من أسماء الله الحسنى: الشكور – الشاكر

معنى “الشكور” “الشاكر” في اللغة:

الشُّكر: عِرْفان الإحْسان ونَشْره؛ وهو الشُّكُور أيضاً.
وقيل: الشُّكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، يقال: شكرتُه وشكرت له؛ وباللام أفصح.
ورجلٌ شكور: كثير الشكر، كما قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) (الإسراء: 3).
وهو من أبنية المبالغة، يقال: شَكَر له يَشكُرُ شُكْراً؛ وشُكُوراً وشُكْرَاناً.
والشُّكْران خلاف الكفران.
وقال الزجاج:” الشُّكور”: هو فعول من الشَّكر، وأصل الشُّكر في الكلام: الظُّهور.
فيكون أصلُ الشُّكر في اللغة: هو الزّيادة والظهور.

الفرق بين الشُّكر والحَمْد:

الشُّكْر مثل الحَمْد؛ إلا أنَّ الحَمْد أعمُّ منه، فإنِّك تَحْمد الإنْسان على صِفاته الجَميلة؛ وعلى مَعْروفه، ولا تَشْكره إلا على مَعْروفه دُون صفاته.
وقال ابنُ القيم: والفَرْق بينهما: أنَّ الشُّكر أعمّ مِنْ جهة أنواعه وأسْبابه، وأخصّ مِنْ جهة متعلقاته، والحَمْد أعمّ مِنْ جهة المتعلقات؛ وأخَصّ مِنْ جهة الأسْباب.
ومعنى هذا: أنَّ الشُّكر يكون بالقلبِ خضوعاً واسْتكانة، وباللسان ثناءً واعْترافاً، وبالجَوارح طاعة وانقياداً، ومُتعلّقه: النِّعم دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شَكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه !! وهو المَحْمود عليها؛ كما هو محمودٌ على إحْسانه وعَدله، والشُّكر يكون على الإحْسان والنّعم.
فكل ما يتعلّق به الشُّكر يتعلّق به الحمد مِنْ غير عكس، وكل ما يقع به الشكر من غير عكس، فإنَّ الشكر يقع بالجوارح والحَمْد يقع بالقلب واللسان” اهـ .

إسم الله “الشكور” و”الشاكر” في القرآن الكريم:

ورد”الشُّكور” في القرآن أربع مرات؛ وهي:
قوله تعالى: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 30).
وقوله: (إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 34).
وقوله: (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (الشورى: 23).
وأما” الشَّاكر” فقد ورد مرتين:
في قوله تعالى: (وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 158).
وقوله: (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً) (النساء:147).

معنى “الشكور” و”الشاكر” في حق الله تبارك وتعالى:

قال قتادة: (إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 30)، إنه غفورٌ لذنُوبهم؛ شَكورٌ لحَسَناتهم . وقال: إنَّ الله غفورٌ للذُّنوب، شَكورٌ للحَسَنات يُضاعفها.
قال الخَطابي:”الشَّكور”: هو الذي يَشْكر اليسير من الطاعة، فيُثيبُ عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجَزيل مِنَ النعمة، فيرضى باليسير مِنَ الشكر؛ كقوله سبحانه: (إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 34).
ومعنى الشُّكْر المُضاف إليه: الرضى بيسير الطاعة من العبد؛ والقبولُ له، وإعظام الثواب عليه، والله أعلم.
وقد يحتمل أنْ يكون معنى الثَّناء على الله عزّ وجل بالشَّكور؛ ترغيب الخلق في الطاعة، قَلَّتْ أو كثرتْ، لئلا يستقلّوا القليل من العمل؛ فلا يتركوا اليسير من جملته إذا أعوزهم الكثير منه اهـ .
وقال البيهقي:”هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، ويعطي عليه الكثير من المثوبة.
وشكره: قد يكون بمعنى ثنائه على عبده، فيرجع معناه إلى صفة الكلام، التي هي صفة قائمة بذاته”.
فالربُّ سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبده؛ فقد شَكَره.
وفي”المقصد”:”الربّ تعالى إذا أثنى على أعْمال عباده؛ فقد أثْنى على فعل نفسه، لأنَّ أعمالهم مِنْ خَلْقه، فإذا كان الذي أَعْطى فأثنى”شكورٌ”، فالذي أعْطى، وأثنى على المُعطي؛ فهو أحقُّ بأنْ يكون شُكوراً.
فثَنَاء الله تعالى على عباده؛كقوله: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ) (الأحزاب:35).
وكقوله: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص: 30، 44) وما يجري مجراه، وكل ذلك عطية منه” اهـ .
قال السّعدي:”الشّاكر، الشَّكور”: الذي يَشْكر القليل مِنَ العمل، ويَغْفر الكثير من الزّلل، ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغيرِ حساب، ويَشْكر الشاكرين، ويَذْكر مَنْ ذَكَره، ومَنْ تقرَّب إليه بشيءٍ مِنَ الأعمال الصالحة؛ تقرَّب الله منه أكثر.

من آثار الإيمان باسم الله “الشكور” و”الشاكر”:

1- إنّ الله سُبحانه هو الشَّكور والشَّاكر على الإطْلاق، الذي يَقْبلُ القليل مِنَ العمل؛ ويُعْطي الكثير مِنَ الثواب؛ مُقَابل هذا العمل القليل. ولذلك نُهينا أنْ نَسْتصغر شيئاً مِنَ أعْمال البِر، ولو كان شَيئاً يسيراً، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذَرٍّ رضي الله عنه:”لا تَحْقرَّن مِنَ المَعْروف شيئاً، ولو أنْ تَلْقى أخاكَ بوجْهٍ طَلْقٍ”.
وحثَّ على عمل الصَّالحات، صغيرها وكبيرها؛ فإنّ الله لا يُضيع شَيئاً، فقال صلى الله عليه وسلم:” اتَّقُوا النَّارَ؛ ولو بِشَقِّ تَمْرة، فإنْ لم يَجدْ؛ فَبِكَلمةٍ طَيِّبة”. وحثّ الناس على الصَّدقة – عند قُدومِ قومٍ مِنْ مُضَر أصابتهم الفاقة والفقر – فقال صلى الله عليه وسلم:” تَصَدّقَ رجلٌ مِنْ دِيناره، مِنْ دِرْهمه، مِنْ ثوبه، مِنْ صَاعِ بُرّه، مِنْ صاعِ تَمْره، حتى قال: لو بِشِقِّ تَمْرة”.

وبيَّن تعالى أنه يُضَاعف الأعمالَ الصّالحة أضْعَافاً كثيرة؛ بقَدْر ما يَشاء، وذلك فضله يؤتيه من يشاء.
قال تعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261).
وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) (النساء: 40).
وقال: (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (الشورى:23).
وقال: (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (الحديد: 11)، وغيرها من الآيات الكثيرة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” مَنْ تصدق بعدْل تمرةٍ مِنْ كَسْبٍ طيِّبٍ – ولا يَقْبلُ اللهُ إلا الطَّيب – فإنَّ اللهَ يَتَقبّلها بيَمِينه، ثم يُربِّيها لصاحبها؛ كما يُربَّي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكونَ مثلَ الجَبَل”.
أي: يُربيّها له كما يُربّي أحدُكم مُهْره.
وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ فقال: هذه في سبيل الله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لكَ بها يومَ القيامة؛ سَبْعمائة ناقةٍ؛ كلها مَخْطُومة”.
ومِنْ عَظِيم شُكْره سبحانه لعباده؛ وفَضْله وكَرَمه عليهم، أنه يضاعف لهم الحَسَنات فقط، أما السيئات؛ فإنها تُكتب كما هي ولا تَتَضاعف، قال تعالى: (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160).
وقال: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) (غافر: 40).

2- ومما يجبُ معرفته أنّ ما يُقدّمه المُسلم في تقرّبه إلى الله سبحانه، مِنْ صلاةٍ وصيامٍ وحج وصدقة وجهاد، وغيرها مِنْ أعْمال البِرّ المُحدودة بالأعْمار القصيرة، والتي يتخلّلها التقصير والسُّهو والنسيان، لا يُمكن بحالٍ أنْ تكون ثمناً للجنَّة السّرمدية، بما فيها من نعيمٍ وخيراتٍ وثمراتٍ؛ ومباهج وزخارف ولذَّات، أو أنْ تُنْقذه من جحيمِ النار ولهيبها؛ فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”سَدِّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يُدخِلَ الجنة أحداً عمُلُه” قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال:”ولا أنا إلا أنْ يَتَغمَّدني الله منه برحْمةٍ”. وفي رواية:” لا يُدخلُ أحداً مِنْكم عملُهُ الجنةَ، ولا يُجيرُهُ مِنَ النار، ولا أنا؛ إلا برحْمةٍ مِنَ الله”.
فدخول العبد الجنة وفوزه بها، ونَجاته مِنَ النار؛ إنما بفضل الله تعالى ورحمته.

3- إنَّ الله سُبحانه شُكره واجبٌ على كلِّ مُكلّف، كما قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152).
قال: (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (النحل: 114).
وقال: (كلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ) (سبأ: 15).
قال القرطبي:” إنَّ للشُّكر ثلاثة أركان:
1- الإقْرار بالنِّعمة للمُنْعم.
2- والاسْتعانة بها على طَاعته.
3- وشُكر مَنْ أجْرى النِّعمة على يده؛ تَسخيراً منه إليه. وهذا الركنُ الثالث، لم أره لأحدٍ ممَن تَكلَّم على الشُّكر – فيما أعلم والله أعلم – فله الحَمدُ على ما ألْهم وفهّم وعلّم” اهـ .
وزاد عليها الإمام المُحقق ابن القيم فقال:” والشُّكر مبنيٌ على خمسِ قواعد: خضوعُ الشاكر للمَشْكور، وحبّه له، واعْترافه بنعمته، وثَنَاؤه عليه بها، وأنْ لا يَسْتعملها فيما يكره. فهذه الخمس هي أساسُ الشُّكر، وبناؤه عليها، فمتى عَدِم منها واحدة؛ اختلَّ من قواعد الشكر قاعدة. وكلُّ مَنْ تكلم في الشُّكر وحَدِّه؛ فكلامه إليها يرجع، وعليها يَدُور”.
قلت: أما الإقرار بها؛ ومعرفتها؛ وذكرها على الدوام؛ والتَّحدث بها، فقد أمرَ الله تعالى به عباده في غير ما آية: كقوله سبحانه: (وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم) (البقرة: 231). وقال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 47، 122). وقال: (واذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: 103). وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) (فاطر: 3). وقال: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى: 11).
وفي”المدارج”: قال صاحب المنازل: الشكر اسم لمعرفة النعمة، لأنها السبيل إلى معرفة المنعم، ولهذا سمّى الله تعالى الإسلام والإيمان في القرآن: شكراً.
قال الإمامُ ابنُ القيم: فمعرفة النّعمة ركنٌ مِنْ أركان الشُّكر، لا أنها جُملة الشُّكر، كما تقدم. لكن معرفتها ركنُ الشكرِ الأعْظم، الذي يستحيل وُجُود الشُّكر بدونه، فجعل أحدهما اسْماً للآخر .
وقد جاء في الحديث ما يُبيّن عظمةَ تذكّر النّعْمة والاعْتراف بها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:”سيِّدُ الاسْتغفار أنْ يقولَ: اللهمَّ أنتَ ربّي لا إلهَ إلا أنتَ؛ خَلَقْتَني وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عَهْدِك ووعدِك ما اسْتَطعتُ، أعُوذُ بكَ مِنْ شرّ ما صَنعتُ، أبوءُ لكَ بنعمتِك عليَّ، وأبوءُ لكَ بذَنْبي، فاغفر لي فإنه لا يَغْفر الذّنوبَ إلا أنتَ، قال: ومَنْ قَالَها مِنَ النَّهار مُوقناً بها؛ فماتَ مِنْ يومه قبل أنْ يُمْسي؛ فهو مِنَ أهلِ الجنّة، ومَنْ قالها مِنَ الليل وهو مُوقنٌ بها؛ فمَاتَ قبل أنْ يُصْبح؛ فهو مِنْ أهلِ الجَنّة”.
قال الطيبي:”اعترفَ أولاً بأنه أنْعم عليه، ولم يُقيده لأنه يشملُ أنواع الإنْعام، ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شُكرها، ثم بالغ فعدَّه ذَنباً في التقصير؛ وهَضْم النَّفس” اهـ . ويُكرّر صلى الله عليه وسلم الاعتراف بالنِّعمة في أدْبار الصلوات؛ في قوله:”…له النّعمة والفَضل؛ وله الثناء والحسن…”.
وقد حثَّ صلى الله عليه وسلم على التحدِّث بنِعم الله تعالى؛ فقال:” مَنْ أَبلى بلاءً فذَكَره؛ فقد شَكره، وإنْ كَتَمه فقد ْكَفَره”.
قال الإمام ابن القيم:” الثَّناءُ على المُنْعم المُتعلّق بالنّعمة؛ نوعان: عامٌ وخاصٌ، فالعام: وصفه بالجُود والكرم، والبِر والإحْسَان وسعة العطاء؛ ونحو ذلك. والخاص: التحدّث بنعمته؛ والإخبار بوصولها إليه من جِهته، كما قال تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى: 11).
وفي هذا التحديث المأمور به قولان: أحدهما: أنه ذكر النِّعمة والإخْبار بها، وقوله: أنْعم الله عليَّ بكذا وكذا. والتَّحدّث بنعمة الله شُكر، كما في حديث جابر مرفوعاً:”مَنْ صُنع إليه مَعْروفٌ فليَجْز به، فإنْ لم يجدْ ما يَجْزي به فليُثنِ، فإنه إذا أثنى؛ فقد شَكَره، وإن ْكَتَمه فقد كَفَره، ومَنْ تَحَلّى بما لم يُعْطَ؛ كان كلابِس ثَوْبي زور” .
فذكرَ أقْسام الخَلْق الثلاثة:
أ – شاكرُ النِّعمة؛ المُثْني بها.
ب- والجَاحد لها؛ والكاتم لها.
جـ – والمُظْهرُ أنه مِنْ أهلها، وليس مِنْ أهلها، فهو مُتَحلٍّ بما لم يُعْطه.
وفي أثر آخر مرفوع:” مَنْ لم يَشكر القَليلَ لم يَشْكر الكثير، ومَنْ لم يَشكر النّاسَ؛ لم يَشْكر الله، والتحدُّث بنعمة الله شكرٌ، وتركه كُفْرٌ، والجماعةُ رحمة؛ والفُرُقة عَذَاب”.
والقول الثاني: أنَّ التَّحدُّث بالنِّعمة المأمور به في هذه الآية، هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة.
قال مجاهد: هي النبوة، قال الزجاج: أي بلِّغْ ما أرسلت به؛ وحدِّثْ بالنبوّة التي آتاك الله” اهـ .
فإظهار النِّعمة؛ والتحدث بها؛ من صِفات المؤمنين الشاكرين، وأما أنْ يكتم المَرْء النّعْمة، ويظهر أنه فاقدٌ لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفرٌ لها، وهو مِن صفات الكافرين الجاحدين.
وإنما سُمّي الكافر كافراً، لأنه يُغطِّي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يُقرُّ بها . وقد وَصَفهم الله بذلك في كتابه؛ فقال: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) (النحل: 83). وقال:(أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) (النحل: 71). وقال:(وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (النحل: 72). بل ربما نسبوا نعم الله تعالى التي أعطاهم، إلى أنفسهم؛ وعلمهم وخبرتهم؛ قال تعالى:(فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ) (الزمر: 49 – 51).
ومعنى (عَلَى عِلْمٍ) أي: بوجُوه المَكاسب والتجارات، (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ)، أي: هذه النِّعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) لا يعلمون أنّ إعطائهم المال اختبار (قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (الزمر: 50) يعني الكفار قبلهم، كقَارُون وغيره؛ حيثُ قال: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) (القصص: 78)، (فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: لم تُغْنِ عنهم أموالهم؛ ولا أولادُهم؛ مِنْ عذاب الله شيئاً. ثم قال تعالى: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الزمر: 52). أي: ألم يعلموا أنَّ مصدر نعمتهم التي هم فيها؛ هو الله سبحانه وتعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ) (النحل: 53).
وأنه تعالى يبسطها على مَنْ يشاء؛ ويَحْبِسها عمن يشاء، (إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمنون) (الزمر: 52) أي: لا ينتفعُ بهذا ويتدبره؛ إلا أهل الإيمان والعلم.
ب – وأما الاسْتعانة بها – أي: النِّعم – على طاعة الله، فهو ما يقتضيه الشرع والعقل، فإنّ مَنْ أحْسن إليك بشيءٍ؛ لا يجوز أنْ تُقابله بالإساءة إليه، ومَنْ فعلَ ذلك فهو في نَظَر الناس: وقحٌ نذلٌ؛ ناكرٌ للجميل، وجَاحدٌ له.
فكيف إذا اسْتعان بإحْسانه على الإساءة إليه، فهو أشدّ وقاحةً؛ وجُحوداً للجميل !!! والنِّعم التي في الدنيا، إنما خُلِقت أصْلاً ليَسْتعين بها أهل الإيمان؛ على طاعة الرحمن، وأما أهل الكفر والفجور؛ فإنها مُحرّمةٌ عليهم، لأنَّهم يستعينون بها على معصية الله، قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 32). فقوله تعالى: (الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)؛ وقوله: (قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يعني أنها خُلِقْت لهم، لا لغيرهم، لأنهم يَسْتعينون بها على طاعته.
ويقول القرطبي:” واعلم أن على كلّ جارحةٍ شُكراً يخصُّها، وعلى اللسان مِنْ ذلك مِثْل ما على سائر الجَوَارح، وقد أخبرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنّ” الأعْضَاء تقولُ للسان:”اتقّ الله؛ فإنّما نحنُ بك، فإنْ اسْتَقَمتَ اسْتَقَمنا، وإنْ اعْوجَجْتَ اعْوجَجْنا” .
وشُكرُ كلِّ جارحة؛ إنما هو باسْتعمالها بتقْوى الله العظيم، في امتثال ما يَخُصُّها مِنَ الطاعات، واجتناب ما يخُصُّها مِنَ العِصْيان.
فشُكرُ البَدَن؛ أنْ لا تَسْتعمل جَوارحه في غير طاعته.
وشُكْرُ القلب: أنْ لا تَشْغله بغير ذِكْره ومعرفته.
وشكرُ اللسان: أنْ لا تَسْتعمله في غير ثنائه ومدحه.
وشكر المال: أنْ لا تُنْفقه في غير رضاه ومحبته.
ووراءَ ذلك تَطوعات الشَّاكر والشُّكور، قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الليل حتى تَورَّمت قدماه؛ فقيل له: تفعل هذا؛ وقد غُفِر لك ما تقدّم مِنْ ذنبك وما تأخر؟! قال:”أفلا أكون عبداً شُكُوراً”، أي: طالباً للمزيد؛ لقوله تعالى: (لّئٌن شّكّرًتٍمً لأّزٌيدّنَّكٍمً) (إبراهيم:7)” اهـ.

جـ – أما شُكْر مَنْ أجْرى الله سبحانه النّعمة على يده، فقد أمر الله سُبحانه به في قوله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان: 14) فأمر بشُكره؛ ثم بشكر الوالدين؛ إذْ كانا سبب وجوده في الدنيا، وسَهِرا وتَعِبا في تربيته وتغذيته، فمن عقَّهما أو أساء إليهما؛ فما شَكَرهما على صنيعهما، بل جَحَد أفْضالهما عليه، ومَنْ لم يَشْكرهما؛ فإنه لم يَشْكر الله الذي أجْرى تلك النّعم على أيديهما، وقد قال صلى الله عليه وسلم:”لا يَشْكرُ اللهَ؛ مَنْ لا يَشْكر النّاسَ” .
قال الخطابي:” هذا الكلام يُتأول على وجْهين:
أحدهما: أنّ مَنْ كان طَبْعه وعادته؛ كُفْرانُ نِعْمة النّاس، وتركُ الشُّكر لمَعْروفهم، كان مِنْ عادته كُفْران نِعمة الله، وترك الشكر له سبحانه.
والوجه الآخر: أنّ الله سُبحانه لا يَقْبل شُكرَ العبد على إحْسانه إليه، إذا كان العبدُ لا يَشْكر إحْسان الناس، ويَكْفر مَعْروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر” اهـ .

4- وقد أكثرَ اللهُ سُبحانه مِنْ تعداد نِعَمه على عباده، فلم يتركْ لجَاحدٍ مجالاً أنْ يُنْكر نِعَمَ الله عليه، بل لو أراد أنْ يُحْصى الإنْسانُ ما في جَسَده؛ مِنْ نِعَم الله عليه وأفْضَاله؛ لعَجَز؟! فكيف لو أراد أنْ يُحْصى نِعَم الله سبحانه؛ على الناس في حياتِهِم على هذه الأرض؟! قال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات: 20-21).
وذكَّر اللهُ الناسَ بنعمةٍ مِنْ نِعَمه العظيمة على هذه الأرض، وهي:
نعمةُ الليل والنهار، فقال: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (غافر: 61).
وقال سبحانه مُذَكِّراً لعباده، أنه سَخَّر لهم البحار والأنْهار: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 14).
وقال سبحانه مُذَكِّراً أصحابَ نَبِيه صلى الله عليه وسلم؛ بنعمتِه العظيمة عليهم: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الأنفال: 26).
ولو أردْنا أنْ نُعدِّدَ نعمَ الله؛ لطالَ المُقام بنا؛ وعجزنا عن الحَصْر؛ قال سبحانه: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم: 34).

5- وعن بيان حَقِيقة النِّعم وأقْسَامها؛ يقول ابنُ قدامة في”مختصر منهاج القاصدين”: اعلمْ أنّ كلَّ مطلوبٍ يُسمّى نِعْمة، ولكن النّعمة في الحقيقة هي السَّعادة الأُخْروية، وتَسْمية ما عَدَاها نعمة؛ تجوز.
والأمور كلّها بالإضافة إلينا؛ تنقسمُ أربعة أقسام:
أحدها: ما هو نافعٌ في الدنيا والآخرةِ جميعاً، كالعِلْم، وحُسْن الخُلُق، وهو النّعمة الحقيقية.
الثاني: ما هو ضارٌ فيهما جميعا، وهو البَلاء حقيقةً.
القسم الثالث: ما ينفعُ في الحَال، ويضرُّ في المَآل، كالتلذّذ باتباع الشَّهوات، فهو بلاءٌ عند ذوي الأبْصار، والجَاهل يظنه نِعمة؟! ومثاله: الجائع إذا وجد عَسلاً فيه سمٌّ، فإنه يعدّه نعمةً إنْ كان جَاهلاً، فإذا عَلِم ذلك عدَّه بلاءً.
القسم الرابع: الضّارُّ في الحال، النافع في المآل، وهو نعمةٌ عندَ ذوي الألباب، بلاءٌ عند الجهال. ومثاله: الدواءُ الشّنيعُ مَذَاقه في الحَال، الشَّافي في المَآل مِنَ الأسْقام، فالصَّبيُّ الجاهل، إذا كُلّف شُرْبه؛ ظنَّه بلاءً، والعاقلُ يَعُدّه نِعْمة.

6- الفَرْقُ بين إنْعَامِ الخَالقِ وإنْعَام الخَلْق:
أ- أنّ الله سُبحانه وتعالى يُعطي الخَلْق، ويتفضّل عليهم؛ مع اسْتغنائه عنْهم، والمَخْلوق لا يُعطي غالباً؛ إلا لمَقْصدٍ أو غَرَضٍ.
ب- أنّك ربَّما احتجتَ إلى شيءٍ مِنَ المَخْلوق؛ ولا يُعْطيكه، لكونه مُحْتاجاً إليه، والله سبحانه غنيٌ عن كلّ شيء؛ قال سبحانه: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ) (الأنعام: 14).
ج – أنّك ربّما احْتَجت إلى شيءٍ مِنَ المَخْلوق، إلا أنّه لا يُمْكنك الوُصُول إليه؛ فتبقى مَحْروماً عن عَطيته. والله سبحانه تَصِل إليه بدُعائك ومُنَاجاتك؛ في كلّ وقتٍ وحِين؛ كما قال سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).
د- إنّك إذا قصَّرتَ في خِدْمة المَخْلوق قَطَعَ عنك إنْعامَه، والكافر يُقَصّر بأعظمِ حُقوق الله؛ ويظلُّ إنْعَامه سبحانه عليه،كما قال صلى الله عليه وسلم:”ما أحَدٌ أصْبرُ على أذىً سَمِعه؛ مِنَ الله، يَدْعُون له الوَلَد، ثم يُعافِيِهم ويَرْزقهم” .

7- وقد بيَّن تعالى: أنَّ أكثرَ النَّاس عنْ شُكر هذه النِّعَم والأفْضَال؛ غافلون أو مُتَغَافلون، وهم في نعمِ الله غَارقون. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (غافر: 61). وقال: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13). وهذه الآيات تُقابل قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) (الروم: 42).
لأنَّ أعْظم الشُّكرِ لله سبحانه: هو تَوْحِيده؛ وعبادته وحْده لا شريكَ له، فهو الذي خَلَقَ وأوْجد مِنَ العَدم؛ ورزقَ الإنْسان الأرزاقَ الكثيرة، ولم يُشاركه في ذلك أحَدٌ، فلا يَسْتحق أحدٌ العبادة معه، ولكنّ أكثر الناس-كما قال تعالى- أعْرضوا عن هذه الحقيقة، وجَعَلوا له أنْداداً، ونَسْبوا لها الضًّر والنَّفع، والتَّصرّف في الأرزاق، ودفع الأمراض، وقضاء الحاجات، وتَفْريج الكُربات؟؟! فمن الشَّرك الذي يقع من العباد: نِسْبتهم ما يحصل لهم من الأرزاق إلى المخلوقين؟!
قال البخاري في صحيحه: بابُ قول الله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الواقعة: 82)، قال ابن عباس: شُكْركم . ثم روى حديث: زيد بن خالد الجُهَني رضي الله عنه أنه قال: صلّى لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية؛ على إثْر سَماءٍ كانتْ مِنَ الليل، فلما انصرفَ النبي صلى الله عليه وسلم أقبلَ على الناس، فقال:”هل تَدْرون ماذا قالَ ربُّكم؟ قالوا: اللهُ ورسوله أعْلم، قال:”أصْبحَ مِن عِبَادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأما مَنْ قال: مُطِرْنا بفَضلِ اللهِ ورحمته؛ فذلك مؤمنٌ بي؛ كافرٌ بالكوْكب؛ وأما مَنْ قال: بنَوءِ كذا وكذا، فذلكَ كافرٌ بي؛ مُؤْمنٌ بالكَواكب”.
وفي رواية لمسلم:”ما أنزلَ اللهُ مِنَ السَّماء مِنْ بركةٍ، إلا أصْبَح فريقٌ مِنَ الناسِ بها كافرين، يُنَزّلُ اللهُ الغيثَ؛ فيقولونَ: الكوكب كذا وكذا”. قال ابن قتيبة:” كانوا في الجَاهلية؛ يظنون أنَّ نُزُول الغيثِ بواسطة النَّوء ، إما بصُنعه على زعمهم؛ وإما بعلامته، فأبْطل الشرعُ قولهم؛ وجعله كُفراً، فإنْ اعتقد قائلُ ذلك؛ أنّ للنّوء صُنعاً في ذلك؛ فكُفْره كفرُ تشريك، وإنْ اعتقد أنّ ذلك من قبيل التجربة؛ فليس بشركٍ، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه؛ وإرادة كُفر النّعمة، لأنّه لم يقع في شيءٍ مِنْ طُرقِ الحديث؛ بين الكُفْر والشّرك واسطة، فيُحمل الكُفْر فيه على المَعنَيين، لتناول الأمْرين، والله أعلم” اهـ. ومن هذا قول الناس: لولا الطبيبُ لماتَ ابني، ولولا البطُّ أو الكلب؛ لسرق اللصوصُ الدار، وما شابه ذلك؛ مِنْ نِسْبة الفَضْل والنِّعمة لغير الله تعالى.

8- ويجب أنْ يُعلم؛ أنَّ الله تعالى لا يَزْدادُ مُلْكه شيئاً؛ بشُكر الناس له، ونسبتهم الفضل إليه، كما أنه لا يَتَضرّر بكفرهم لأنه الغنيُّ الحَميد، ولكنه تبارك وتعالى يُحبُّ أنْ يُحمد ويُشْكر؛ ويرضى عن العبد بذلك، ويَكْره أنْ يُكفر به وبنعمته؛ ويَسْخط على العبد بذلك، قال تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر:7).
بل المُستفيدُ والمُنتفع بالشُّكر؛ هو الإنْسانُ نفسه،كما أنه هو المُتَضرّر بالكفر، قال تعالى عن سليمان عليه السلام: (هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل: 40).
وقال عن لقمان العبد الصالح: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (لقمان: 12).
9- والكفرُ بنِعم الله تعالى؛ مؤذنٌ بزوالها عمَّن كفر بها، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) (النحل: 112- 113). وهذه القَرْية هي مَكة، فإنها كانت آمنةً مُطْمئنةً مُسْتقرة، والناس حولها يُتَخطّفون، يُغير بعضُهم على بعضٍ، ويقتلُ وينهب بعضُهم بعضاً، أما مكة فمَن دَخَلها كان آمناً لا يخاف، كما قال تعالى: (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص: 57).
وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (العنكبوت: 67).
وكان مِنْ تمام النِّعمة عليهم: إرْسَال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، فكفروا به، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ) (إبراهيم: 28 – 29). ولهذا بدَّل اللهُ حالهم، فقال: (فأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) (النحل: 112) أي: ألبَسها وأذاقها الجوع، بعد أنْ كان يُجْبَى إليهم ثمراتُ كل شيء، ويأتيها رزقها رَغَداً من كل مكان، وذلك لعصيانهم رسولهم صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم بالقَحَط، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما رأى مِنَ الناس إدْباراً؛ قال:”اللهم سَبْعٌ كسَبعِ يوسف”، فأخَذَتهم سَنةٌ حَصَّتْ كلَّ شيء، حتى أكَلُوا الجُلُود والمَيتةَ والجيفَ، وينظر أحدهم إلى السَّماء فيَرى الدُّخان مِنَ الجوعِ، فأتاه أبوسفيانَ فقال: يا مُحَمّد، إنك تأمرُ بطاعة الله؛ وبصلة الرَّحم، وإنَّ قومَكَ قد هَلَكوا، فادْعُ الله لهم، قال الله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ)؛ إلى قوله: (قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (الدخان: 10 – 16)، فالبَطْشة الكبرى يوم بدر، وقد مضتِ الدُّخانُ، والبَطْشةُ، واللزامُ، وآيةُ الروم.
وأما الخوف، فهو مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ حين هاجروا إلى المدينة، فكانوا يخافون مِنْ سَطْوته وسَراياه وجيوشه، وذهب أمْنهم السابق، وبقوا كذلك؛ إلى أنْ فتحَ الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم مكة.
وكل ذلك بسبب كُفْرهم بنعمة الله، وبَطَرهم وأشرهم؛ ومُعَاداتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ ورفضهم لشريعته ودينه، وإصْرارهم على كفرهم ومعاصيهم، وللكافرين أمثالها، وقد قصّ الله سبحانه علينا قصة”سَبَأ” وأنهم كانوا في نِعَم ٍكثيرة، وأمْوال مَمَدودة، وفواكه مُنتشرة، وأسْفار بلا أخْطار، ثم إنّهم غيّروا ما بأنفسهم؛ فغيّر الله سبحانه أحوالهم، فأرسل الله عليهم سيلاً عارماً، جَرَف أشْجارهم وحَدائقهم وأمْوالهم، وبُدِّلوا بعد ذلك بأشجار مُرَّة؛ أو ذات شوكٍ، وأشجار لا ثمار لها، وكان خير الأشجار التي أعطوها: شجر السدر؛ وثمره يسير؛ (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (سبأ:17).
قال سبحانه: (وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (سبأ: 19).
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتعيذ مِنْ زوال النِّعمة في دعائه، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان مِنْ دُعاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اللهمّ إني أعَوذُ بك منْ زوال نعمتِك، وتحوُّل عافيتِك، وفُجَاءة نقمتك، وجَميع سَخَطك”.

10- قال الحليمي:”الشاكر”: ومعناه: المادح لمن يطيعه؛ والمُثني عليه، والمثيب له بطاعته، فضلاً عن نِعْمته”. فالله سبحانه وتعالى يمدح مَنْ أطاعه، وسار على شريعته، والكتاب الكريم مملوءٌ بمدْح الأنْبياء والشُّهداء والصّالحين، فمدح نبيه صلى الله عليه وسلم؛ بقوله: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128). وقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4).
ومدحه وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين؛ في قوله: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح: 29). ومَدَح نُوحاً بأنه كانّ عَبْداً شكوراً، وإبْراهيم الخَليل بأنه أوّاهٌ منيب؛ وأنه الذي وَفَّى، ومُوسى الكَلِيم بأنّه كان مُخْلَصاً؛ وإسماعيل بأنه كان صادقَ الوعد؛ صَلواتُ الله عليهم أجْمعين، وغير هذا مما أثْنى به على عباده في كتابه كثير.

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي.

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: