من أسماء الله الحسنى: اللطيف

معنى اللطيف في اللغة:

يقال: لَطَفَ به وله، بالفتح، يَلْطفُ لُطْفا، إذا رَفَقَ به، واللُطْفُ واللَّطَفُ: البرُّ والتَّكرمةُ والتَّحَفِّي، وألْطَفه بكذا؛ أي: برَّه به، وهو لَطيفٌ بالأمر؛ أي: رَفِيق. فأما لَطُفَ، بالضَّم يَلطفُ؛ فمعناه: صَغُر ودَقَّ، والّلطيف من الكلام: ما غَمُض معناه وخَفِي.

إسم الله “اللطيف” في القرآن الكريم:

ورد هذا الاسْم سبع مرات في القرآن الكريم، منها:
قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 103).
وقوله: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100).
وقوله: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 16).
وقوله: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14).

معنى “اللطيف” في حق الله تبارك وتعالى:

قال قتادة: قوله: (إنّ ربي لطيفٌ لما يشاء) لطفَ بيُوسفَ وصَنَع له، حتى أخْرجه مِنَ السِّجن وجاء بأهْله مِنَ البَدْو، ونَزَع منْ قلبه نَزَغَ الشيطان، وتَحْريشَه على إخْوته.
قال ابن جرير: وهو الَّلطيفُ بعبادِه، الخَبير بِهم وبأعْمالهم.
قال الخطَّابي: “اللطيف” هو البَرُّ بعباده، الذي يَلْطفُ لهم مِنْ حيثُ لا يَعْلمون، ويُسبّب لهم مَصَالحهم من حيثُ لا يَحْتسبون، كقوله سبحانه: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ) (الشورى: 19).
وعن ابن الأعرابي قال: ويُقال: هو الذي لَطُفَ عن أنْ يُدْركَ بالكَيْفية. وقد يكون اللطف بمعنى: الرِّقةِ والغُمُوض.
وقال الشَّوكاني رحمه الله في قوله: (إنَّ اللهَ لَطِيفٌ): لا تَخْفى عليه خَافية، بل يَصلُّ عِلْمه إلى كلِّ خَفِي.
وقال السِّعدي رحمه الله: الَّلطيفُ: الذي أحَاطَ علمُه بالسَّرائر والخَفَايا، وأدْركَ الخَبَايا والبَواطن؛ والأمورَ الدقيقة، الَّلطيف بعبادِه المُؤْمنين، المُوصل إليهم مَصَالحهم؛ بلطْفه وإحْسَانه؛ مِنْ طُرقٍ لا يَشْعرون بها، فهو بمعنى: الخَبِير، وبمعنى: الرؤوف.
وعلى هذا يكون معنى اسْمه” الَّلطيف” سبحانه:
1- إنَّه الذي لا تَخفى عليه الأشياء؛ وإنْ دقَّتْ ولَطُفت وتضاءلت، أي: هو لطيفُ العِلْم.
2- هو البَرُّ بعبادِه، الذي يَلْطفُ ويَرْفقُ بهم مِنْ حيثُ لا يَعْلمون، ويَرْزقهم مِنْ حيثُ لا يَحْتسبون؛ قال تعالى: (ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 2- 3).
3- هو الذي لَطُفَ عن أنْ يُدْرَك بالكيفية. وعلى الأول والثالث: يكونُ مِنْ أسْماء الذَّات.
وعلى الثاني: يكون مِن أسْماء الأفعال.

من آثار الإيمان باسم الله “اللطيف”

1- إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يَفُوته مِنَ العلم شيءٌ؛ وإنْ دَقَّ وصَغُر، أو خَفِي وكان في مكانٍ سَحِيق، قال سبحانه: (وعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (الأنعام: 59). وجاء في قوله تعالى عن لقمان الحَكيم: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 16).
فالله لا يخفى عليه شيء، ولا الخَرْدَلة وهي الحَبّة الصغيرة؛ التي لا وزنَ لها، فإنها ولو كانت في صَخْرةٍ في باطن الأرض، أوْ في السّماوات؛ فإنْ الله يَسْتخرجها ويأتِ بها، لأنّه الَّلطيف الخَبير.

2- وإذا عَلِم العبدُ أنَّ ربَّه مُتّصفٌ بدقة العلم، وإحَاطته بكلِّ صَغيرةٍ وكبيرة، حاسَبَ نفسه على أقواله وأفعاله، وحركاته وسَكناته، فإنّه في كلِّ وقتٍ وحين، بين يدي اللطيف الخبير: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك: 14).
والله سُبحانه يُجَازي الناسَ على أفْعالهم يوم الدِّين، إنْ خَيراً فخير، وإنْ شَراً فشر، لا يفوته مِنْ أعمالهم شيءٌ، فلا المُحْسن يَضِيعُ مِنْ إحْسانه مثقالُ ذَرّة، ولا المُسِيءُ يضيعُ من سيئاته مثقال ذرّة.
قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47).
وقال: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: 7- 8).
ثم هو بعد ذلك يزيدُ أجور الصّالحين؛ مِنْ فَضْله وكرمه ما يَشاء، ويَعْفو ويتجاوز عنْ ذنوب من يَشَاء مَنْ عباده؛ بلُطْفه وعفْوه، ويعذِّب بالذنوب مَنْ يَشاء مِنْ عباده بعَدْله، إنّه كان بعباده خَبيراً بصيراً.

3- الله سبحانه لَطيفٌ بعباده، أي: كثيرُ الُّلطْف بهم؛ بالغُ الرأْفة لهم. قال الحُليمي في معنى” اللطيف”: وهو الذي يُريد بِعباده الخَيرَ واليُسْر، ويُقَيّض لهم أسْبابَ الصّلاح والبِر. ومِنْ لُطْفه بعباده: أنه يَسُوقُ إليهم أرْزاقهم، وما يَحْتاجونه في مَعَاشهم؛ ويُيُسره لهم. قال القرطبي في تفسير الآية السابقة: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) (لقمان: 16): “وهذا القول مِنْ لقمان؛ إنّما قَصَد به إعْلام ابنه بقَدر قُدْرة الله تعالى، وهذه الغاية التي أمْكنه أنْ يَفهمه، لأنَّ الخَرْدلة يقال: إنّ الحِسّ لا يُدْرك لها ثِقلاً، إذْ لا تَرجّح مِيزاناً. أي: لو كان للإنسان رِزقُ مثقالِ حَبّة خَرْدل في هذه المواضيع، جاءَ الله بها حتى يَسُوقها إلى مَنْ هي رزقه، أي: لا تَهْتم للرّزق حتّى تَشْتغلَ به عنْ أدَاء الفَرائض، وعنْ اتباع سَبيل مِنْ أنَاب إليّ” اهـ.
قال الغزالي:” إنما يستحق هذا الاسم؛ مَنْ يَعْلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دقّ منها وما لَطُف، ثم يَسْلك في إيصالها إلى المُستحق سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمعَ الرفقُ في الفعل؛ واللطف في العلم؛ تَمَّ معنى الُّلطف، ولا يُتَصوّر كحالِ ذلك في العِلم والفعل إلا لله تعالى.
فأما إحْاطته بالدقائق والخَفَايا؛ فلا يُمكن تفصيل ذلك، بل الخَفي مَكْشوف في عِلْمه كالجَلي، مشنْ غيرِ فَرْق، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها؛ فلا يَدْخل أيضا تحتَ الحَصْر، إذْ لا يَعْرف الُّلطف في الفعل، إلا مَنْ عَرَف تفاصيلَ أفْعاله؛ وعرفَ دقائقَ الرفق فيها، وبقدر اتساع المعرفة فيها؛ تتسع المعرفة بمعنى اسم” اللطيف”، وشرحُ ذلك يستدعي طويلاً؛؛ ثم لا يتصوّر أنْ يَفِي بعَشْر عُشْره، مجلدات كبيرة، وإنما يُمكن التنبيه على بعض جُمَلِه.
فمن لطفه: خَلْقه الجَنِين في بطن الأم في ظُلمات ثلاث؛ وحِفْظه فيها وتغذيته بواسطة السُّرّة، إلى أنْ ينفصل، فيستقل بالتناول بالفم، ثم إلْهامه إياه عند الانْفصالِ التقام الثَّدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل، مِنْ غير تعليمٍ ومشاهدة. بل فَلَق البيضة عن الفَرْخ؛ وقد ألهمه التقاط الحَبّ في الحال؛ ثم تأخير خَلَق السّن عن أول الخلْقة، إلى وقتِ الحاجة؛ لاسْتغناء الإغذاء باللبن عن السِّن، ثم إنْباته بعد ذلك عند الحاجة إلى طحن الطعام، ثم تقسيم الأسْنان إلى عريضة للطَّحن، وإلى أنيابٍ للكسر، وإلى ثنايا حَادّة الأطْراف للقَطْع، ثم اسْتعمال اللسان الذي الغَرَض الأظْهر منه النُّطق؛ في ردّ الطّعام إلى المطْحن كالمِجرفة.
ولو ذُكِر لُطْفه في تيسير لقمةٍ يتناولها العبد، مِنْ غير كُلفةٍ يتَجشّمها، وقد تَعَاون على إصْلاحها خَلقٌ لا يحْصى عددهم، مِنْ مصلحٍ الأرض؛ وزَارعها وسَاقيها وحَاصدها، ومُنَقيها وطاحنها؛ وعاجنها وخابزها؛ إلى غير ذلك، لكان لا يُسْتوفى شرحه.

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي.

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: