من أسماء الله الحسنى: الرب

معنى “الرب” في اللغة:

قال الزجاجي: الربّ: المُصْلح للشيء، ورب الشيء مالكه. ومصدر الرب: الربوبية، وكلُّ من ملك شيئاً فهو ربّه، يقال: هذا ربّ الدار؛ ورب الضيعة، ولا يقال: الرب معرفاً بالألف واللام مطلقاً، إلا الله عزّ وجل لأنه مالك كل شيء.
وقال الجوهري: والربّاني: المُتألِّهُ العارف بالله تعالى، وقال سبحانه: (كونوا ربّانيينَ) (آل عمران: 79). ورَبَبْتُ القوم: سُسْتُهم، أي: كنت فوقهم.
وربَّ الضيعة، أي: أصْلحها وأتمها، وربَّ فلان ولده يَرُبُّهُ رباً، وربَّبَهُ وتربَّبَهُ بمعنى، أي: رباه. والمَربُوب: المُربَّى.
وقال ابنُ الأنباري:”الربُّ ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الربُّ المالك، ويكون الربُّ السَّيد المطاع، قال الله تعالى: (فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) (يوسف: 41)، أي: سيّده.
ويكون الربُّ: المُصلح، ربَّ الشّيء إذا أصْلحه.

اسم الله “الرب” في القرآن الكريم:

ورد هذا الاسم في القرآن مرات كثيرة جداً. أما عن وروده مفرداً، فقد ورد في إحدى وخمسين ومائة آية، منها:
قوله تعالى: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: 2).
وقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (البقرة:131).
وقوله: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162).
وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْء) (الأنعام: 164).
وقوله: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 54).
وقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) (الدخان: 8).
وقال: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) (الرحمن:17).
وقال: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير: 29).
وغيرها من الآيات الكثيرة.

معنى “الرب” في حق الله تبارك وتعالى:

قال الطبري – بعد ذكره للوجوه الثلاثة التي تقدّمت في معنى الرب -: وقد يتصرف أيضاً معنى الرب في وجوهٍ غير ذلك، غيرَ أنّها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة، فربُّنا جلّ ثناؤه: السيد الذي لا شِبه له؛ ولا مِثْل في سُؤْدده، والمُصْلح في أمْر خَلْقه؛ بما أسْبغَ عليهم مِنْ نِعمه، والمَالك الذي له الخَلق والأمر.
قال ابن الأثير: الربُّ يُطلق في اللغة: على المالك والسيد؛ والمدبِّر والمُربِّي؛ والقيِّم والمُنعم، ولا يُطلق غير مضافٍ إلا على الله تعالى، وإذا أُطلق على غيره أُضيف، فيقال: ربّ كذا.
قال ابن كثير: والربّ هو المَالك المتصرف، ويُطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرّف للإصْلاح، وكلّ ذلك صحيحٌ في حقّ الله تعالى.
ولا يستعمل الربّ لغير الله، بل بالإضافة، تقول: ربّ الدار؛ رب كذا، وأما” الرب” فلا يقال إلا لله عز وجل.
وقال عبد الرحمن السعدي:”الربُّ” هو المربّي جميع عبادَه بالتدبير؛ وأصْناف النِّعم، وأخصُّ من هذا؛ تربيته لأصفيائه بإصْلاح قُلُوبهم وأرواحهم وأخْلاقهم، ولهذا كثُر دُعاؤهم له بهذا الاسْم الجليل، لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخَاصة.

من آثار الإيمان باسم الله “الرب”:

1- إن الله سبحانه هو الربّ على الحقيقة، فلا ربُّ على الحقيقة سواه، هو ربُّ الأرْباب؛ ومالك المُلك، وملك المُلوك سبحانه وتعالى.
قال القرطبي: فالله سبحانه ربّ الأرباب، ومعبود العُبَّاد، يَملك المَمالك والملوك، وجميع العباد، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل ربٍّ سواه غير خالقٍ ولا رازق، وكل مخلوقٍ فَمُمَلَّكٌ بعد أنْ لم يكنْ، ومُنتَزَعٌ ذلك من يده، وإنما يملك شيئاً دون شيء.
وصفة الله مخالفة لهذا المعنى، فهذا الفرق بين صفات الخالق والمخلوقين.
فأما قول فرعون – لعنه الله – إذْ قال: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعات: 24)، فإنه أراد أن يَستبدَّ بالربوبية العالية على قومه، ويكون رب الأرباب، فينازع الله في ربوبيته وملكه الأعلى، (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) (النازعات: 25).
وقد قيل: إنّ الربَّ مشتقٌّ مِنَ التربية، فالله سُبحانه مُدبِّر لخَلْقه؛ ومُربّيهم ومُصْلحهم وجَابرهم؛ والقائم بأمُورهم، قيّوم الدنيا والآخرة، كلّ شيءٍ خَلْقه، وكلّ مذكورٍ سِواه عبدهُ وهو ربُّه، لا يَصْلح إلا بتدبيره، ولا يقوم إلا بأمره، ولا يرُبُّه سِواه، ومنه قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) (النساء: 23)، فسمّى ولدَ الزّوجة ربيبة؛ لتربية الزوج لها.
فعلى أنه مُدبرٌ لخلقه ومُربّيهم؛ ومصلحهم وجابرهم، يكون صفة فعلٍ، وعلى أنّ الرَّبَّ المالك والسّيد يكون صفة ذات. اهـ .
ويُبين الحليمي أنّ الله سبحانه يرعى العباد ويربيهم؛ في أحْوالهم وأطْوارهم المختلفة، فيقول:”الرب” وهو المبلّغ كلّ ما أبدع حدّ كماله الذي قدّره له، وهو يسلُّ النُّطفة من الصُّلب؛ ويجعلها عَلَقة، والعَلقة مُضغة، ثم يجعل المُضغة عظاماً، ثم يكسو العظامَ لحما، ثم يَخلق في البدن الروح؛ ويخرجه خَلقاً آخر؛ وهو صغيرٌ ضعيف، فلا يزال يُنميه ويُنشئه؛ حتى يجعله رجلاً، ويكون في بدْء أمره شاباً؛ ثم يجعله كهلاً ثم شيخاً. وهكذا كل شيءٍ خَلَقه؛ فهو القائم عليه به، والمبلّغ إياه الحدَّ الذي وصفه؛ وجعله نهاية ومقداراَ له.

2- فمَنْ عَرَف ذلك؛ لم يطلب غير الله تعالى له رباً وإلها، بل رضِي به سبحانه وتعالى رباً، ومَنْ كانت هذه صفته؛ ذاقَ طعمَ الإيمان وحلاوته، كما قال صلى الله عليه وسلم:” ذاقَ طعم الإيمان؛ مَنْ رَضِي بالله رباً، وبالإسْلام ديناً، وبمحمد رسولا”.
قال القاضي عياض رحمه الله: معنى الحديث: صحّ إيمانه؛ واطمأنّت به نفسه؛ وخامر باطنه، لأنّ رضاه بالمذكورات؛ دليلٌ لثبوت معرفته، ونفاذِ بصيرته، ومخالطة بشاشته قلبه، لأنّ مَن رضي أمراً سَهُل عليه، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان، سهُل عليه طاعات الله تعالى؛ ولذَّتْ له.

3- قال القرطبي رحمه الله: فيجب على كل مكلّف أنْ يعلم أنْ لا ربَّ له على الحقيقة؛ إلا الله وحده، وأن يُحسن تربية من جُعلت تربيته إليه، فيقوم بأمره ومصالحه؛كما قام الحقُّ فَيُرَقيه شيئاً شيئاً؛ وطوراً طوراً، ويحفظه ما استطاع جهده، كما حفظه الله.
قال ابن عباس وقد سُئل عن الربّاني فقال: هو الذي يُعلّم الناس بصغار العلم؛ قبل كباره..
فالعالم الرباني: هو الذي يُحقّق علمَ الربوبية، وربّى الناس بالعلم على مقدار ما يَحتملوه، فبذل لخواصهم جوهره ومكنونه، وبذل لعوامّهم ما ينالون به فضل الله ويُدركونه اهـ .

4- وقد دعا الأنبياء والصالحون الله سبحانه وتعالى بهذا الاسم، وتضرعوا به إليه.
فدعا آدمُ وحَواء عليهما السلام به، كما في قوله تعالى: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف: 23).
ونوح عليه السلام قال في دعائه: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً) (نوح: 28).
وإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام قالا: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127).
وموسى عليه السلام قال: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف: 151).
وعيسى عليه السلام قال: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ) (المائدة: 114).
والرسول صلى الله عليه وسلم وأمته في قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285). وغير ذلك في كتاب الله تعالى كثيرٌ لا يحصى.

5- وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم العبد أنْ يقول لسيده:”ربي” فقال:” لا يَقُلْ أحدُكم: أطْعِمْ ربَّك، وَضِّىءْ ربَّك، وليقلْ: سَيدي مولاي، ولا يَقُل أحدُكم: عبْدي أَمَتي، وليَقلْ: فَتَاي وفَتاتي وغُلامي”.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نهيُ العبد أنْ يقول لسيّده: ربي، وكذا نهي غيره؛ فلا يقول له أحدٌ”ربك”، ويدخل في ذلك أنْ يقول السيد ذلك عن نفسه، فإنه قد يقول لعبده: اسقِ ربك، فيضع الظاهر موضع الضمير؛ على سبيل التعظيم لنفسه.
والسبب في النهي: أنَّ حقيقة الربوبية لله تعالى، لأنّ الربَّ هو المالك القائم بالشّيء، فلا تُوجد حقيقة ذلك إلا لله تعالى.
قال الخطابي: سببُ المنع أنّ الإنْسان مربوبٌ؛ مُتعبدٌ بإخْلاص التوحيد لله، وترك الإشْراك معه، فكره له المُضاهاة في الاسم؛ لئلا يَدْخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحرّ والعبد، فأما ما لا تعبّد عليه من سائر الحيوانات والجمادات، فلا يُكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: ربّ الدار؛ وربّ الثوب.
قال ابن بطّال: لا يجوز أنْ يُقال لأحَدٍ غير الله: ربّ، كما لا يجوز أنْ يُقال له: إله. وتعقبه الحافظ بقوله: والذي يختصُّ بالله تعالى؛ إطلاقُ الربّ بلا إضافة، أما مع الإضافة؛ فيجوزُ إطْلاقه، كما في قوله تعالى حكايةً عن يوسف عليه السلام (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) (يوسف: 50)، وقوله عليه الصلاة والسلام في أشْرَاط السَّاعة:” أنْ تَلِدَ الأمَةُ ربَّتَها”. فدلَّ على أنَّ النّهي في ذلك؛ محمولٌ على الإطْلاق، ويحتمل أنْ يكون النهي للتَّنزيه، وما ورد من ذلك فلبيان الجواز.
وقيل: هو مخصوصٌ بغير النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولا يردّ ما في القرآن، أو المراد: النّهي عن الإكثار من ذلك؛ واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النَّهي عنْ ذكرها في الجملة اهـ.
قلت: وترك اسْتعمال هذه الكلمة مطلقةً؛ لورود النَّهي عنها، أسْلمُ وأحوط، والله أعلم.

من كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن حمد الحمود النجدي.

اقرأ المزيد في هذه السلسلة: