من أسماء الله الحسنى: القاهر – القهار

معنى “القاهر” “القهار” في اللغة:

القَهْر: الغَلَبة والأخذُ من فوق، وقَهَره يَقْهرهُ قهراً: غلبه، وتقول: أخَذْتهم قهراً، أي: من غير رضاهم.
وقال الزجاج: القهر في وضع العربية: الرياضةُ والتَّذليل، يقال قَهَرَ فلان الناقة: إذا راضها وذلَّلها.

اسم الله ” القاهر” و”القهار” في القرآن الكريم:

قد وردَ الاسم”القاهر” في الكتاب العزيز مرتين: في قوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 18) وفي قوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً) (الأنعام: 61).
و”القهار” ورد ست مرات؛ منها: قوله تعالى: (قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: 16).
وقوله تعالى: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر: 16).

معنى “القاهر” و”القهار” في حق الله تبارك وتعالى:

قال ابن جرير:”القاهر” المُذَلّل المُسْتعبد خَلْقه؛ العالي عليهم، وإنما قال فوق عباده؛ لأنه وَصَف نفسه تعالى بقهره إياهم، ومِنْ صفة كلِّ قاهر شيئاً؛ أنْ يكونَ مُسْتعلياً عليه، فمعنى الكلام إذاً: والله الغَالب عباده؛ المُذَلّل لهم، العالي عليهم بتذليله لهم؛ وخَلْقه إياهم، فهو فَوقهم بقهره إياهم، وهم دُونه.
وقال ابن كثير: وهو”القاهر” فوق عباده؛ أي: هو الذي خَضَعتْ له الرقاب، وذَلّت له الجَبابرة، وعَنَتْ له الوجوه، وقهر كلّ شيء، ودَانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على الأشياء، واسْتكانتْ وتضاءلت بين يديه؛ وتحتَ قهره وحكمه.
وقال الخطابي:”القهار”: هو الذي قهر الجبابرة؛ من عُتاة خَلْقه بالعقوبة؛ وقَهر الخلق كُلِّهم بالموت.
وقال الزجاج: والله تعالى قَهَر المعاندين، بما أقامَ من الآيات والدلالات على وحْدانيته، وقهر جبابرة خلقه بعزّ سُلطانه، وقهرَ الخَلْق كلَّهم بالموت.
وقال الحليمي:”القاهر” ومعناه: إنه يُدّبر خَلْقه بما يريد، فيقع في ذلك ما يشقّ ويثقل؛ ويَغَم ويحزن، ويكون منه سلبُ الحياة أو نقصُ الجَوارح، فلا يستطيع أحدٌ ردَّ تدبيره، والخُروج من تقديره.
وقال في”القهار”: أنْ يقهر ولا يُقهر بحال.

من آثار الإيمان باسم الله “القاهر” و”القهار”:

1- إنَّ القهَّار على الحَقِيقة هو الله وحده سبحانه، قَهَرَ وغلبَ عباده أجمعين، حتى إنّ أعتى الخَلْق يتضاءل ويتلاشى أمام قهرِ الله وجبروته، فها هو الموت الذي كتبه الله على عباده أجمعين؛ لا يستطيع الخَلْق ردّه أو دفعه عن أنفسهم، ولو أُوتوا مِنَ القُوة والجَبروت ما أوتوا، وقد ذكر الله الموت قريباً من وصفه نفسه بــــ”القاهر” ليذكّرهم بشيء قد قهرهم به أجمعين، وذلك في قوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام: 61 ـ 62).
ومما قَهَرَهم به أيضاً: الأمراض والمصائب والنَّكبات، التي لا يملكون ردّها عن أنفسهم. وما أحسنَ قولِ مَنْ قال: القهَّار الذي طاحتْ عند صولته صولةُ المخلوقين، وبادتْ عند سطوته قوى الخلائق أجمعين، قال تعالى: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر: 16) فأين الجبابرة والأكاسرة؟! عند ظُهُور هذا الخِطاب؟ وأين الأنبياء والمرسلون، والملائكة المقربون في هذا العتاب؟ وأين أهل الضلال والإلحاد، والتوحيد والإرشاد؟ وأين آدم وذريته؟ وأين إبليس وشيعته؟ وكأنَّهم بَادوا وانقضوا، زهقت النفوس، وتبدَّدت الأرواح؛ وتلفت الأجْسَام والأشباح، وتفرَّقت الأوْصال، وبقي الموجود الذي لم يَزلْ ولا يزال.

2- وأما صفةُ القَهْر في الخَلْق، فغالباً ما تكون مَذْمومةً؛ لقيامها على الظُّلم والطُّغيان، والتَّسلّط على الضعفاء والفقراء، كما قال فرعون لعنه الله: (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: 127). وقال تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر) (الضحى: 9). أي: لا تَتَسلّط عليه بالظُّلم؛ وادفع إليه حقَّه، وخَصَّ اليتيم؛ لأنه لا ناصرَ له غير الله تعالى، فغلّظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظَالمه، وقوله: (وأما السائل فلا تنهر) (الضحى: 10) أي: لا تَزْجره؛ ولا تُغلظ له القَول. (وأما بنعمة ربك فحدث) (الضحى: 11)
قال القرطبي: وهذه هي النِّعمة العُظمى، وهي ما منَّ اللهُ عليه مِنَ الرِّسالة والنُّبوة، والخُلة والمَحبة، والعِلم والحِكمة، فأوجبَ عليه أنْ يُظهر ذلك ويُشيعه ويحدِّث به، ويُعلّم الجاهل غيرَ مُمتنٍّ عليه، ولا مُتطاول ولا قاهر له.
وكذلك قال معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه:”فَبِأبي هو وأمي، ما رأيتُ مُعلّماً قَبْله ولا بعدَه؛ أحسنَ تعليماً منه، فو اللهِ ما كَهَرني؛ ولا ضَرَبني ولا شَتَمني …” الحديث. خرّجه مسلم.

3- قوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً) (الأنعام: 61) يستفاد منه صفة العلو لله سبحانه على عباده، سواء علو”المكانة والرتبة” أو علو”المكان والجهة” وقد تظافرت أدلة الكتاب والسنة عليه – أي الثاني – كقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: 5). وقوله: (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء) (الملك: 16).

4- إنه سبحانه هو الذي قهرَ الخَلْق جميعاً؛ على ما أراد.

5- إنّ اللهَ تعالى هُو القهّار؛ المُسْتحق للعبادة والأُلوهية وحده لا شريك له، وما سِواه من الآلهة؛ فإنَّما هي مخلوقاتٌ عاجزةٌ مقهورة، لا تملك أنْ تَرد الضرّ عنْ نَفْسها، فكيف تقهرُ غيرها؟! وبهذا جادل نبي الله يوسف عليه السلام صاحبيه في السِّجن، فقال: ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف: 39).
فبيَّن لهم أنَّ آلهتَهم مُتَعدّدة مُتفرقة، والعابد لها مُتَحيّر أيُّها يرضى؟! وأنها مُسَخرةٌ ومَقْهورة لله تعالى، وفي قبضته، وليس لها من الألوهية إلا الاسم؟! الذي أُعْطي لها زُوراً وبُهتاناً، دون حُجةٍ ولا بُرهان؛ كما قال سبحانه: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَان) (يوسف: 40).

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي.

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: