غسيل الأموال جريمة أفرزها عصر الاقتصاد الرقمي، وغسيل الأموال له صلة بالمال الحرام، وللإسلام منهجه في التعامل بالمال الحرام، فحرم ابتداء كل كسب ينشأ عن حرام، والحرام لا يملك، ويجب التخلص من المال الحرام، يقول الدكتور حسين شحاته في تعامل الشريعة الإسلامية مع ما يعرف بغسيل الأموال، وهذا نص كلامه

 ظاهرة غسيل الأموال المكتسبة من حرام :

أعظم خطر يهدد حياة الأمم والشعوب هو استشراء الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وكذلك الفساد الجلي والخفي ومن صوره المعاصرة في مجال المال والاقتصاد ما يسمى بغسيل الأموال القذرة المكتسبة بدون حق.

ولقد أثيرت العديد من التساؤلات حول حكم الإسلام في مسألة غسيل الأموال القذرة وسبل التخلص منها، ولقد عقدت مؤتمرات ونظمت ندوات في كثير من بلدان العالم حول هذا الموضوع([1])، كما قامت جامعة الأزهر الشريف بتنظيم عدة حلقات نقاشية حول نفس الموضوع بعنوان [ التوبة من المال الحرام]([2]).

معنى غسيل الأموال المكتسبة من حرام:

يرى الدكتور حمدي عبد العظيم في كتابه القيم: [غسيل الأموال في مصر والعالم الإسلامى] أن إشكالية عمليات غسيل الأموال تتم من خلال تصرفات أو معاملات يترتب عليها اختفاء الصفة أو انتفاء الصلة بالمصدر غير المشروع لهذه الأموال والتى تأخذ دورتها العادية في تيار الدخل القومي بعد ذلك([3]).

ويصف الدكتور محمد عبد الحليم عمر عملية غسيل الأموال على النحو التالي([4]): (( إن مصطلح غسيل الأموال الذي ظهر على الساحة الاقتصادية الآن يعنى القيام بتصرفات مالية مشروعة لمال اكتسب بطرق غير مشروعة عن طريق استخدامه ولمرات عديدة وفى جهات مختلفة وبأساليب عدة في وقت قصير في الاستثمار في أعمال مشروعة مثل الإيداع في بنوك خارجية وإدخاله بطريقة مشروعة إلى البلاد ، أو محاولة إخراجه من البلاد بطريقة مشروعة عن طريق التحويلات الخارجية أو تدويره في شراء عقارات ثم رهنها والاقتراض بضمانها أو تداول المال في البورصات المحلية والعالمية أو إنشاء شركات وهمية وإثبات عمليات مزورة باسمها بهذا المال … وذلك كله من أجل إخفاء المصدر غير المشروع للأموال وتضليل الأجهزة الرقابية والأمنية للإفلات من العقوبات المقررة عن الجرائم الاقتصادية التي ارتكبها ))([5])

وخلاصة أقوال علماء المال والتجارة أن :

معنى غسيل الأموال يدور حول استخدام حيل وطرق ووسائل للتصرف في أموال مكتسبة بطرق غير مشروعة وغير قانونية لإضفاء الشرعية والقانونية عليها ، وذلك من خلال انطوائها (إخفائها) في المعاملات التقليدية من بيع وشراء وصرف وتداول وتحويلات … ونحو ذلك .

التكييف الشرعى لمصادر الأموال المكتسبة من حرام

لقد حرَّمت الشريعة الإسلامية مصادر الأموال القذرة ، وحيل غسلها ، لأنها تقع تحت كبائر الذنوب التي تمحق الأرزاق وتهلك الأمم والشعوب ، ولقد كان للإسلام فضل السبق في محاربتها ، ليعلم الناس أنه الدين الحق ، فهي (الأموال القذرة ) تنطوي تحت الكبائر الآتية :

1 –    زراعة وصناعة وتجارة المخدرات .

2 –    البغاء والدعارة وما في حكم ذلك .

3 –    تجارة الرقيق .

4 –    التهرب من الرسوم والضرائب وإحداث خلل في السوق .

5 –    الرشوة والعمولات الخفية .

6 –    التربح من الوظيفة .

7 –    استغلال المناصب الحساسة لفرض إتاوات ومكوس .

8 –    التجسس غير المشروع للإضرار بالأمم والشعوب .

9 –    السرقات والاختلاسات والابتزاز .

10 –    الغش التجاري والاتجار في السلع الفاسدة والمحرمة .

11 –    التزوير في النقود والمستندات والوثائق والماركات والعلامات التجارية.

12 –  المقامرات في أسواق البضاعة والمال العالمية وما في حكم ذلك من المعاملات الوهمية .ويضاف إلى ذلك من منظور الشريعة الإسلامية

13 –    الخمور .

14 –   تربية الخنزير وبيعه .

15 –    الاتجار في أعضاء الجسد .

16 –   المراهنات.

كيفية التخلص من الأموال المكتسبة من حرام في ضوء الشريعة الإسلامية:

يُطبَّق على الأموال القذرة فقه التخلص من المال الحرام ،على النحو التالي:

أولاً :

لابد من التوبة الصادقة من ذنوب اكتساب الأموال القذرة والإيمان اليقين بأن هذا من الكبائر ، والعزم الأكيد على عدم العودة إلى مثل هذا الأعمال مرة أخرى لا في الحاضر ولا في المستقبل ، ويستغفر الله بنية خالصة وتبتل وتضرع أن يكفر الله عنه .

ثانياً : التخلص من الأموال القذرة على النحو التالي([6]) :

أ‌-   أموال قذرة محرمة لذاتها : تنفق في وجوه الخير وليس بنية التصدق ، ومثال ذلك الأموال المكتسبة من المخدرات والخمور .

ب‌- أموال قذرة محرمة لوصفها حيث أخذت من مالكها عنوة أو سراً بدون إذن من مالكها : ترد إلى ملاكها إن وجدوا أو تنفق في وجوه الخير إن لم يتمكن من الاستدلال عليهم ، ومثال الأموال المسروقة والمختلسة والغش والتدليس.

ج‌-   أموال قذرة محرمة لوصفها ولكن اكتسبت بطرق غير قانونية وغير مشروعة برضا صاحبها مثل الرشوة: ترد إلى صاحبها أو تنفق في وجوه الخير .

ويقول الدكتور يوسف القرضـاوى :

إن المال الحرام لا بد من أن  يتصرف فيه بأحد تصرفات أربعة ، على النحو التالى([7]):

1)     أن يأخذ هذا المال الحرام له أو لمن يعوله ، وهذا لا يجوز .

2)     أن يترك المال الحرام لأعداء الإسلام ، وهذا لا يجوز .

3)     أن يتخلص من المال الحرام بإتلافه أو حرقه ، ولقد نهانا الإسلام عن ذلك.

4)  أن يصرف في مصارف الخير، أي للفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل وللمؤسسات الخيرية الإسلامية الدعوية والاجتماعية ،وهذا هو الوجه المتعين.

ويؤكد الدكتور القرضاوي على أن التخلص من المال الحرام في مصارف الخير ليس من باب الصدقة لأن : الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، إنما هو من باب صرف المال الخبيث أو الحرام في مصرفه الوحيد ، فهو هنا ليس متصدقاً ، ولكنه وسيط في توصيل هذا المال لجهة الخير ، ويمكن أن يقال : أنها صدقة من حائز المال الحرام عن صاحب المال ومالكه .

ويضيف الدكتور القرضاوى ، أن الذي يتخلص من المال الحرام بعد التوبة والاستغفار لا يثاب ثواب الصدقة ، ولكن يثاب من ناحيتين أخريين هما :

‌أ.      أنه تعفف عن المال الحرام ومن الانتفاع به لنفسه بأي وجه ، وهذا له ثوابه عند الله تعالى .

‌ب.   أنه كان وسيط خير في إيصال هذا المال إلى وجوه الخير ، وهو مثاب على هذا إن شاء الله .

وخـــلاصــــة الــقـــول في قضية غسيل الأموال من المنظور الإسلامي:

يجب التخلص من الأموال القذرة الخبيثة الحرام فوراً في وجوه الخير وليس بنية الصدقة من ذلك المال ، وذلك بعد التوبة والاستغفار والعزم الأكيد على عدم العودة ، كما يجب مضاعفة الأعمال الصالحة ، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً  وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً } [الفرقان:70 – 71] ، ويقول الرسول التائب من الذنب كمن لا ذنب له i [ رواه الطبراني ] والله أعلم.


(1) د. حمدي عبد العظيم ، [غسيل الأموال في مصر والعالم الإسلامي] ، الناشر المؤلف ، الطبعة الأولى 1997

(2) جامعة الأزهر ، مركز صالح عبد الله كامل ، حلقات نقاشية حول : التوبة من المال الحرام ، سبتمبر 1999م

ـ لواء عصام الترساوى ، [ غسيل الأموال ]، ملحق الأهرام الاقتصادي ، 29/5/1995م.

ـ د . محمود عبد الفضيل ، جيهان دياب، [ أبعاد ومكونات الاقتصاد الخفي وحركة الأموال السوداء  فى الاقتصاد المصرى ] ، مجلة مصر المعاصرة العدد 400/أبريل 1985م.

(3) د. حمدى عبد العظيم ، [غسيل الأموال فى مصر والعالم الإسلامى ] ، مرجع سابق ، صفحة 5 .

(4) مركز صالح عبد الله كامل ، جامعة الأزهر ، سبتمبر 1999م .

(5) محمد عبد الحليم عمر ، [ التوبة من المال الحرام ]، ورقة عمل مقدمة إلى الحلقة النقاشية – مركز صالح عبد الله كامل – جامعة الأزهر ، سبتمبر 99، صفحة 4 .

(6)  د.محمد عبد الحليم عمر ، ” مرجع سابق ” ، صفحة 10-11، بتصرف .

(7)  د .يوسف القرضاوى ، [ فتاوى معاصرة ] ، جـ2 ، صفحة 411-412 .