ظلم الآباء وقطيعة الأبناء

الواجب على الأب أن يعدل في العطية بين أبنائه، ولكن إذا تجاوز الأب فلم يعدل بينهم في العطية، فليس ذلك سببا في قطيعته وهجره، والله سبحانه وتعالى حين أمر ببر الوالدين والإحسان إليهما جاء الأمر عاما ولم يقيد بإحسانهم وعدلهم، أما تقصير الأب فحسابه على الله (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ).

يقول فضيلة الدكتور أحمد طه ريان -أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر-
أقول لكل أب: احرصوا على توفير الود والمحبة بين أولادكم، ولا تساهموا في زرع البغضاء والشقاق ببعض التصرفات التي يفهم منها تمييز بعض الأبناء أو البنات على البعض، خصوصًا إذا لم يوجد ما يقتضي تخصيص بعضهم بشيء من المال، حرصًا على استمرار معاني الأخوة، ورابطة الدم بينهم، فكما ترجو أن يكونوا لك في البر سواء، فحقق أنت ما ترجوه من غيرك من التسوية في العطاء، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. فإذا وجد ما يقتضي التخصيص، فليوضح هذا لباقي الأبناء تطييبًا للنفوس.

أما حكم الإسلام في مقاطعة الولد لوالده، وهل يحسب هذا من العقوق؟ نقول له: نخشى أن يكون نصيبك من هذه المقاطعة لأقرب الناس إليك، وأرحمهم بك، وأعطفهم عليك، أكبر بكثير من العقوق، فالعقوق وإن كانت عاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة، لكن نخشى أن يكون وضعك كمن وصفهم الله ـ تعالى ـ بقوله: (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون). وهذا وصفٌ وصف الله تعالى به المنافقين؛ بأنهم إن أعطوا من متع الدنيا شيئًا من المال، أو الأرض رضوا عن رسول الله وعن الإسلام، وإن لم يعطوا منها شيئًا، امتلأت قلوبهم حقدًا وبغضًا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللمسلمين والإسلام.

فمن يريد أن يقاطع والده، لأنه لم يكتب له مثلا قيراطًا من الأرض أو لم يجعل له عطية، وإذا كتب له القيراط أو العطية أبقى على وده وحبه لوالده، ولإخوته الذكور والإناث، فأصبح هذا القيراط أو العطية هو المعيار الفاصل بين الحب والود والعرفان بحقوق الأبوة والأخوة وبين إسقاط هذه المعاني كلها ومحوها وحلول الكراهية محلها.

أفلا يتذكر الولد ما بذله الوالد من توفير نفقات المطعم والمسكن والملبس ووسائل التربية الأخرى، فتذهب أدراج الرياح، حيث لا قيمة لها أمام هذا القيراط أو العطايا، وما بذله الوالد من نفقات التعليم في جميع مراحله كل ذلك لا يساوي شيئًا بالنسبة لهذا القيراط أو العطية.

ماذا جرى لأبنائنا وبناتنا يذكرون ما هو أدنى من الماديات، وينسون أو يتناسون ما هو أجل وأخطر وأعظم من معاني العطف والصلة والمرحمة، ينشغلون بقيراط من الأرض في الدنيا قد يذهب ثمنه في عملية جراحية بسيطة، ولا تشغلهم جنة عرضها السموات والأرض، لا يدخلها إلا من كان بارًا بوالديه، محسنًا إليهما، خافضًا لهما جناح الذل من الرحمة، ذاكرًا فضلهما عليه، شاعرًا بالتقصير في حقهما مهما كان عطاؤه لهما، وإلا فمصيره إلى جهنم؟!