المرأة إذا مات زوجها يقال لها أرملة ما دامت لم تتزوج بعد، والترمُّل فترة شديدة على المرأة، بل وعلى أهلها، فهي قد فقدت زوجها الذي كان يعولها ويساعدها على الإحساس ببهجة الحياة، وقد تستمر على هذه الحال فلا يرغب أحد في زواجها وبخاصة إذا كانت لها أطفال من الزوج الأول، وكذلك أهلها يُحسون بالألم لمصيرها حيث لم تكتمل سعادتها في المدة التي قُدِّر لها أن تعيشها.
ولهذا الوضع المُؤْلم للأرملة مظاهر متعددة تختلف باختلاف الشعوب، ذكر الرحالة محمد ثابت في كتبه شيئًا كثيرًا عنها، منها ما رآها بنفسه أو نقلها عن كتب الرحلات التي سبقت.

ففي بعض قبائل الهند كانت الزوجة أو الزوجات يحرقْن أنفسهن مع الزوج حتى لا تصيبهن لعنة الترمل، كما يقضي بذلك الدين البرهمي، ويوجد أيضًا في شعوب (الأنكا) في(بيرو) وفي جُزُر فيجى وبعض جهات الصين يمارس ذلك بخفية، على الرغم من تحريم القوانين له.

ومن لم تَدْفن نفسها مع زوجها تَظل بائسة منبوذة أو تحاول الابتعاد عن الناس؛ لأنها نذير شؤم فتلجأ إلى المعابد والرهبنة وهناك يحلق شعرها وتغطى بالسواد وتخدم رواد المعابد حتى تموت، ويُطلق عليها الآن في بعض البلاد (الغولة)، والهندوس يَعُدون تَرَمُّل المرأة كفارة لما ارتكبته فلا يحل لها الزواج ثانيًا، وقد حارب غاندي ذلك وبخاصة في الأرامل الصغار؛ لأن الزواج عندهم مبكر جدًا.

إن الإسلام لا يفْرض على الأرملة إلا الإحداد بالابتعاد عن الزينة وبعدم الزواج فترة محدودة تسمَّى بالعدة التي تنتهي بوضع الحمل أو انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل. وبعد هذه الفترة تحل لها كل أنواع الزينة في الحدود المشروعة كما يحل لها أن تتزوج.

غير أن بعض الزوجات لا ترغب في الزواج ثانيًا وذلك لبعض العوامل التي منها:
1 ـ امتداد النظرة القديمة التي كانت عند عرب الجاهلية في مُعَايرة الولد بزواج أمه بعد وفاة أبيه، حيث كان يَعِيش من المهر الذي دفعه له زوج أمه، ويأنَف أن يرى رجلاً أجنبيًّا ينام مكان والده.
2 ـ وجود أيتام صغار تعكف على تربيتهم خشية أن يَضيعوا إن تزوجت.
3 ـ شدة حبها لزوجها الأول فلا ترضى بغيره بديلاً.
4 ـ وجود عهد بينها وبين زوجها ألا تتزوج بعده.

ومن الأمثلة لذلك: الرَّباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ، التي قالت: ما كنت لأتخذ حمًا بعد رسول الله ـ ـ(1) ونائلة بنت الفرافصة بن الأحوص زوجة عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ، خطبها معاوية بن أبي سفيان فأبت، وقيل: إنها قالت بعد مقتل عثمان: إني رأيت الحُب يَبْلَى كما يبلى الثوب، وقد خشيت أن يَبْلَى حزن عثمان من قلبي، فكسرت بعض أسنانها بحجر وقالت: والله لا قعد أحد مني مقعد عثمان أبدًا (2)وأم هانئ بنت أبي طالب خطبها النبي ـ ـ فاعتذرت له بأن لها أيتامًا إن قامت بحق النبي عليها خافت أن يضيعوا وإن قامت بحقهم خافت التقصير في حق النبي عليها(3)وامرأة هُدبة بن الخشرم الذى قال لها:
فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا  ** أغم القفا والوجه ليس بأنزعا

فلما قُدِّم للقتل في ثأر غابت عن الناس وجدعت أنفها وشقت شفتيها ثم قالت له: أتراني متزوجة بعدما ترى؟(4) وهجيمة بنت حيى الأوصابية أم الدرداء الصغرى، خطبها معاوية بن أبي سفيان فأبت وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ـ : “المرأة لآخر أزواجها” ولست أريد بأبي الدرداء بديلاً. وهو حديث صحيح رواه الطبراني وأبو يعلى، ولفظه: “أيُّما امرأة تُوفي عنها زوجها فتزوجت فهي لآخر أزواجها” (5) والأمثلة كثيرة.

الحكم: من المعلوم أن الله ـ سبحانه ـ حرم على المسلمين أن يتزوجوا من زوجات النبي ـ ـ كما قال تعالى: (ولا أنْ تَنْحكوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذلكم كان عند الله عظيمًا) (سورة الأحزاب: 53) فهن زوجاته في الدنيا والآخرة، وفي إيذائهن إيذاء له ـ .

أما غيرهن، فإن كان هناك عهد بينها وبين زوجها ألا تتزوج بعده، فيجوز لها أن تمتنع عن الزواج إن لم تَخَفِ الفتنة على نفسها بل يستحب إن كان هناك مبرر، فإن خافت الفتنة لا يجب عليها الالتزام بالعهد ولها أن تتزوج، وقد حدث أن النبي ـ ـ خطب (أم مبشر).
فقالت له: إن زوجي شرطت له ألا أتزوج بعده، فقال لها: “إن هذا لا يَصْلُح” (6) وذلك لأنه شرط ليس في كتاب الله، وفيه تعطيل للنسل، وقد تزوج عمر بن عبد العزيز من أم هشام بنت عبد الله بن عمر التي حلفت لزوجها عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو ألا تتزوج بعده كما أوصاها بذلك وكان يُحبها كثيرًا (7) وإذا كان لها أيتام وخافت ضياعهم لو تزوجت كان لها أن تمتنع عن الزواج، بل يُستحب لها ذلك، فقد روى أن النبي ـ ـ قال: “أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة” وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى “إمرأة’ أيمت من زوجها ذات منصب وجمال، وحبست نفسها على يتامى لها حتى بانوا أو ماتوا” يعني حتى انفصلوا عنها واستغنوا عن كفالتها لهم أو حتى ماتوا. رواه أبو داود.

وقد قال ـ ـ لما أبدت له أم هانئ عُذرها بوجود الأيتام “خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات يده” رواه مسلم (8).

كما يجوز لها ألا تتزوج بعده لتكون زوجته في الجنة كما تقدم عن أم الدرداء وكذلك فعلت زوجة حذيفة، لكن امتناع المرأة عن الزواج، لشدة حبها للزوج الأول قد يُستساغ إذا كانت كبيرة في السن آمنة على نفسها من الفتنة، لكن لو كانت شابة فخيرٌ لها أن تتزوج بعد خمود حرارة الحب، وهي لابد خامدة بطول الزمن، وبخاصة إذا خافت الفتنة على نفسها، وكان أبو سلمة حكيمًا حين أوصى زوجته أم سلمة أن تتزوج بعده، وكانت تريد ألا تتزوج معتقدة أنه لا يوجد مثل أبي سلمة، وقد وجدت أفضل منه وهو النبي ـ .

إن الإسلام يُساير الطبيعة البشرية في إباحة زواج الأرملة، ويُوافق المعقول في تحقيق المصلحة العامة، وهو ما لجأتْ إليه الأمم الحديثة بعد أن عَرَفَتْ صلاحيته.

وقد يحدث امتناع بعض كُبْرَيات النساء أن يتزوجن بعد وفاة أزواجهن ذوي المراكز المرموقة، تشبُّهًا بنساء النبي ـ ـ وهو تشبه باطل، أو قياس مع الفارق كما يُقال، ولعله مأخوذ من المأثور عن بعض السلف من الامتناع عن تزوُّج نساء كبار الصحابة تعظيمًا لقدرهم، وذكرًا لمآثرهم عليهم وعلى الإسلام، فهم يعدونهم كآبائهم، ولا يجوز نكاح ما نكح آباؤهم من النساء.

ومهما يكن من شيء فإن الظروف لها حكمها، وتمسك المرأة بدينها أو تهاونها فيه لابد أن يؤخذ في الاعتبار، والمهم كله أن نحافظ على شرف المرأة، وأن نقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ما دام ذلك لا يتخطى حدود الشرع، وكل واحدة من النساء لها حكم يُغاير حكم الأخرى، فلا يجوز أن يُتخذ ذلك عرفًا أو تقليدًا عامًا، فالطبيعة قوية والشرع حكيم، وضع مقاييس دقيقة للسلوك، وأحكامًا عادلة لحل المشكلات، والخير كله في اتباع هدى الله، كما قال تعالى: (فمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (سورة طه:123)، وقال: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ( سورة النور: 54)

الهوامش:
(1) أبو الشهداء الحسين بن علي للعقاد ص54.
(2) العقد الفريد لابن عبد ربه الطبعة الأولى ج 3 ص 194.
(3) مسلم بشرح النووي ج 16 ص 80، العقد الفريد ج 3، ص 194.
(4) محاضرات الأدباء ج 2 ص 98، والمستطرف ج 1 ص 165.
(5) المطالب العالية ج 2 ص 67 والجامع الصغير.
(6) زاد المعاد ج 4 ص 209، والترغيب ج 3 ص 144.
(7) أعلام النساء لعمر كحالة.
(8) مسلم ج 16 ص 80.