من أسماء الله الحسنى: العزيز

معنى “العزيز” في اللغة:

العزُّ في الأصل القُوّة والشِّدة والغَلَبة، والعزُّ والعزّةُ: الرفعة والامتناع، (ولله العِزّة) أي: وله العِزّة والغلبة.
ورجلٌ عزيزٌ: منيعٌ لا يُغْلب ولا يُقْهر.
ويقال عزّني فلانٌ على الأمر: إذا غلبني عليه ؛كقوله تعالى: (وعَزّني في الخِطَاب) ص: 23. وقوله تعالى: (فعّزَّزنا بثَالِث) أي: شَدّدنا وقَوّينا.
وعزّ الشيء يَعِزّ فهو عَزيز، قلَّ حتى ما كاد يُوجد، يعني: أصْبحَ نادراً.

اسم الله “العزيز” في القرآن العظيم:

ذُكر”العزيز” في القُرآن اثنتين وتِسعين مرةً منها:
قوله تعالى: (وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: 260).
وقوله تعالى: (وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) (آل عمران: 4).
وقوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الشعراء) وقد تكرّرت مراراً.
وقوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر: 28).
وقوله سبحانه: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (ص: 66).
وقوله سبحانه: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:8).

معنى “العزيز” في حق الله تبارك وتعالى:

قال قتادة:” العزيز”؛ أي: في نَقْمته إذا انْتقم. وقال ابن جرير:” العزيز” في انْتَقامه ممنْ أرادَ الانْتقام منه، لا يَقْدر أحدٌ يَدْفعه عنه. وقال ابن كثير:”العزيز” أي: الذي قد عزّ كل شيء فقَهَره، وغلبَ الأشْياء فلا يُنال جَنابة، لعزّته وعظمته وجبروته وكبريائه.
وقال القرطبي: العزيز معناه: المَنِيعُ؛ الذي لا يُنال ولا يُغالب.
وقال ابن كيسان: معناه الذي لا يُعجزه شيء دليله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: 44).
وقال الكسائي:”العزيز” الغالب؛ ومنه قوله تعالى: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) (ص:23). وفي المثل:”من عزّ بزّ” أي: مَنْ غَلَب سلب. وقيل: العزيز الذي لا مثل له؛ بيانه (ليس كَمِثله شيء) الشورى: 11..
وقال البيهقي: وهو مِنْ صِفات الذَّات.
وقال السّعدي:”العزيز” الذي له العِزّة كلّها: عزّةُ القوة، وعزةُ الغَلَبة، وعزَّة الامْتناع، فامتنع أنْ يناله أحدٌ مِنَ المخلوقات، وقهَرَ جميعَ المَوجودات، ودانتْ له الخَليقة؛ وخَضعتْ لعظمته.
وعلى هذا فيكون معنى اسم العزيز؛ على أربعة أوجه:
أ ـ”العزيز”: هو المَنِيعُ الذي لا يُرام جَنَابه.
ب ـ”العزيز”: هو القَاهرُ الذي لا يُغْلبُ ولا يُقْهر.
جـ ـ”العزيز”: هو القَويُّ الشّديد.
د ـ”العزيز”: بمعنى نَفَاسة القَدْر، وأنه سبحانه لا يُعادله شيءٌ؛ ولا مِثْلَ له ولا نَظير.

من آثار الإيمان باسم الله “العزيز”:

1 – الإيمانُ بأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى مِنْ أسْمائه العزيز الذي لا يُغْلب ولا يُقْهر، يُعْطي المسلم شجاعةً وثقةً كبيرة به، لأنَّ معناه: أنّ ربّه لا يُمانع ولا يُردُّ أمْره؛ وأنه ما شاءَ كان وإنْ لم يَشَأ الناس، ومالم يَشأ لم يَكنْ وإنْ شَاءوا.
والناظر في قصص الرُّسل والأنبياء عليهم أفضل الصلوات والتسليم يرى ذلك واضحاً جلياً، فمثلاً في قصة موسى عليه السلام؛ حاول فرعون أنْ يمنعَ خروج هذا الصّبي إلى الدنيا، بأنْ أَمَر بقتلِ جميع الذُّكور مِنْ بني إسرائيل؛ لأنه عَلِم أنه سيَخْرج فيهم نبيٌ يَنْتزعُ منه مُلْكه، ولكن يأبى اللهُ العزيزُ إلا أنْ يُتمّ نُوره؛ ولو كَرِه الكافرون، فوُلدَ موسى عليه السلام في السَّنة التي يُقتل فيها الذّكور، وكان أمرُ الله عزّ وجل أنْ تربّى موسى عليه السلام في قَصْر فرعون؛ وبين أهلِ بيته؛ وتحتَ رعايته، ولما حاول أنْ يقتله؛ أهلكه اللهُ وقائده هامان؛ وجنوده أجمعين.
وهكذا الأمر أيضاً لنبيه يوسف عليه السلام؛ فقد أرادَ إخوتُه قتله في أولِ الأمر، ولم يكنْ لهم سبيلٌ إلى قِتْله، لأنّ الله تعالى كان يُريد منه أمراً؛ لا بدّ مِنْ إمْضائه وإتْمامه، مِنَ الإيحاء إليه بالنُّبوة، ومِنَ التَّمكين له ببلاد مصر؛ والحُكم بها، فصَرَفهم الله عنه بمقالة”روبيل” فيه، وإشارته عليهم؛ بأنْ يُلقوه في غَيَابة الجُبّ؛ وهو أسْفله.
ولما حاول اليهودُ قتل نبيه عيسى عليه السلام؛ رَفَعه الله إليه؛ وكان اللهُ عزيزاً حكيماً.
وهكذا الأمر بالنَّسبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد مَكَر به كفارُ قريش ليَقْتلوه أو يَحبسوه أو يُخْرجوه مِنْ بلدته، وحاولوا أنْ يَصدّوا الناس عن الإيمان به وبدعوته، وحاربوه وألَّبوا عليه القبائل؛ وحَرّضوا عليه اليهود والمنافقين في المدينة، ولكن ذلك كلّه لم يَمنع رسالة الإسلام من الانتشار في أرضِ الجزيرة العربية، وغلبة كلمتُه عليها، وظُهور الغَلَبة والتَّمكين في الأرض؛ للإسلام والمسلمين؛ ولله الأمرُ مِنْ قبل ومِنْ بعد.

2- إنّ العَزيز في الدُّنيا والآخرة؛ هو مَنْ أعزّه اللهُ سبحانه؛ قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 26). فمَنْ طلب العزّ فليَطلبه منْ ربّ العزة، كما قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) (فاطر:10) أي: مَنْ كان يُحبُّ أنْ يَكونَ عزيزاً في الدنيا والآخرة، فليَلزم طاعةَ الله تعالى فإنه يحصل له مَقْصوده، لأنّ اللهَ تعالى مالكُ الدنيا والآخرة؛ وله العزّة جميعاً. وبذلك تعلم زيغَ وضلال مَنْ بحثَ عن العزّة عند غير الله تعالى، وبغير طاعته والتزام نهج المؤمنين به، فعادَى ربّ العزة وشريعته، وحاربَ حزْبه المؤمنين، ووالى أعداءَ الله من المُشركين، واليهود والنصارى وغيرهم من الضَّالين، ظناً منه أنّ هذا هو سبيلُ العزّة وطريقها؟!!
قال تعالى منكراً عليهم: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) (النساء: 139).
ومع عظم الطاعة لله تعالى؛ تَزْداد العزّة، فأعزّ الناسِ هم الأنْبياء، ثم الذين يَلُونهم من المؤمنين؛ المُتَّبعين لهم.
قال فخر الدين الرازي: وعزّة كلِّ أحدٍ؛ بقَدْر عُلو رُتبته في الدين، فإنه كلّما كانت هذه الصفة فيه أكمل،كان وُجْدان مثله أقل، وكان أشدّ عزةً وأكمل رفعة، ولهذا قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: 8).

3- كثيراً ما اقترن اسْمه”العزيز” مع”الرحيم” كما في سورة الشعراء وغيرها، فالله عزيزٌ في رحمته، رحيمٌ في عزّته، وهذا هو الكَمَال، العزّةُ مع الرّحمة، والرحمةُ مع العزّة، فهو رحيمٌ بلا ذُل.

4- من أسْباب العِزّة: العَفْو والتَّواضع:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” ما نقصتْ صَدَقةٌ منْ مالٍ؛ وما زادَ اللهُ عبداً بعفوٍ إلا عِزّاً، وما تواضعَ أحدٌ لله؛ إلا رَفَعه الله”.
فمَنْ عفا عن شيءٍ مع قُدرته على الانتقام، عظم في القلوب في الدنيا، أو في الآخرة بأنْ يعظم ثوابه أو فيهما، ومَنْ تواضع رجاء التقرب إلى الله؛ دون غَرَضٍ غيره، رفعه الله عند الناس؛ وأجلّ مكانه.

5- سمّى الله تبارك وتعالى كتابه (العزيز) في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (فصلت: 41- 42).
قال قتادة: أعزّه الله لأنه كلامه، وحَفِظه من الباطلد. فكلامه تعالى عزيزٌ مُحْكم، لا يتطرّق إليه الباطل والخَلل. قال ابن جرير: لا يَستطيع ذو باطلٍ بكيده؛ تغييره بكيده، وتبديلُ شيءٍ مِنْ معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيانُ من بين يديه، ولا إلْحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خَلفه.
وقوله: (تّنـزٌيلِ مٌنً حّكٌيمُ حّمٌيدُ) يقول تعالى ذكره: هو تَنْزيلٌ مِنْ عند ذي حِكْمةٍ بتدبير عباده، وصرفهم فيما فيه مصالحهم.
حميد: يقول مُحمودٌ على نِعَمه عليهم؛ بأياديه عندهم.

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي.


اقرأ المزيد في سلسلة: "أسماء الله الحسنى"