مسئولية الآباء تجاه الأبناء

الأولاد هم زينة الحياة الدنيا، كما وصفهم الله عز وجل بقوله تعالى : {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} (الكهف: 46).
ولهذا كان من دعوات النبي الصالحات لمن يحب: الإكثار من المال والولد؛ فقد روى أنس رضي الله عنه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أمه وخالته، صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعا لهم بكل خير. فقالت أم أنس: يا رسول الله، خويدمك، ادع الله له، فدعا له بكل خير، وقال في آخر دعائه: “اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له” (رواه البخاري ومسلم).

والمسلم الحق الواعي يدرك مسؤوليته الكبرى إزاء أولاده الذين هم عقبه ونسله في هذه الحياة ، إذ يسمع صوت القرآن يهتف به:
{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة} (التحريم: 6).

وإذ يسمع صوت الرسول الكريم يضعه أمام مسؤوليته الكبرى في الحياة: “كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخـادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته” (متفق عليه).

فمهمة الآباء مع الأبناء في الصغر هي حسن التنشئة و التربية ، أما في الكبر فينبغي أن يكون شأن المسلم مع أولاده، يخالطهم، ويترفق بهم، ويحنو عليهم، ويمازحهم، ويدخل على قلوبهم السعادة والغبطة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وما وجد من وقته فراغاً وسعة.

إن من أولى واجباته الأبوية أن يشعرهم بالرحمة والحنان والعطف والحب، والرحمة خلق إسلامي أصيل، كان من أبرز خلائق الرسول الكريم وشمائله الرفيعة، كما حدثنا أنس رضي الله عنه إذ قال:
“ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان إبراهيم مسترضعاً له في عوالي المدينة، فكان ينطلق، ونحن معه، فيدخل البيت، فيأخذه فيقبله، ثم يرجع” (رواه مسلم).

والمسلم الصادق لا يستطيع أن يتخلى عن عياله،في أي وقت ، ويجعلهم في فاقة وعسر وضياع، وهذا أكثر ما يتصور يتصور في شأن البنت عندما تطلق و تعود إلى بيت أبيها ، وهنا يكون واجب الأب فقد يضيق بعض الناس ذرعاً بهذه البنت التي غادرت البيت ثم هي عادت إليه مرة أخرى وقد لحظ الدين الحنيف ، وهو دين الحياة الذي يعالج واقع الناس ومشكلاتهم في كل زمان ومكان، أمر هذه البنت التي قد طلقت ، وعادت إلى بيت أبيها، وقد يكون أبوها في عسر وفاقة وضيق، من قلة في الدخل، أو كثرة من الولد، فيضع له الإسلام البلسم الشافي لجراح نفسه المعذبة المكدودة، ويقشع عنها ما يساورها من هم ونصب وعذاب، ويحفزه للطاعة ، و يشجعه على استضافة هذه الفتاة المسكينة الجريحة فيبين لهذا الوالد أن إنفاقه على بنته المردودة إليه من أعظم الصدقات وأقرب القربات إلى الله.

فكل ما يصنعه الأب مع أبنائه الكبار يدخل في صلة الأرحام ، وقد جاءت صلة الرحم في عداد المعالم الكبرى لهذا الدين الحنيف، وليس أدل على حفاوة الإسلام البالغة بالرحم من تلك الصورة الرائعة التي رسمها البيان النبوي للرحم، وهي تقوم بين يدي الله في الساحة الكبيرة التي خلق الله فيها الخلق، فتستعيذ به من قطيعتها، ويجيبها الله عز وجل إلى سؤلها، فيصل من وصلها، ويقطع من قطعها، وذلك في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إن الله تعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم ، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اقرأوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} (متفق عليه).

إن المسلم المرهف الحس، المتطلع إلى رضوان ربه وسلامة آخرته، يسارع إلى اغتنام الفرص التي يرفع بها من درجاته في الآخرة يقول تعالى :{و سارعوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين }.

أحدث المقالات