يقول الله سبحانه: (وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (سورة البقرة : 115). وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان رسول الله ـ ـ يصلى وهو مُقْبِلٌ من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) وذلك في صلاة النافلة، والمعنى أن الجهات كلها لله، فمن تَوَجَّهَ بعبادته إلى أية جهة فإن الله مُطَّلِعٌ عليه وعالِمٌ به. والتعبير بوجه الله يراد به ذاته، لأن الوجه يعبر به عن الذات لأنه أشرف الأعضاء، وفي مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ) يراد به: قاصدين إياه بعملنا، لا نقصد غيره من المخلوقات، أي نحن موحدون لا نشرك به أحدًا، ومخلصون لا نُرائي بما عملنا.

ومن العبادة التي يُتقرَّبُ بها إلى الله :الدعاء. فإذا تَوَجَّهَ الإنسان به إلى ربه في أي اتجاه فإن الله حاضر لا يغيب ، عالم لا يغفل، هو سبحانه قريب لا بعيد، بمعنى أنه ـ وإن كانت له المنزلة العليا ـ قريب من الناس بعلمه (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (سورة المجادلة : 7) ولذلك قال سبحانه : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (سورة البقرة : 186) ولقربه من عباده لا داعي لرفع الصوت عند دعائه، فإنه يعلم السرَّ وأخفى، قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (سورة الأعراف : 55).

وإذ تبين أن الله قريب من الداعي، وهو في الوقت نفسه في مكانته العالية وسُمُوِّهِ اللائق بجلاله، ظهر معنى مَدِّ اليدينِ عند الدعاء ، طلبًا واستجداءً لخيره وبَرِّهِ، كأنه سبحانه، وهو الأعلى، أمام الداعي وهو الأدنى يمد إليه يديه، فاليد المعطية هي العليا والآخذة هي السفلى.

وهذه الصورة الرمزية للمواجهة يشير إليها قول النبي ـ ـ “إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يُناجي ربه، فلا يَبْزُقَنَّ بين يديه ولا عن يمينه…” رواه مسلم.
وقول أيضًا “ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فينخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فيُنخع في وجهه” رواه مسلم أيضًا.

فَمَدُّ اليدينِ عند الدعاء تعبير عن المعتاد بين الناس عند طلب الأدنى من الأعلى، مُستجديًا مُتضرعًا، وقد ثبت عن النبي ـ ـ في عدة أحاديث أنه رفع يديه عند الدعاء، في الاستسقاء وغيره، وقد ساق البخاري عدة أحاديث في ذلك في آخر كتاب الدعوات وصَنَّفَ المنذِري في هذا جزءًا. وقال النووي في شرح صحيح مسلم، هي أكثر من أن تحصر قال: وقد جمعت فيها نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين أو أحدهما. قال: وذكرتها في آخر باب صفة الصلاة في شرح المهذب “نيل الأوطار ج 4 ص 9.

من هذه الأحاديث ما رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: دعا النبي ـ ـ ثم رفع يديه، ورأيت بَبَاضَ إبطيه، وما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن سلمان الفارسي أن النبي ـ ـ قال: “إن ربكم حَيِّيٌ كريم يَستحيي من عَبْدِهِ إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا” أو قال “خائبتينِ” . “الترغيب والترهيب ج 2 ص 195”.

ومن هنا قال العلماء بمشروعية رفع اليدين عند الدعاء بل بالندب اقتداء بالنبي ـ ـ غير أن جماعة كرهوا رفع اليدين في غير الاستسقاء، لحديث أنس “كان النبي ـ ـ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه” .رواه البخاري ومسلم. والقائلون بالجواز في غير الاستسقاء رَدُّوا على هؤلاء بأن كون أنس نفى الرؤية عنه لا يستلزم نفي رؤية غيره، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النافي. أو يحمل حديث أنس على الرفع البليغ الذي يرى فيه بياض الإبطين وهو لا ينافي الرفع بغير ذلك كمجرد مد اليدين وبسطهما عند الدعاء.

والبعض كره رفع اليدين مطلقًا في الاستسقاء وغيره، لحديث مسلم عن عمارة بن روبية، وقد رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: قَبَّحَ الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ـ ـ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة “تفسير القرطبي ج 7 ص 255″ ويرد علهيم بما رد على غيره.
ي

قول القرطبي “المرجع السابق”: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عزوجل والتذلل له أو الخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي ـ ـ حسبما ورد في الأحاديث وقد قال تعالى: (ادْعُو رَبَّكُمٍْ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً) (سورة الأعراف : 55) ولم ترد صفة من رفع يدين وغيرهما، وقال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا) (سورة آل عمران : 191) فمد حهم ولم يشترط حالةً غير ما ذكر، وقد دعا النبي ـ ـ في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة. أهـ.

وكذلك روى ابن عمر أن النبي ـ ـ رفع يديه وقال: “اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد” وفي صحيح مسلم عن عمر: رفع النبي ـ ـ يديه بالدعاء يوم بدر.

وعلى القول بمشروعية رفع اليدين عند الدعاء رُويت عدة حالات في كيفية الرفع، منها جَعْلُ ظهورها إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونها مما يليى وجهه.
ورُوي عكس ذلك. ومنها جعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض، وروى عكس ذلك وكان ذلك في الاستسقاء كما رواه مسلم “نيل الأوطار ج 4 ص 9”.

قال ابن حجر في الفتح: قال العلماء: السُّنَّةُ في كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا بحصول شيء أو تحصيله أن يجعل بطن كفيه إلى السماء. وكذلك قال النووي في شرح صحيح مسلم، حاكيًا لذلك عن جماعة من العلماء. وقيل:الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غير التفاؤل بتقلب الحال كما قيل في تحويل الرداء “المرجع السابق.

هذا، ويُكره عند الدعاء النظر إلى السماء، لحديث مسلم وغيره أن النبي ـ ـ قال: “لَيَنْتِهِيَنَّ أقوام عن رفعهم أبصارَهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لَيخطفنَّ الله أبصارهم.
وقد يُحمل النهي على رفع البصر في الصلاة، أما في غيرها فلا مانع، لرواية للبخاري جاء فيها: فنظر إلى السماء، وكان ذلك في الاستسقاء “نيل الأوطار ج 4 ص 10”.

ومَسْحُ الوجه باليدين بعد رفعهما في الدعاء ورد فيه عن عمر بن الخطاب أنه قال: كان رسول الله ـ ـ إذا رفع يديه في الدعاء لم يَحطَّهما حتى يمسح بهما وجهه. رواه الترمذي وقال: غريب.

وعن ابن عباس نحوه كما في سنن أبي داود. قال النووي: في إسناده كل واحد ضعف ” الأذكار للنووي ص 399″

وجاء في “بلوغ المرام شرح “سبل السلام” ج 4 ص 219 لابن حجر، بعد ذكر حديث عمر : أخرجه الترمذي وله شواهد منها عند أبي داود من حديث ابن عباس وغيره، ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن، فالوارد من ذلك ليس بصحيح، بل ضعيف، ولكن مجموع الشواهد يرفع درجتها إلى الحسن فتُقبل. أهـ.

ونود التنبيه: إن مد اليدين عند الدعاء يشبه ما يحدث عند طلب الفقير إحسانًا من الغني فعند شدة الحاجة قد يجثو السائل على ركبتيه، يَستدر بهذا الوضع عطف المسئول، وهو في هذا الوضع المتذلل يرفع يديه إلى أعلى يتلقى بهما الإحسان فالمسلم الذي يدعو ربه يرفع يديه دليلاً على تَذَلُّلِه وشدة حاجته، ولذا كان النبي ـ ـ يلجأ إلى ذلك ويبالغ فيه في الاستسقاء ونحوه، وليس ذلك مستلزمًا وجود الله في السماء، فهو سبحانه ، مُنَزَّهٌ عن المكان، بل ذلك دليل على علو مكانته سبحانه وتعالى في أذكار النووي عن رفع اليدين ومسح الوجه ثلاثة أوجه للشافعية أصحها استحباب الرفع وعدم مسح الوجه، والثاني الرفع والمسح والثالثة عدم الاثنين.