الوهن الذي أصاب الأمة الإسلامية لا يخفى على أحد، ومظاهره بادية واضحة على كافة المستويات، ويرجع السبب في هذا الضعف كما بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى حب الدنيا وكراهية الموت، كما لا يخفى على أحد أن السبب الرئيس في هذا الوهن هو الأزمة الأخلاقية التي تعاني منها الأمة الإسلامية.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
إذا كان الزمن قد تغير على المسلمين، فانكمشوا بعد امتداد، ووهنوا بعد قوة، فلأن الإيمان لم يعد المسيطر على أنفسهم، والموجه لأخلاقهم وسلوكهم.

لقد بات إيمانهم إيماناً (جغرافياً) بحكم ولادتهم في أرض المسلمين، أو إيماناً (وراثياً) يأخذونه عن آبائهم كما يرثون الدور والعقارات، بات إيماناً مخدراً نائماً لا تأثير له، ولا حيوية فيه، فكيف يورث القوة، ويهب للنفس العزيمة والمضاء؟
لقد كشف الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته عن الأسباب العميقة لضعفها حين تضعف، وهوانها حين تهون على أعدائها، فقال – وصدّق الزمن ما قال- عليه الصلاة والسلام: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. قالوا وما الوهن؟ – أي ما سببه وما سره فإن معنى الوهن معروف وهو الضعف- قال: حب الدنيا وكراهية الموت”.

هذا هو مبعث الوهن الحقيقي، وسر الضعف الأصيل، أن يخلد المرء إلى دنياه الخاصة، فيعيش عبداً لها مطواعاً لأوضاعها الرتيبة، أسيراً لقيودها الثقيلة، تحركه الشهوات كالخاتم في الإصبع، وتسيره الرغائب المادية كالثور في الساقية، يتحرك في مدار محدود، فاقد الهدف معصوب العينين.

حب الدنيا هو الذي يجعل الإنسان في صولجانه عبداً ضعيفاً، رخو العود، أمام امرأة يعشقها، أوشهوة يطمع في نيلها، أو نديم يخشى أن يفضحه، أو غير ذلك من متاع الدنيا الزائل…
وكراهية الموت هي التي تجعل الأفراد والجماعات يؤثرون حياة ذليلة على موت كريم، يؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتات، على موت يحيون بعده حياة الخلود.
ومن لا يمت تحت السيوف مكرماً يعش ويقاسي الذل غير مكرم

ويقول فضيلة الشيخ في موضع آخر:
إن أزمتنا الكبرى ـ في جوهرها ـ أزمة روحية أخلاقية، أزمة إيمان وأخلاق.
ولسنا من الغفلة والسذاجة، بحيث نجحد أن أزمتنا في عدد من جوانبها وأبعادها، اقتصادية واجتماعية، وإدارية وعلمية وتكنولوجية.

فهذه الجوانب والأبعاد مسلمة لا ريب فيها، ولكن جذورها وأسبابها ـ في التحليل النهائي ـ تعود إلى انطفاء جذوة الإيمان والأخلاق.

ما علة هذا؟ إنه ضعف الإيمان والأخلاق لدى الجميع إلا من رحم الله.
إنه التأله الفرعوني، والاستكبار الهاماني، والبغي القاروني، مع الوهن النفسي والخلقي الذي أصاب الناس، (فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد)، (فاستخف قومه فأطاعوه).

إنه الوهن المتمثل في (حب الدنيا وكراهية الموت) لدى الناس، فكل يقول: نفسي نفسي، ولا يريد أن يضحي ويبذل من أجل أمته.

إن معظم التمزق والتفرق الذي نعانيه بين أقطارنا ، ليس أساسه اختلاف الأفكار، بقدر ما هو اختلاف الأهواء والأغراض والمصالح.

إن شيوع المخدرات والسموم بين الشباب، وشراءها بمئات الملايين في وقت يحتاج فيه الناس إلى كل درهم وفلس، وراءه فساد أخلاقي كبير.

إن جماهير غفيرة من الناس تأكل الحرام ولا تبالي، لا يحللون اللقمة التي تدخل أجوافهم، وتقيم بنيانهم، لأنهم يستوفون أجورهم ولا يعملون، وإذا عملوا لا يتقنون، فهم يأخذون من الحياة ولا يعطون.
وآخرون يبنون أنفسهم بهدم غيرهم، ويشيدون ثرواتهم من عرق الآخرين.

إن السباق المجنون على الاستهلاك وخصوصا للسلع المستوردة والتباطؤ المميت في الإنتاج، وخصوصا في الزراعة والصناعة، كل ذلك يمثل بعض ما نعانيه من أزمة الإيمان والأخلاق.
لقد غدونا ـ للأسف ـ نتكلم ولا نعمل، ونقول ولا نفعل، ونستورد ونستهلك ولا ننشئ ، ونستقبل ولا نرسل، ونقلد ولا نبتكر، وباختصار: نهدم ولا نبني، ونميت ولا نحيي.

إن هذا يجعلنا نزداد إيمانا بأن مهمتنا الأولى يجب أن تكون تجديد الإيمان والأخلاق، وبعث الحياة في الجسد الهامد، حتى يجري في عروقه الدم، وينهض إلى الانطلاق والعمل من جديد.

إن أمتنا في حاجة إلى روح جديد يسري في كيانها، ينشئها خلقا آخر، يغير فلسفتها ونظرتها إلى الحياة، وإلى الأشياء ويبدل نمط حياتها الحالي المتواكل المتثائب، إلى نمط منتج فعال.
إن المادية، والأنانية، والطفيلية، والوصولية، والانتهازية، والنفعية وغيرها من الرذائل المدمرة، يجب أن تطارد حتى تختفي من دنيانا.

إن منكرات الارتجالية والعفوية، والانهزامية والمحسوبية والشللية، وألوان الغش التجاري والثقافي والتربوي وغيرها من الآفات التي ذاعت وشاعت يجب أن تقاوم حتى تطهر ساحتنا منها.

إن رذائل الفوضى واللامبالاة، والتواكل، والكسل، والعجز، والتسويف وضعف الإنتاج، وسوء الاستهلاك، كلها يجب أن تحارب كما يحارب الدرن والبلهارسيا وغيرها. بل هي أخطر على الأمم من كل الأمراض المتوطنة والوافدة.