حكم الدفن وكيفيته

الدفن فيه تكريم للإنسان، والأصل في المدفن أن يواري جثة الميت، والأصل في بناء حجرات صغيرة يدفن فيها الميت كما هو الحال في مصر، إنما يرجع لأمرين الأول منع الرائحة، والثاني عدم امتهان الجثة ومنع السباع من الوصول لها، وهو أمر معتبر شرعا.

وتفصيل هذا هو ما جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية نقلا عن موقعها:

أولاً: من المقرر شرعًا أن دفن الميت فيه تكريم للإنسان: لقوله تعالى في معرض الامتنان: {أَلَم نَجعَلِ الأَرضَ كِفاتًا أَحياءً وأَمواتًا} (المرسلات:25-26)، وقد حث الإسلام عليه. وأجمع المسلمون على أن دفن الميت ومواراة بدنه فرض كفاية: إذا قام به بعض منهم أو مِن غيرهم سقط عن الباقين.

والمأثور في كيفية دفن الميت أنه بعد دخوله القبر يوضع على شقه الأيمن ويوجه وجهه إلى القبلة، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة، وعليه فيحرم توجيه وجهه لغير القبلة: كما شاع خطأً عند كثير مِمّن يَدفِن في هذا الزمان مِن وضع رِجل الميت للقبلة، وإذا دُفِن كذلك نُبِش قبرُه وصُحِّح وضعُه.

ويُدخَل بالميت من فتحة القبر بحيث يُدفَن تجاه القبلة مباشرة من غير حاجة إلى الدوران به داخل القبر، وذلك حسب فتحة القبر؛ لتيسير وضعه على شقه الأيمن وتوجيه وجهه للقبلة.

ويستحب عند الدفن الدعاء للميت وحل أربطة الكفن، وأن يقول واضعه: “بسم الله، وبالله، وعلى مِلّة رسول الله، أو: وعلى سنة رسول الله”؛ لما روي عن ابنِ عُمَرَ أَنّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وآله وسلم كان إذا أُدخِلَ المَيِّتُ القَبرَ قال مَرّةً: “بسمِ اللهِ وباللهِ وعلى مِلّةِ رسولِ اللهِ”، وقال مَرّةً: “بسمِ اللهِ وباللهِ وعلى سُنّةِ رَسُولِ اللهِ” رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وقال الترمذي: حسن غريب، ويفضي بخده إلى التراب، ويستحب أن يجعل تحت رأسه لبنة أو حجرًا، ويجعل خلفه لَبِنًا ونحوه لئلا يقع على قفاه، وتُجعَل يدُ الميت اليمنى أمامه واليسرى على جسده.

 ثانيًا: من المقرر شرعًا أن أقل ما يجزئ في القبر حفرة تواري الميت: وتمنع بعد ردمها ظهورَ رائحة منه تؤذي الأحياء ولا يتمكن من نبشها سَبُعٌ ونحوه، وأكمله اللحد، وهو حفرة في جانب القبر جهة القبلة يوضع فيها الميت وتُجعَل كالبيت المسقف بنصب اللبِن عليه (وهو الطوب النيء)، فإن كانت الأرض رخوة يُخاف منها انهيار اللحد فإنه يُصار إلى الشَّقّ -ويُسمَّى الضريح أيضًا-، وهو حفرة مستطيلة في وسط القبر تبنى جوانبها باللبن أو غيره يوضع فيها الميت وتُسقف ويرفع السقف قدر قامةٍ وبسطةٍ (قامة رجل معتدل يقوم ويبسط يده مرفوعةً) كما أوصى بذلك سيدنا عمر رضي الله عنه فيما رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر.

 والفساقي: جمع فَسْقِيَّة، وهي كلمة مولَّدة تطلق على حياض المياه ونحوها، والمقصود بها هنا حجرة صغيرة مبنية تحت الأرض تسع الميت ودافنيه، وقد تكون فوق الأرض أيضًا، وإنما يُلجَأ إليها في الأراضي المجاورة للأنهار والتي تكثر فيها المياه الجوفية؛ لرطوبة الأرض ورخاوتها، وهي منتشرة في الديار المصرية وغيرها منذ زمن بعيد.

فإذا كانت الفساقي فوق الأرض من غير حَفرٍ فلا يجزئ في الدفن أن يوضع الميت فيها، إلا إذا كانت الأرض رخوة لا تحتمل الحفر، فإنها تجزئ حينئذ ولا يكلَّف الناسُ بالدفن في غيرها.

قال العلامة الشمس الرملي في “نهاية المحتاج” (3/4): “وعُلِمَ مِن قوله (حفرة) عدمُ الاكتفاء بوضعه على وجه الأرض والبناء عليه بما يمنع ذينك (أي الرائحة والسبع)، نعم لو تعذر الحفرُ لم يُشتَرَط؛ كما لو مات بسفينة والساحل بعيد، أو به مانع، فيجب غسله وتكفينه والصلاة عليه, ثم يجعل بين لوحين لئلا ينتفخ”.

قال الشيخ الشَّبْرامَلِّسي في حاشيته عليه: “(قوله: كما لو مات بسفينة) أي أو كانت الأرض خوارة أو ينبع منها ما يفسد الميت وأكفانه كالفساقي المعروفة ببولاق ولا يُكَلَّفُون الدفنَ بغيرها”.

ونقله الشيخ الجمل في حاشيته “فتوحات الوهاب” (2/195) مُقِرًّا له.

أما إن كانت الفساقي تحت الأرض -كما هو الشائع- فالعلماء متفقون على أن الدفن فيها مجزئ في حالة الحاجة والاضطرار، وأما في حالة الاختيار فقد نُقِل عنهم الخلافُ في جواز الدفن فيها، والتحقيق أنها إن كانت مُحكَمةَ الإغلاق تمنع الرائحة والسبع فإنّ الدفن فيها مجزئ أيضًا، وأنها داخلة في مسمَّى القبر الشرعي الذي يُجزئ الدفنُ فيه، وهذا هو المفتَى به، وهو ما عليه العمل في الديار المصرية منذ زمن بعيد.

وهذه الفساقي لم تكن كلُّها في أول الأمر مُحكَمةَ الإغلاق؛ فكانت تظهر منها رائحة الموتى، على ما فيها مِن فتح القبر على الميت قبل بِلاَهُ لإدخال ميت آخر، واختلاط الرجال بالنساء في المدفن، وأنها ليست على هيئة الدفن المعهود؛ وهذا ما دعا جماعةً من العلماء كابن الصلاح والتقي السبكي والأذرعي من الشافعية إلى الفتوى بعدم جواز الدفن فيها، وأنها غير مجزئة شرعًا، بينما ذهب الحنفية إلى كراهة الدفن فيها كما نص عليه الكمال بن الهمام وغيره.

ومِن العلماء مَن جعل الدفن فيها نوعًا من التساهل الذي جرت به العادة، في إشارة إلى أن عموم البلوى بها يقتضي رفع الحرج عن الدفن فيها للحاجة، كما يقول العلامة الشيخ محمد عليش المالكي في “منح الجليل على مختصر العلامة خليل” (1/301): “وإن دُفِن بلا لحد ولا شق -كتُرَب مصر- أُسنِد بالتراب من خلفه وأمامه؛ لئلا ينقلب على وجهه أو على ظهره، وهذا ليس دفنا شرعيًّا وإن جرت به العادة في مصر ونحوها تساهلا”.

على أن المعتمد عند الشافعية -كما نص عليه العلامة ابن قاسم والشمس الرملي والبجيرمي والجمل وغيرهم- أن هذه الفساقي إن منعت الرائحة والسبع فإنه يصدق عليها اسم القبر ويجوز الدفن فيها شرعًا، وهو الذي اعتمده العلاّمة الطحطاوي من الحنفية أيضًا في قرافة مصر.

   والجواب عن حجج المانعين كما يأتي:

1- أن ضابط الدفن الشرعي: كونُ القبر حفرةً تمنع الرائحة والسَّبُع، وهذا متحقق في الفساقي المحكَمة الإغلاق، وليس كونها على خلاف الدفن المعهود مبررًا لمنع الدفن فيها ما دامت قد تحقق فيها ضابط الدفن الشرعي وحكمته.

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في “أسنى المطالب” (1/324): “(وأقل الواجب) في المدفن (حفرة تصون جسمه عن السباع) غالبا (ورائحته) قال الرافعي: والغرض من ذكرهما إن كانا متلازمين بيان فائدة الدفن وإلا فبيان وجوب رعايتهما، فلا يكفي أحدهما، وظاهر أنهما ليسا بمتلازمين؛ كالفساقي التي لا تكتم الرائحة مع منعها الوحش فلا يكفي الدفن فيها، وقد قال السبكي: في الاكتفاء بالفساقي نظر; لأنها ليست معدة لكتم الرائحة; ولأنها ليست على هيئة الدفن المعهود شرعًا، قال: وقد أطلقوا تحريم إدخال ميت على ميت لما فيه من هتك حرمة الأول وظهور رائحته، فيجب إنكار ذلك”.

وفي حاشية الشيخ الرملي عليه: “(قوله: وأقل الواجب حفرة إلخ) قال الأذرعي: يؤخذ من قوله حفرة أنه لا يكفي ما يصنع بالشام وغيره من عقد أزج واسع أو مقتصد شبه بيت; لأنه لا يمنع سبعا ولا نباشا مع مخالفة الحديث وإجماع السلف، وحقيقته بيت تحت الأرض، فهو كوضعه في غار ونحوه وسد بابه وليس هذا بدفن قطعا. اهـ.

(وقوله: قال الأذرعي إلخ) أشار شيخنا (يعني العلامة الشمس الرملي) إلى تضعيفه.

وقال الشمس الرملي في “نهاية المحتاج” (3/3-4) بعد أن نقل كلام السبكي السابق: “ومعلوم أن ضابط الدفن الشرعي ما مر, فإن منع ذلك كفى, وإلا فلا سواء أكان فسقية أم غيرها”.

وقال الشيخ البجيرمي الشافعي في حاشيته على الإقناع المسمَّاة “تحفة الحبيب على شرح الخطيب” (2/246): “والضابط للدفن الشرعي: ما يمنع الرائحة والسبع، سواء كان فسقية أو غيرها، خلافًا لِمَن منع الدفن في الفسقية اهـ شرح م ر”.

ولا ينافيه قولُه بعد ذلك (2/270): “وما اعتيد من الدفن في الفساقي المعروفة فحرام؛ لِمَا فيه من إدخال ميت على ميت آخر”اهـ؛ إذ مقصوده ما لم تكن هناك ضرورة.

وقال الشيخ الجمل في حاشيته “فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب” (2/195): “(قوله: إن كانا متلازمين -أي منع الرائحة والسبع- إلخ) قال شيخنا: وظاهر أنهما ليسا متلازمين كالفساقي التي لا تكتم الرائحة مع منعها السبع فلا يكفي الدفن فيها، فإن منعت ذلك اكتُفِيَ به؛ لوجود ضابط الدفن اهـ ح ل”.

2- أن الفسقية حفرة تحت الأرض، وبناؤها لا يزيل اسم الحفرة عنها، مع جواز البناء إذا دعت الحاجة إليه.

قال العلامة ابن قاسم العبادي الشافعي في حاشيته على “تحفة المحتاج” لابن حجر الهيتمي (3/167): “(قوله في المتن: حفرة تمنع إلخ) الحفرة المذكورة صادقة مع بنائها، فحيث منعت ما ذُكِر كَفَتْ؛ فالفساقي إن كانت بناءً في حفر كفت إن منعت ما ذكر وإلا فلا خلافًا لإطلاق ما يأتي”.

ونقل كلامَه الشيخُ الشرواني في حاشيته على التحفة أيضًا وأقره.

3- أن تعدد الموتى وكذلك اختلاط الرجال بالنساء في مدفن واحد جائز للضرورة، مع مراعاة وضع حاجز بين الأموات، وأنه لا يجوز أن يُفتَح القبر على الميت قبل بِلاه لدفن ميت آخر -ويُعرَف ذلك بقول أهل الخبرة- إلاّ إذا لم يكن لذلك الميت مدفن آخر.

قال العلامة ابن نجيم الحنفي في “البحر الرائق شرح كنز الدقائق” (2/209): “وفي فتح القدير: ويكره الدفن في الأماكن التي تسمى فساقي اهـ.

وهي -أي: علة الكراهة- من وجوه: الأول عدم اللحد، الثاني دفن الجماعة في قبر واحد لغير ضرورة، الثالث اختلاط الرجال بالنساء من غير حاجز كما هو الواقع في كثير منها، الرابع تجصيصها والبناء عليها”.

وقد أجاب الشيخ الطحطاوي الحنفي [ت1231هـ] عن هذه الوجوه في حاشيته على “مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح” ص:(336) بقوله: “إلا أن في نحو قرافة مصر لا يتأتى اللحد، ودفنُ الجماعة لتحقق الضرورة، وأما البناء فقد تقدم الاختلاف فيه، وأما الاختلاط فللضرورة، فإذا فُعِل الحاجزُ بين الأموات فلا كراهة، وصرح المصنف بعدُ بجواز دفن المتعددين في قبر واحد للضرورة”.

4- أن سعة الفساقي المبنية تحت الأرض لا تخرجها عن كونها قبورًا شرعية؛ لأن من السنة توسيع القبر، حتى صرح بعض الفقهاء كالحنابلة بأنه لا حد لسعة القبر.

قال العلامة منصور البهوتي الحنبلي في “شرح منتهى الإرادات” (2/135-136): “(وسن أن يعمق) قبر (ويوسع قبر بلا حد) لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في قتلى أحد: «احفروا وأوسعوا وأعمقوا» قال الترمذي حسن صحيح؛ لأن التعميق أبعد لظهور الرائحة وأمنع للوحوش، والتوسيع: الزيادة في الطول والعرض، والتعميق بالعين المهملة: الزيادة في النزول (ويكفي ما) أي تعميق (يمنع السباع والرائحة) لأنه يحصل به المقصود، وسواء الرجل والمرأة”.

 وبناءً على ذلك: فإن الدفن في الفساقي محكمة الإغلاق (وهي الغُرَف الصغيرة تحت الأرض المنتشرة في الديار المصرية) دفن شرعي صحيح جرى عليه عمل الناس، وأقره المحققون من العلماء، مع مراعاة عدم فتح القبر على الميت لإدخال ميت آخر قبل بلاه، إلاّ إذا لم يكن للميت الآخر مدفن آخر غيره.

ثالثًا: من السنة أن يقف المشيعون للجنازة عند القبر ساعة بعد دفن الميت والدعاء له: لِما رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد عن عثمان رضي الله عنه قال: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا فَرَغَ مِن دَفنِ المَيِّتِ وَقَفَ عليه فقالَ: «استَغفِرُوا لأَخِيكم وسَلُوا له التَّثبِيتَ؛ فإِنَّه الآنَ يُسأَلُ». وروى مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قـال: «إذا دَفَنتُمُونِي فَشُنُّوا عليَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُم أَقِيمُوا حَولَ قَبرِي قَدرَ ما تُنحَرُ جَزُورٌ ويُقسَمُ لَحمُها حتى أَستَأنِسَ بكم وأَنظُرَ ماذا أُراجِعُ به رُسُلَ رَبِّي». وذلك إنما يكون بعد الدفن.

ولا بأس أن يسبق الدعاء موعظة موجزة تذكر بالموت والدار الآخرة لِما في ذلك مِن ترقيق القلوب وتهيئتها للتضرع إلى الله تعالى وجمع الهمة في الدعاء، فعن علي كرم الله وجهه قال: كُنّا في جَنازةٍ في بَقِيعِ الغَرقَدِ، فأَتانا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فقَعَدَ وقَعَدنا حَولَه، ومَعَه مِخصَرةٌ، فـنَكَّسَ، فجَعَلَ يَنكُتُ بمِخصَرَتِه، ثُم قالَ: «ما مِنكم مِن أَحَدٍ- ما مِن نَفسٍ مَنفُوسةٍ إلاّ كُتِبَ مَكانُها مِنَ الجَنّةِ والنّارِ وإلاّ قد كُتِبَ شَقِيّةً أو سَعِيدةً»، فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتابِنا؟ فقال: «اعمَلُوا؛ فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له» متفق عليه، وقد بَوَّبَ على ذلك البخاري في صحيحه بقوله [باب مَوعِظةِ المُحَدِّثِ عندَ القَبرِ وقُعُودِ أَصحابِه حَولَه].

قال الإمام النووي في “الأذكار”: [ويستحب أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما يُنحَر جَزُورٌ ويُقَسَّم لحمُها. ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأحوال الصالحين. قال الشافعي والأصحاب: يُستَحَبّ أن يقرؤوا عنده شيئًا مِن القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآنَ كلَّه كان حسنًا] اهـ.

  أما عن كيفية الدعاء للميت وهل يكون سرًّا أو جهرًا: فالأمر في ذلك واسع، والتنازع من أجل ذلك لا يرضاه الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو من البدع المذمومة؛ إذ من البدعة تضييق ما وسَّع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا شَرَع اللهُ سبحانه وتعالى أمرًا على جهة الإطلاق وكان يحتمل في فعله وكيفية إيقاعه أكثرَ مِن وجه فإنه يؤخذ على إطلاقه وسعته ولا يصح تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الأغلوطات وكثرة المسائل، وبيَّن أن الله تعالى إذا سكت عن أمر كان ذلك توسعة ورحمة على الأمة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ فَرائِضَ فلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ حُرُماتٍ فلا تَنتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فلا تَعتَدُوها، وسَكَتَ عن أَشياءَ رَحمةً لكم مِن غيرِ نِسيانٍ فلا تَبحَثُوا عنها» رواه الدارقطني وغيره عن أبي ثَعلَبةَ الخُشَنِيِّ رضي الله عنه، وصحّحه ابنُ الصلاح وحسّنه النوويُّ. قال العلامة التَّفتازاني في شرح الأربعين النووية: [(فلا تبحثوا عنها) ولا تسألوا عن حالها؛ لأن السؤال عما سكت اللهُ عنه يُفضِي إلى التكاليف الشاقة، بل يُحكَم بالبراءة الأصلية] اهـ.

وبيَّن رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فَداحةَ جُرمِ مَن ضَيَّق على المسلمين بسبب تَنقِيرِه وكثرة مسألته فقـال: «أَعظَمُ المُسلِمِينَ في المُسلِمِينَ جُرمًا رَجُلٌ سأَلَ عن شَيءٍ ونَقَّرَ عنه فحُرِّمَ على النّاسِ مِن أَجلِ مَسأَلَتِه» رواه مسلم من حديث عامِرِ بنِ سَعدٍ عن أَبِيه رضي الله عنه.

وعن أَبي هُرَيرةَ رضي الله عنه قالَ: خَطَبَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فقالَ: «أيها النّاسُ، قد فَرَضَ اللهُ عليكم الحَجَّ فحُجُّوا»، فقالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسَكَتَ حتى قالَها ثَلاثًا، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لو قُلتُ نعم لَوَجَبَت ولَما استَطَعتم»، ثُم قالَ: «ذَرُونِي ما تَرَكتُكم؛ فإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبلَكم بكَثرةِ سُؤالِهم واختِلافِهم على أَنبِيائِهم، فإذا أَمَرتُكم بشَيءٍ فَأتُوا مِنه ما استَطَعتم وإذا نَهَيتُكم عن شَيءٍ فدَعُوهُ» متفق عليه.

قال العلامة المُناوي في “فَيض القدير شرح الجامع الصغير”: [أي اتركوني من السؤال مدةَ تَركِي إياكم، فلا تتعرضوا لي بكثرة البحث عما لا يَعنِيكم في دِينكم مهما أنا تاركُكم لا أقول لكم شيئًا؛ فقد يوافق ذلك إلزامًا وتشديدًا، وخذوا بظاهر ما أمرتكم ولا تستكشفوا كما فعل أهل الكتاب، ولا تُكثِرُوا من الاستقصاء فيما هو مبيَّن بوجه ظاهر وإن صلح لغيره؛ لإمكان أن يكثر الجواب المرتب عليه فيُضاهِي قصةَ بني إسرائيل؛ شَدَّدُوا فشُدِّد عليهم، فخاف وقوعَ ذلك بأُمته صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

على أن الدعاء في الجمع أرجى للقبول وأيقظُ للقلب وأجمعُ للهمة وأَدعى للتضرع والذلة بين يدي الله تعالى، خاصة إذا كانت هناك موعظة؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَدُ اللهِ مع الجَماعةِ» رواه الترمذي وحسَّنه والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

رابعًا: وأما استقبال القبلة في الدعاء للميت عند قبره فالأمر فيه أيضًا واسع: وللعلماء فيه مَسلَكان؛ فمنهم مَن يَرى التمسكَ بعموم الأدلة الدالّة على استحباب استقبال القبلة عند الدعاء، ومنهم مَن يَرى أن المستحب في الدعاء للميت أن يكون وجه الداعي إلى وجه الميت؛ مستدلين بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السَّلامُ عليكم يا أَهلَ القُبُورِ، يَغفِرُ اللهُ لنا ولكم، أنتم سَلَفُنا ونحن بالأَثَرِ» رواه الترمذي وقال: حسن غريب، والضياءُ المَقدِسِيُّ في الأحاديث المختارة. قال العلامة القاري في “المِرقاة”: [فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهُه لوجه الميت، وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضًا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافًا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه حالة الدعاء يستقبل القبلةَ كما علم من الأحاديث في مطلق الدعاء انتهى. وفيه أن كثيرًا من مواضع الدعاء وقع استقباله عليه الصلاة والسلام للقبلة منها ما نحن فيه، ومنها حالة الطواف والسعي، ودخول الميت وخروجه، وحال الأكل والشرب، وعيادة المريض، وأمثال ذلك، فيتعين أن يقتصر الاستقبال وعدمه على المورد إن وجد، وإلا فخير المجالس ما استقبل القبلة كما ورد به الخبر]اهـ.

وما دام الأمر خلافيًّا فلا ينبغي التشدد فيه، والقاعدة الشرعية: أنه لا يُنكَر المختلف فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه، والصواب في ذلك تركُ الناس على سَجاياهم؛ فمَن شاء أن يتجه إلى القبلة فله ذلك، ومَن شاء أن يجعل وجهه قِبَل وجه الميت أخذًا بظاهر الحديث وتأدُّبًا مع الميت خاصة إن كان من أولياء الله تعالى فله ذلك، بل هو أولى عندئذٍ، ولا يُنكِر هذا على هذا، ولا هذا على هذا؛ فإن العبرة في الدعاء حيث يجد المسلمُ قلبه، والتنازع في مثل هذا المقام يُضعِف الهمّةَ في الدعاء وحُسنَ التوجهِ إلى الله تعالى.

أما في زيارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فمن الأدب معه عليه الصلاة والسلام ألا يوليه المسلمُ ظهره، بل يدعو مستقبلاً النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلِّمًا عليه مستشفعًا به إلى الله تعالى، ولَمّا سأل الخليفة أبو جعفر المنصور الإمام مالكًا عن الدعاء عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أستقبل القبلةَ وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: “ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة! بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله، قال الله تعالى: ?ولو أَنَّهم إذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهم جاءُوكَ فاستَغفَرُوا اللهَ واستَغفَرَ لهم الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَّحِيمًا? [النساء:64].