من أسماء الله الحسنى: الفتاح

معنى “الفتاح” في اللغة:

الفَتْحُ نقيض الإغلاق، والفتح: النّصر، والاسْتفتاح طلبُ النصر، ومنه قوله تعالى: (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ) (الأنفال: 19).
وقال الأزْهري: الفتحُ: أنْ تحكمَ بين قومٍ يختصمون إليك، كما قال سبحانه مخبراً عن شعيب عليه السلام: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف: 89).
أي: اقض بيننا. والفُتاحة مِنْ أبنية المبالغة.

اسم الله “الفتاح” في القرآن الكريم:

ورد الاسمُ مفرداً مرةً واحدة، في قوله تعالى: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) (سبأ: 26).
ورد بصيغة الجمع مرة واحدة أيضاً، في قوله عز وجل: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف: 89).

معنى “الفتاح” في حق الله تبارك وتعالى:

قال قتادة رحمه الله: (افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) اقضِ بيننا وبين قومنا بالحَق.
وقال ابن جرير رحمه الله في تفسير الآية السابقة: احْكم بيننا وبَينهم بحُكمك الحقّ، الذي لا جَوْر ولا حَيْف ولا ظُلم، ولكنه عَدْلٌ وحقٌ، (وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) يعني: خير الحاكمين. وقال في موضع آخر: (وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ): القاضي العليم بالقَضَاء بين خَلْقه، لأنه لا تَخْفى عنه خافيةٌ، ولا يَحْتاج إلى شُهود تُعرّفه المُحقّ مِنَ المُبْطل.
وقال الزجَّاج: والله تعالى ذِكْره فتحَ بين الحقّ والباطل، فأوْضح الحقَّ وبيّنه، وأدْحض الباطل وأبْطَله، فهو الفتّاح.
وقال الخطّابي:”الفتاح”: هو الحَاكمُ بين عباده. وقال: وقد يكون معنى”الفتاح” أيضاً الذي يفتحُ أبواب الرزق والرحمة لعباده، ويفتحُ المُنْغلق عليهم مِن أُمورهم وأسْبابهم؛ ويفتح قلوبهم، وعيون بصائرهم، ليُبْصروا الحقّ، ويكون الفاتح أيضاً بمعنى النَّاصر، كقوله سبحانه: (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ) (الأنفال: 19). وبنحوه قال السَّعدي.
وعلى هذا يكون معنى الفتاح:
1-“الفتّاح”: الحَاكم الذي يقضي بين عباده بالحقّ والعدْل، بأحْكامه الشّرعية والقَدَرية.
2- أنه يفتحُ لهم أبوابَ الرَّحْمة والرزق، وما انْغلق عليهم من الأمور.
3- أنه بمعنى النَّاصر لعباده المؤمنين، وللمَظلوم على الظالم، وهذا يعود إلى الأول.

من آثار الإيمان باسم الله “الفتاح”:

1- الله سبحانه هو الحاكم بين عباده؛ في الدنيا والآخرة، بالقِسْط والعَدل، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرسلَ من الرسل، وأنْزل مِنَ الكتب. يقول القرطبي رحمه الله في هذا الاسم: ويتضمّن مِنَ الصفات ؛ كل مالا يتمّ الحُكم إلا به، فيدلّ صريحاً على إقامة الخَلْق وحِفْظهم في الجُملة، لئلا يَستأصل المُقْتدرون المستضعفين في الحال.
ويدل على الجزاء العدل؛ على أعْمال الجَوارح والقُلوب في المآل، ويتضمّن ذلك أحْكاماً وأحْوالاً لا تنضبط بالحَدِّ، ولا تُحْصى بالعدِّ. وهذا الاسم يختصُّ بالفصل والقضاء بين العباد؛ بالقِسْط والعَدل، وقد حَكَم الله بين عباده في الدُّنيا بما أنزلَ مِنْ كتابه، وبيّن من سُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلُّ حاكمٍ إما أنْ يَحْكم بحكم الله تعالى أو بغيره، فإنْ حَكَمَ بحُكم الله؛ فأجْره على الله، والحاكم في الحقيقة هو الله تعالى، وإنْ حَكم بغيرِ حُكم الله؛ فليس بحاكمٍ؛ إنما هو ظالم؛ كما قال سبحانه: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: 45).

2- ذَكرنا أنّ الله سُبحانه يَحْكمُ بين عباده في الحَياة الدُّنيا وفي الآخرة، ويَفْتحُ بينهم بالحقِّ والعدل، وقد توجَّهَت الرسلُ إلى الله الفَتاحِ سبحانه، أنْ يَفْتحَ بينهم وبين أقوامهم المُعاندين؛ فيما حصل بينهم مِنَ الخُصُومة والجدال. قال نوحٌ عليه السلام:(قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: 117 – 118). وقال شعيبٌ عليه السلام:(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف: 89).
وقال تعالى عن الكفار أنهم استعجلوا الفتح؛ فقال: (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم: 15). وقد استجابَ الله سُبحانه لرُسله ولدعائهم؛ ففتحَ بينهم وبينَ أقْوامِهم بالحقِّ، فنجَّى الرسل وأتباعهم، وأهلكَ الظالمين المعاندين؛ المُعْرضين عن الإيمان باللهِ وبآياتِ الله، وهذا مِن الحُكم بينهم في الحِياة الدنيا.

3- وكذا يوم القيامة، فإنَّ الله سُبْحانه هو الفتّاح؛ الذي يَحْكمُ بين عباده؛ فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا. قال سبحانه: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) (سبأ: 26)؛ ففي ذلك اليوم؛ يَقْضي الله سُبْحانه ويفصلُ بين العباد، فيتبيّن الضالُّ مِنَ المُهتدي، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شهودٍ ليفتحَ بينَ خَلْقه، لأنه لا تخفى عليه خَافيةٌ، وما كان سبحانه غائباً عما حَدَث في الدنيا؛ كما قال سبحانه: (فلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ) (الأعراف: 7).
وقال: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (يونس: 61). وقد سمَّى الله يوم القيامة بيوم”الفتح”؛ في قوله سبحانه: (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) (السجدة: 29).

4- إنَّ الله سبحانه متفردٌ بعلم مَفَاتح الغَيْب، التي ذكرها في قوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ) (الأنعام: 59). وقد عدّدها في قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 34).
قال القرطبي: مفاتِحْ جمعُ مَفْتَح؛ هذه اللغة الفصيحة؛ ويقال: مفْتَاح، ويجمع مفاتيح، المِفْتح عبارة عن كل ما يَحلُّ غَلَقاً، مَحْسوساً كان كالقُفل على البيت، أو مَعْقولاً كالنّظر، ثم قال: وهو في الآية اسْتعارة على التوصل إلى الغيوب، كما يتوصل في الشَّاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان.
ولذلك قال بعضُهم: هو مأخوذٌ من قولِ النَّاس: افْتحْ عليّ كذا، أي: أعْطِني أو علّمني ما أتوصّل إليه به، فالله تعالى عندَه علمُ الغَيْب؛ وبيده الطُّرق المُوصِلة إليه، لا يَمْلكها إلا هُو، فمَنْ شَاءَ إطْلاعه عليها أطْلعه، ومَنْ شاءَ حَجَبَه عنها حَجَبه، ولا يكونُ ذلك مِن إفاضتِه إلا على رُسُله؛ بدليل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) (آل عمران: 179).
وقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ) (الجن: 26- 27).

5- إنَّ الفَتْح والنَّصر مِنَ الله سُبحانه، فهو يفتحُ على مَنْ يشاء؛ ويَخْذل مَن يشاء، وقد نسب الله الفتوح لنفسه، ليُنبّه عباده على طلبِ النَّصر والفتح منه؛ لا مِنْ غيره، وأنْ يعملوا بطاعته وينالوا مَرضاته، ليفتح عليهم وينصرهم على أعدائهم؛ قال تعالى: (إنَّا فّتّحًنّا لّكّ فّتًحْا مَبٌينْا) (الفتح: 1)، وهو خِطَابٌ لرسوله الأمين صلى الله عليه وسلم. وقال جل ثناؤه: (فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ) (المائدة: 52). وقال: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (الصف: 13).

6- إنّ الله بيده مَفاتيحُ خزائنِ السَّماوات والأرض؛ قال سبحانه: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الشورى:12).
فما يفتحه مِنَ الخير للناس، لا يملكُ أحدٌ أنْ يُغْلقه عنهم، وما يُغلقه فلا يملك أحد أنْ يفتحه عليهم، كما قال جل وعلا: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر: 2).
فلو فتح الله المَطر على الناس؛ فمَنْ ذا الذي يَحْبسه عنهم، حتى لو أدّى إلى إغْراقهم وإهْلاكهم؛ مثلما حَدَث لقوم نوحٍ عليه السلام، فقد استمر المطر؛ حتى وصلت المياه إلى رؤوس الجبال، فما اسْتطاعوا أنْ يردُّوها عن أنْفسهم، ولو حَبَسَ عن عباده القطر والنبات سنين طويلة، لما اسْتطاعوا أيضاً أنْ يفتحوا ما أغْلقه الله سبحانه: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ) (يونس: 107).

7- وقد يفتح اللهُ سبحانه أنْواع النّعم والخَيرات على النّاس؛ اسْتِدْراجاً لهم، إذا هُم تَركوا ما أُمروا به، ووَقَعوا فيما نُهُوا عنه؛ كما قال سبحانه: (فلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) (الأنعام: 44).

8- ومما يَفْتحه اللهُ على مَنْ يَشاء مِنْ عباده: الحِكْمة والعِلم؛ والفقه في الدّين، ويكون ذلك بحَسب التقوى والصلاح؛ والإخْلاص؛ والصِّدق، ولذا تجد أنَّ فهم السلف أعْمق، وعِلْمهم أوسع، ممن جاءَ بعدهم؛ كما وعد الله فقال: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) (البقرة: 282). وقال تعالى: (أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الزمر: 22).
قال القرطبي: وهذا الفتحُ والشَّرحُ ليس له حَدًّ، وقد أَخذَ كلُّ مُؤمنٍ منه بحَظٍّ، ففازَ الأنبياء بالقِسْم الأعلى، ثم مِنْ بعدهم الأولياء، ثم العُلَماء، ثم عَوام المُؤمنين؛ ولم يُخَيب الله منه سوى الكافرين.

9- كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه:” إذا دَخَلَ أحدُكم المَسْجد، فليَقُل: اللهم افتحْ لي أبْوابَ رَحْمتك، وإذا خَرَج فليقل: اللهم إنِّي أسألُك مِنْ فَضْلك”.
وفي رواية قال:”إذا دخلَ أحدُكم المَسجد؛ فليُسَلّم على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وليَقُل: اللهمَّ افتحْ لي أبْوابَ رَحْمتك، وإذا خرجَ فليُسَلّم على النبي صلى الله عليه وسلم، وليَقُل: اللهم اعصمني من الشيطان”.

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي.

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: