فيما يتعلق بالتطعيم مع احتمال الضرر

فالتطعيم من الأمور الجائزة من حيث الأصل، وهو من باب دفع الضرر قبل وقوعه، والذي يجب على المسلم أن يجتهد في دفعه، سواء قبل حدوثه أو عند حدوثه؛ تطبيقا للقاعدة الفقهية: الضرر يدفع بقدر الإمكان.
والأصل في الأشياء الطهارة، والنجاسة عارضة، وكونه يسبب عقما أو غير ذلك فإننا نحتاج فيه لمراجعة الأطباء، فإن قالوا :إن هذا اللقاح لا ضرر فيه ولا نجاسة ولا خبث، ولا يحمل أي سبب للعقم، وبهذا يسقط دليل من حرَّم.
ومسئولية أولياء الأمور من حكَّام وآباء أن يعملوا على دفع الضرر بسن القوانين والاستجابة لها، ومن يفتي بحرمة تناول اللقاحات إنما يتحمل إثم من يتبع كلامه، والأحرى به أن يرجع عن فتياه إلى الحق، فالحق جدير بالاتباع.

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:

الذي أؤكده ويؤكده معي عدد من العلماء الثقات المشاركين في دورة المجمع الفقهي هو ما يلي:

1ـ أن الواجب على كل مسلم أن يدفع الضرر عن نفسه بقدر ما يمكنه، ولا يلقي بيده إلى التهلكة، أو يقدم على أمر يقتل به نفسه؛ لأن نفسه وديعة عنده من الله لا يجوز أن يفرط فيها. فقد قال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [البقرة: 195]، وقال: (ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كان بكم رحيما) [النساء: 29].
وقد صلى عمرو بن العاص رضي الله عنه بأصحابه في إحدى السرايا، في ليلة باردة من ليالي الشتاء، وقد أصابته الجنابة ولم يغتسل، واكتفى بالتيمم، فشكاه أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كانت الليلة باردة، وتذكرت قول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كان بكم رحيما)
[النساء: 29]!! فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى هذا: أنه أقره على فهمه وعمله. وهذا من السنة التقريرية.

ومن هنا تقررت قاعدة من القواعد الشرعية، أو الفقهية، وهي التي تقول: الضرر يدفع بقدر الإمكان.

وأصل هذه القاعدة مستنبط من الحديث النبوي: “لا ضرر ولا ضرار” الذي رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم، وهو من أحاديث الأربعين النووية الشهيرة.

كما تقررت قاعدة أخرى تقول: دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

2ـ أن على الآباء أن يوفروا لأطفالهم وأولادهم الصغار كل أسباب الحماية والوقاية من الأضرار والآفات والأمراض التي تؤذيهم وتكدر عليهم حياتهم في حاضرهم أو في مستقبلهم، مثل المرض المزمن، بقدر ما يمكنهم ذلك. وهذا داخل في مسئوليتهم عن رعايتهم التي كلفهم الله إياها، ولا يرتاب عاقل أن مرض (شلل الأطفال مثلا) ضرر كبير، وشر مستطير، إذا أصيب به الطفل لازمه طوال حياته، وعاش عمره معوقا يحتاج إلى رعاية خاصة، وعون مستمر، غير ما يسببه له ذلك من أذى نفسي واجتماعي.

فإذا كان في الإمكان تفادي ذلك المرض إلى الأبد، بتناول جرعة من (اللقاح الواقي) فيتقى بها شر ذلك الوباء الخطير: كان على الأب أن يسعى لإعطائها لولده وفلذة كبده، ليجنبه الإصابة بهذا الداء. فإذا تقاعس عن ذلك بغير عذر قاهر: تحمل إثم إضاعة صحة ولده، ومسئولية عذابه طوال مراحل حياته كلها، لأنه راع وهو مسئول عن رعيته، وقد قال عليه الصلاة والسلام: “كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت” رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو، بإسناد حسن. وقال: “إن الله سائل كل راع عمن استرعاه: حفظ أم ضيع؟” رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس.

3ـ أن على أولي الأمر في كل بلد: أن يسنوا من القوانين، ويضعوا من الأنظمة: ما يحافظون به على صحة الناس عامة، والأطفال خاصة، لا من ناحية العلاج فقط، بل من ناحية الوقاية أيضا، فقد قيل: “درهم وقاية غير من قنطار علاج”. وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر: “كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته، ومسئول عن رعيته”.

وقد قال عمر رضي الله عنه: لو هلك جَدْي بشط الفرات لرأيتني مسئولا عنه أمام الله يوم القيامة! فكيف بهلاك أطفال المسلمين دون غيرهم من أطفال العالم جميعا؟

وطاعة ولي الأمر في هذه الحالة واجبة بنصوص القرآن والسنة، لأنها طاعة في المعروف.

4ـ أن الأصل في الأشياء التي خلقها الله للإنسان: الطهارة والحل، لقوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما الأرض جميعا) [البقرة: 29]، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) [لقمان: 20].  ولا تخرج الأشياء من أصل الطهارة إلى النجاسة إلا بيقين، كما لا تخرج من الحل إلى الحرمة إلا بيقين.

والمرجع في إثبات الضرر أو النجاسة في ذلك هو: أهل الخبرة، الذين يرجع إليهم في كل فن. كما قال تعالى: (ولا ينبئك مثل خبير) [فاطر:14]، (فاسأل به خبيرا) [الفرقان: 59] (فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون) [النحل:7].

5ـ أن اللقاح الواقي من شلل الأطفال مثلا يتناوله أطفال العالم كله في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، من كل الأجناس والألوان واللغات والأديان، ومنهم: أطفال المسلمين في أكثر من خمسين دولة تشملها منظمة (المؤتمر الإسلامي) وكان له أثره في وقايتهم من المرض المحذور. ولم يقل أحد في بلدان المسلمين في آسيا أو أفريقيا: أن في هذا اللقاح ما يخالف الإسلام في عقيدته أو شريعته، ولم يعترض عليه عالم في الأزهر، أو في القرويين أو في الحرمين الشريفين، أو في أي بلد مسلم.