من أسماء الله الحسنى: الغني

معنى “الغني” في اللغة:

الغَنيُّ في كلام العرب الذي ليس بمحتاج إلى غيره.
وغنِيَ بالمكان؛ أي: أقام.
وغنِيَ: أي عاش. ويقال: ما يُغني عنْك هذا، أي: ما يُجزئ عنك؛ وما يَنْفعك، والغنَاء: النَّفع. والغِنَى (مَقْصور): اليَسَار.

اسم الله “الغني” في القرآن الكريم:

ورد الاسم في ثمان عشرة آية من كتاب الله تعالى، منها:
قول الله تعالى: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة: 263).
وقوله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) (الأنعام: 133).
وقوله: (قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ) (يونس: 68).
وقوله: (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل: 40).
وقوله: (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت: 6).
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).
وقوله: (فكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (التغابن: 6).

معنى “الغني” في حق الله تبارك وتعالى:

قال ابن جرير: (وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) والله غني عما يتصدقون به، حليم حين لا يعجل بالعقوبة على من يمنُّ بصدقته منكم، ويُؤذي فيها من يتصدَّق بها عليه.
وقال في قوله: (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة: 267): واعْلموا أيها الناس؛ أنَّ الله عزّ وجل غنيٌ عن صدقاتكم وعن غيرها، وإنما أمَرَكم بها؛ وفرضها في أموالكم، رحمةً منه لكم؛ ليُغنِي بها عائلكم، ويُقوي بها ضَعيـفكم، ويجزل لكم عليها في الآخرة مثوبتكم، لا مِنْ حاجةٍ به فيها إليكم.
وقال الزجاج: وهو (الغني) والمُسْتغني عن الخَلْق؛ بقُدرته وعزِّ سلطانه، والخَلْق فقراء إلى تطوُّلهِ وإحسانه، كما قال تعالى: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء) (محمد: 38).
وقال الزَّجاجي: الغني في كلام العرب: الذي ليس بمحتاجٍ إلى غيره، وكذلك ليس بمحتاجٍ إلى أحدٍ – جلَّ وتعالى عنْ ذلك علواً كبيراً – كما قال: (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت: 6).
وكل الخلق إليه – جلَّ اسمه – مُحتاج، كما قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).
فالله عزَّ وجل ليس بمحتاجٍ إلى أحدٍ؛ فيما خَلَق ويخلق، ودبَّر ويدبِّر، ويُعْطي ويَرزق، ويقضي ويمضي، لا رادَّ لأمره؛ وهو على ما يشاء قدير.
وقال الخطابي: (الغني) هو الذي استغنى عن الخلق، وعن نُصْرتهم وتأييدهم لِـمُلْكه، فليست به حاجةٌ إليهم، وهم إليه فقراءٌ محتاجون، كما وصف نفسه تعالى؛ فقال عزَّ من قائل: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء) (محمد: 38).
وقال الحُليمي: (الغنيُّ) ومعناه الكامل بما له وعنده، فلا يحتاج معه إلى غيره، وربنا جلَّ ثناؤه بهذه الصفة، لأنَّ الحاجة نقصٌ، والمُحتاج عاجزٌ عما يحتاج إليه؛ إلى أنْ يَبْلغه ويُدركه، وللمحتاج إليه فضلٌ؛ بوجود ما ليس عند المحتاج.
فالنَّقصُ مَنفِيٌّ عن القديم بكلِّ حال، والعَجْز غير جائزٍ عليه، ولا يمكن أنْ يكون لأحدٍ عليه فَضْلٌ؛ إذْ كلُّ شيءٍ سواه خَلْقٌ له وبدع أبدعه، ولا يملك مِنْ أمره شيئاً، وإنما يكون كما يريده الله عزَّ وجلَّ ويدبره، فلا يتوهَّم أنْ يكونَ له مع هذا اتساع لفضله عليه.
وقال البيهقي: وقيل: المتمكّن مِنْ تنفيذ إرادته في مُراداته، وهذه صفةٌ يَسْتحقّها بذاته.
وقال في”المقصد”: (الغني) هو الذي لا تعلُّقَ له بغيره؛ لا في ذَاته؛ ولا في صَفات ذاته؛ بل يكون مُنْزهاً عن العِلاقة مع الأغْيار.
فمن تتعلَّقُ ذاته أو صِفات ذاته، بأمرٍ خارجٍ من ذاته، يتوقَّف عليه وجودُه أو كماله، فهو فقيرٌ محتاجٌ إلى الكسب. ولا يُتصوّر ذلك إلا لله تعالى.
قال: والغنيُّ الحقيقي؛ هو الذي لا حَاجة له إلى أحدٍ أصلاً، والذي يَحتاج؛ ومعه ما يحتاج إليه فهو غنيٌّ بالمجاز، وهو غايةُ ما يَدْخل في الإمكان في حقّ غير الله تعالى، فأما فَقْدُ الحاجة فلا، ولكن إذا لم يبقَ له حاجةٌ إلا إلى الله تعالى؛ سُمِّي غَنِياً، ولو لم يبقَ له أصلُ الحاجة؛ لما صحَّ قوله تعالى: ( وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء ) ولولا أنّه لا يَتَصوّر أنْ يَستغني عنْ كلِّ شيءٍ سوى الله، لما صحَّ لله تعالى وَصْفُ المُغْني.

من آثار الإيمان باسم الله “الغني”:

1- إنّ الله تعالى شأنه هو الغَنِي بذاته، الذي له الغِنَى التام المطلق؛ من جميع الوجوه والاعتبارات، لكماله وكمال صفاته، فلا يتطرَّق إليها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه. ولا يُمكن أنْ يكونَ إلا غَنياً، لأنَّ غِناه مِنْ لوازم ذاته، كما لا يكونُ إلا خَالقاً قادراً؛ رازقاً مُحْسناً، فلا يحتاج إلى أحدٍ بوجهٍ من الوجوه، فهو الغَني بيده خزائنُ السَّموات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، المُغْني جميع خلقه غِنًى عاماً، والمُغني لخواصِّ خَلقه؛ بما أفاضَ على قلوبهم من المَعارف الربَّانية، والحَقائق الإيمانية. فالربُّ سُبْحانه غنيٌ لذاته، والعبد فقيرٌ لذاته؛ محتاجٌ إلى ربه، لا غِنًى له عنه؛ ولو طَرْفة عين.
وقد ابتدأ الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله كتابه”طريق الهجرتين وباب السعادتين” بالكلام على هذا الأمر، وتقريره وبيانه بأحسن عبارة، إذْ يقول:” فصل: في أنَّ الله هو الغَنِي المطلق؛ والخَلْق فقراءُ محتاجون إليه”.
ثم قال: قال الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15) بيَّن سبحانه في هذه الآية أنْ فقر العباد إليه؛ أمرٌ ذَاتي لهم؛ لا يَنْفك عنهم، كما أنّ كونه غَنياً حميداً ذاتي له، فغناهُ وحمده ثابتٌ له لذاته؛ لا لأمْرٍ أوْجبه، وفقر مَنْ سواه إليه ثابتٌ لذاته؛ لا لأمرٍ أوْجبه، فلا يُعلِّل هذا الفقر بحدوثٍ ولا إمْكان، بل هو ذاتيٌ للفقير، فحاجةُ العبد إلى ربه لذاته، لا لعلَّةٍ أوجبت تلك الحاجة، كما أنَّ غِنَى الربّ سبحانه لذاته، لا لأمرٍ أوْجَب غِناه. فالخَلْق فقيرٌ محتاجٌ إلى ربه بالذّات؛ لا بعلةٍ، وكل ما يُذكر ويُقرَّر مِنْ أسباب الفقر والحاجة؛ فهي أدلةٌ على الفقر والحاجة؛ لا عِللٌ لذلك، إذْ ما بالذات لا يُعلل، فالفقير بذاته؛ محتاجٌ إلى الغني بذاته، فما يُذكر مِنْ إمْكان وحُدوث واحتياج؛ فهي أدلة على الفقر؛ لا أسبابَ له.
والمقصود أنه سبحانه أخبرَ عنْ حقيقة العباد وذواتهم؛ بأنها فقيرةٌ إليه سبحانه، كما أخبرَ عن ذاته المقدسة وحقيقته؛ أنه (غَنِيٌ حَميدٌ) فالفقرُ المطْلق من كلّ وجهٍ؛ ثابتٌ لذواتهم وحقائقهم مِنْ حيثُ هي، والغِنَى المطلق من كل وجهٍ؛ ثابت لذاته تعالى؛ وحقيقته من حيثُ هي، فيستحيل أنْ يكون العبد إلا فقيراً، ويستحيل أنْ يكون الربُّ سبحانه إلا غنياً، كما أنّه يَسْتحيل أنْ يكون العبدُ إلا عبداً، والربُّ إلا رباً.
(فَقْرُ العباد إلى ربّهم فقران):
إذا عُرف هذا فالفَقْر فقران:
فقرٌ اضطراري، وهو فقرٌ عام؛ لا خرُوجَ لبّرٍّ ولا فاجرٍ عنه، وهذا الفقر لا يَقتضي مدْحاً ولا ذماً؛ ولا ثواباً ولا عقاباً، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقاً ومصنوعاً.
والفقر الثاني: فقرٌ اختياري؛ هو نتيجة عِلْمين شريفين: أحدهما: معرفةُ العبدِ بربّه، والثاني: معرفته بنفسه، فمتى حصلتْ له هاتان المعرفتان؛ أنتجتا فَقْراً هو عينُ غِناه، وعنوان فلاحه وسعادته، وتفاوت الناس في هذا الفقر؛ بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عَرفَ ربه بالغِنَى المطلق؛ عرَف نفْسَه بالفَقر المُطلق، ومَنْ عرف ربه بالقُدرة التامة؛ عَرفَ نفسه بالعجز التام، ومَنْ عرف ربَّه بالعزّ التام؛ عرفَ نفسه بالمسكنة التامة، ومَنْ عرف ربّه بالعلم التام؛ والحِكْمة عرفَ نفْسه بالجهل.
فالله سبحانه أخرج العبدَ مِنْ بطن أمه لا يَعلم شيئاً؛ ولا يَقْدر على شيءٍ، ولا يملك شيئاً؛ ولا يقدرُ على عطاء ولا منع، ولا ضرٍّ ولا نفع؛ ولا شيءٍ ألبتة، فكان فقْره في تلك الحال إلى ما به كماله، أمراً مشهوداً محسوساً لكلِّ أحدٍ، ومعلوم أنَّ هذا له مِنْ لوازم ذاته، وما بالذّات دائمٌ بدوامها، وهو لم ينتقل مِنْ هذه الرتبة إلى رُتبة الربوبية والغِنَى، بل لمْ يَزل عَبداً فقيراً بذاته؛ إلى بارئِه وفاطره.
فلما أسبغَ عليه نعمَته، وأفاضَ عليه رحمته، وساقَ إليه أسْباب كمال وُجُوده؛ ظاهراً وباطناً، وخَلَع عليه ملابس إنْعامه، وجعلَ له السَّمع والبصر والفؤاد، وعلَّمه وأقْدَره وصَرَّفه وحَرّكه؛ ومكَّنه من استخدام بني جنسه، وسَخَّر له الخيل والإبل، وسلّطه على دواب الماء، واسْتنزال الطير مِنْ الهواء، وقَهْر الوَحش العادية، وحَفْر الأنهار، وغَرْس الأشْجار، وشقّ الأرض، وتعلية البناء؛ والتَّحيُّل على مصالحه، والتَّحرّز والتَّحفظ لما يُؤذيه، ظنَّ المسكين أنْ له نَصِيباً مِنَ المُلك! وادعى لنَفْسه مُلكاً مع الله سبحانه! ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى، ونسي ما كان فيه مِنْ حالة الإعْدام والفَقْر والحاجة! حتى كأنّه لم يكنْ هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأنَّ ذلك شَخْصاً آخر غيره.
كما روى الإمام أحمد في مسنده: من حديث بُسْر بن جحاش القرشي رضي الله عنه : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَصَقَ يوماً في كفّه؛ فوضعَ عليها إصْبعه؛ ثم قال:” قال الله تعالى: يا ابنَ آدمَ ! أنَّى تُعجزني وقد خلقْتُكَ مِنْ مِثل هذه، حتى إذا سوَّيتُكَ وعدَلْتكَ، مَشيتَ بين بُردين؛ وللأرض منك وَئِيد، فجَمَعتَ ومَنَعت، حتى إذا بَلَغتِ التَّراقي قُلتَ: أتصدَّق، وأنَّى أوْانُ الصَّدَقة؟!”.
ومن ها هنا خَذلَ من خذل؛ ووفَّق من وفَّق، فحجب المَخْذُول عن حقيقته؛ ونسِي نفسه، فنسي فَقْره وحاجته وضرورته إلى ربّه، فطغى وعتَى؛ فحقَّت عليه الشّقوة، قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: 6 – 7).
وقال: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل: 5 – 10).
فأكملُ الخَلْق أكْملهم عبودية، وأعظمهم شُهوداً لفقره؛ وضرورته وحاجته إلى ربّه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، ولهذا كان مِنْ دعائه صلى الله عليه وسلم:” أصْلح لي شَأني كلّه، ولا تكِلْني إلي نفسي طَرْفة عين، ولا إلى أحدٍ من خلقك”.
وكان يدعو” يا مقلِّب القُلُوب؛ ثبِّت قَلْبي على دِينك”، يعلم صلى الله عليه وسلم أنّ قَلْبه بيدِ الرّحمن عزَّ وجل؛ لا يملك منه شيئاً، وأنَّ الله سُبحانه يُصَرّفه كما يَشاء، كيف وهو يتلو قوله تعالى: ( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) (الإسراء: 74) فضرورته صلى الله عليه وسلم إلى ربّه وفاقته إليه؛ بحسب معرفته به، وحَسْب قُربه منه؛ ومَنزلته عنده.
وهذا أمر إنّما بَدَا منه؛ لمن بعده ما يرشح مِنْ ظَاهر الوِعَاء، ولهذا كان أقربَ الخَلْق إلى الله وَسِيلة، وأعظم عنده جَاهاً؛ وأرْفَعهم عنده مَنْزلةً، لتكميله مَقَام العُبودية؛ والفَقْر إلى ربه، وكان يقول لهم: ” أيُّها الناس، ما أُحِبُّ أنْ ترفعوني فوق منزلتي، إنَّما أنا عبد”.
وكان يقول:” لا تُطروني كما أطرَت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله”.
وذكره الله سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته، مقام الإسْراء؛ ومقام الدعوة؛ ومقام التَّحدي؛ فقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) (الإسراء: 1). (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) (الجن: 19)؛ (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) (البقرة: 23)، وفي حديث الشفاعة: “إنَّ المسيحَ يقول لهم: اذْهبوا إلى مُحَمدٍ، عَبْدٍ غُفِر الله له ما تَقَدَّم مِنْ ذَنْبه وما تأخَّر”. فنال ذلك المقام بكمالِ عبوديته، وبكمال مغفرة الله له.
فتأمّل قوله تعالى في الآية: (أنتم الفقراء إلى الله) (فاطر: 15) باسْم اللهِ دون اسْم الربوبية؛ ليُؤْذن بنوعي الفَقر، فإنه كما تقدّم نوعان: فقرٌ إلى ربوبيته؛ وهو فقر المخلوقات بأسْرها، وفقرٌ إلى ألوهيته؛ وهو فقرُ أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، وهذا هو الفَقرُ النافع، والذي يشير إليه القوم؛ ويتكلمون عليه؛ ويشيرون إليه، هو الفَقْر الخاص لا العام، وقد اختلفتْ عباراتهم عنه ووصفهم له، كلٌّ أخْبر عنه بقَدْر ذَوقه؛ وقدرته على التعبير.

2- الله تبارك وتعالى غنيٌ عن عباده، ومع ذلك فهو مُحْسنٌ إليهم، رحِيمٌ بهم، وهذا مِنْ كمالِ غِنَاه؛ وكرمه ورحمته.
أما العباد: فإنهم يُحْسنون إلى بعضهم البعض، لتعلّق مَصَالحهم بذلك، إما عَاجِلاً وإما آجِلاً.
يقول ابن القيم رحمه الله في هذا، مُبيناً الفرقَ بين إحْسَان الخالق وإحْسَان المخلوق: إنّ الله سُبحانه غنيٌ كريم، عزيزٌ رحيم، فهو مُحسنٌ إلى عبده مع غناه عنه، يُريد به الخير، ويكشف عنه الضرّ، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مُضرّة، بل رحمةً منه وإحْسَاناً، فهو سبحانه لم يَخْلق خَلْقه ليتكثَّرَ بهم من قلَّة، ولا ليعتزَّ بهم من ذلَّة، ولا ليَرزقوه ولا ليَنْفعوه، ولا ليدفعوا عنه، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (الذاريات: 56 – 58)؛ وقال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الإسراء: 111).
فهو سبحانه لا يُوالي مَنْ يواليه مِنَ الذُّل، كما يُوالي المخلوق المخلوق، وإنا يُوالي أولياءه إحْسَاناً ورحمة ومحبة لهم.
وأما العباد: فإنّهم كما قال تعالى: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء) (محمد: 38) فهم -لفَقْرهم وحاجتهم- إنما يُحسِنُ بعضهم إلى بعضٍ؛ لحاجته إلى ذلك، وانْتفاعه به عاجلاً أو آجلاً، ولولا تصوّر ذلك النَّفع لما أحْسن إليه، فهو في الحقيقة إنما أرادَ الإحْسان إلى نَفْسه، وجعل إحْسَانه إلى غيره؛ وَسِيلةً وطريقاً إلى وصول نفع ذلك الإحْسَان إليه، فإنه إما أنْ يُحسن إليه لتوقّع جَزائه في العَاجل، فهو مُحتاجٌ إلى ذلك الجَزاء، أو مُعاوضته بإحْسانه، أو لتوقّع حمده وشُكره، وهو أيضاً إنما يُحسن إليه؛ ليَحْصل منه ما هو محتاجٌ إليه؛ من الثّناء والمدح، فهو محسنٌ إلى نفْسِه بإحْسَانه إلى الغير.
وإما أنْ يُريد الجزاءَ مِنَ الله تعالى في الآخِرة، فهو أيضاً مُحْسنٌ إلى نَفسه بذلك، وإنما أخَّرَ جزاءه إلى يوم فَقْره ووفاته، فهو غيرُ مَلومٍ في هذا القَصْد، فإنه فقيرٌ مُحتاج، وفَقْره وحاجته أمرٌ لازمٌ له؛ مِنْ لَوازم ذاته، فكماله أنْ يَحرِصَ على ما ينفعه؛ ولا يَعْجز عنه، وقال تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ) (الإسراء: 7).
وقال: (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: 272).
وقال تعالى – فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم -:” يا عِبَادي؛ إنَّكم لنْ تَبلُغوا نَفْعي فتَنْفعُوني، ولن تبلُغوا ضَرِّي فتضرُّوني، يا عِبادي، إنما هي أعْمالكم أُحْصِيها لكم، ثم أُوفِّيكم إيَّاها، فمنْ وَجدَ خيراً؛ فليَحْمدِ الله، ومَنْ وجدَ غيرَ ذلك؛ فلا يَلومَنَّ إلا نفسَه”.
فالمخلوقُ لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنّما يقصد انتفاعه بك، والربّ تعالى إنما يريد نفعك؛ لا انتفاعه بك، وذلك منفعة مَحضة لك خالصة من المَضرة، بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قدْ يكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمُّل منَّته.
فتدبَّر هذا، فإنّ مُلاحظته تمنعك أنْ تَرْجو المخلوق؛ أو تعامله دُون الله عزّ وجل، أو تَطْلب منه نَفْعاً، أو دَفْعاً؛ أو تعلّق قلبَك به، فإنّما يُريد انتفاعه بك؛ لا محضَ نفعك، وهذا حالَ الخَلق كلّهم بعضهم مع بعض، وهو حالُ الولد مع والده، والزَّوج مع زوجه، والمملوك مع سيده، والشّريك مع شريكه، فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم، وأحْسنَ إليهم لله تعالى، وخافَ الله تعالى فيهم، ولم يخفهم مع الله تعالى، ورجَا الله تعالى بالإحْسان إليهم؛ ولم يرجُهم مع الله، وأحبّهم لحبّ الله، ولم يُحبهم مع الله تعالى، كما قال أولياءُ الله عز وجل: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً) (الإنسان: 9).

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: