهيد ، المطَّلع على السِّر وأخْفى ، يَعْلم خَائنةَ الأعْين وما تُخْفي الصُّدُّور ، فهو قريبٌ أيضا من داعيه، بالإجَابة، ولهذا قال: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). والدُّعاء نوعان: دُعَاءُ عبادةٍ ، ودُعاء مَسْألة. والقُرْب نوعان: قربٌ بِعْلمه مِنْ كلِّ خَلْقه ، وقُربٌ مِنْ عَابدِيه ودَاعيه؛ بالإجَابة والمعُونة والتوفيق.
فمَنْ دَعا ربَّه بقَلْبٍ حَاضِر ، ودُعاءٍ مَشْروع ، ولم يمنعْ مانعٌ مِنْ إجابة الدُّعاء ، كأكلِ الحَرام ونحوه ، فإنّ الله قد وَعَده بالإجَابة، وخُصُوصاً إذا أتى بأسْبَاب إجَابة الدُّعاء ، وهي الاسْتجابة لله تعالى؛ بالانْقِياد لأوامره ونَوَاهيه؛ القولية والفعلية، والإيمان به، الموجِبِ للاسْتجابة، فلهذا قال: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان؛ والأعمال الصالحة ، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأنَّ الإيمان بالله؛ والاسْتجابة لأمْره ، سببٌ لحصول العلم؛ كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) انتهى.

من آثار الإيمان باسم الله “المجيب”:

1- أنَّ” المُجيب” اسمٌ من أسْماء الله الحُسنى، ومعناه: الذي يَسْتجِيبُ لدُعاء عباده، ويُنيل سائلَه ما يُريد.
و”المجيبُ” في حقّ الله تعالى؛ هو الذي يُقَابل مَسألةَ السَّائلين بالإجابة، ودُعاء الدَّاعين بالاسْتجابة، ويقابل ضرورة المضْطرّين بالكفَاية، تَسْأله فيُجيبك، وتَطْلبُ منه فيَسْتجيبُ لك، تكونُ مُضطراً فيُغِيثك، هذا هو: “المجيب”سبحانه.
وإجابته سبحانه وتعالى لدَعوة الداعين، وسُؤال السائلين، نوعان:
أولاً: إجابةٌ عامّةٌ للداعين: مهما كانوا، وأيْنَما كانوا، وعلى كلِّ حالٍ كانوا، كما وعَدهم بهذا الوَعْد المطلق الصادق؛ الذي لا يَتَخلَّف.
ثانيًا: إجابةٌ خاصةٌ: للمُسْتجيبين له، المنْقَادِين لشَرعه، المُخْلِصين له في الدُّعاء والعبادة؛ ولهذا عَقَّب بقوله: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) (البقرة: 186).

2- ومن هنا يتبيَّنُ أنَّ اللهَ يُجيبُ مَنْ دَعَاه في حالة الاضْطرار، مَؤْمناً كانَ أو كافراً؛ كما قال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) (النمل: 62).
وقال تعالى عن اسْتجابتِه للكفَّارِ في حالة الاضْطرار: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت: 65).

3- واسْتجابة الله تعالى للمؤمن والكافر في حال اضطراره، ليس هذا بغريبٍ على ربٍّ كريم؛ رحيم مجيب.
وهل يستجيب الله تعالى للكافر المستكبر؛ المُصرِّ على كُفره واسْتكباره؟!
والجواب: نعم، كما يُجيب اللهُ دعاءَ من يُحبُّ، فإنه قد يجيبُ دُعاء مَنْ يُبغِض، ومَنْ ليس له عنده أيُّ كرامة.
وقد دلّ القرآن العظيم على ذلك؛ وأنّه من معاني اسْم الله”المجيب”؛ فمن ذلك:
ا- أنَّ الله تعالى قد استجاب لإبليس دعوته؛ حين طلب أن يُنظِرَه الله إلى يوم الوقت المعلوم: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (الحجر: 36-38).
قال العلامة السعدي في تفسيره: “وليس لإجابة اللهِ لدُعائه كرامةٌ في حقَّه، وإنما ذلك امتحانٌ وابتلاءٌ؛ من اللهِ له وللعباد”.

ب – استجاب اللهُ لقوم سبأ؛ وذلك حين أنْعَمَ اللهُ عليهم بنِعَمِه العظيمة، وآلائه الجسيمة، فاسْتكثروا نِعَم الله، وقابَلوها بالجُحود والنُّكران: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) (سبأ: 19).

ج- اسْتجاب الله لفرعونِ هذه الأمة أبي جهل؛ حين استفتح يوم بَدْرٍ؛ فقال مقولته: “اللهمّ أقْطَعنا للرّحم، وآتانا بما لا نَعرِفُه، فأَحِنْه الغَدَاة، اللهم أيّنا أحبُّ إليك، وأرضى عندك، فانصُرْه اليوم، وفي ذلك أنزَل الله تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: 19).

د – النَّضر بن الحارث حين دعا وقال:” اللهم إنْ كان هذا هو الحقَّ، فأمطِرْ علينا حِجَارة من السماء، أو ائتِنا بعذاب أليم”، قال عطاء: لقد نزَل في النضرِ بن الحارث بضعَ عَشْرةَ آيةً، فحاقَ به ما سأَل من العذابِ يوم بَدْرٍ.
وقد ذكر الله ذلك بقوله: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَ?ذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (الأنفال: 32).

4- واعلم أنه سبحانه هو الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير؛ قد لا يستجيب للشخص في كثيرٍ من الأمور؛ ليَصْرفَ عنه شرورًا هو لا يعلمها، ولا شكّ أنَّ ما خفِيَ عنا كان أعظمَ، مما نعلم؛ وقد قال سبحانه: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216).

5- من حِكمة الله عز وجل أنْ يبتلي عباده بألوان من الهُموم والغموم؛ والأمْراض والمصائب؛ ليسألوه ويتضرّعوا إليه، ويقفوا بين يديه، فيجدوا ربًا غنيًا غير فقير، وقريبًا مجيباً غير بعيد، وعزيزًا غير ذليل؛ فالابتلاء يسوق الإنسان إلى ربّه سوقًا، فيتوسّل إليه ويدعوه؛ فيعرف العباد قدرته وكرمه؛ ورحمته وحكمته.
ذلكم هو الله المجيب سبحانه: (إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود: 61).
مجيبُ السّائلين حَملتُ ذنبي *** وسِرْتُ على الطّريق إلى حِماكا
ورحتُ أدقُّ بابك مُسْتجيرًا *** ومُعْتذرًا… ومُنْتظرًا رِضَاكا
دَعَوْتك يا مفرّج كلَّ كربٍ *** ولستَ تردُّ مَكروبًا دُعاكـا

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي

اقرأ المزيد في سلسلة: "أسماء الله الحسنى"