حكم إجهاض الأنثى رغبة في الذكور

أولا ما الذي أدراك أيها المسلم أن هذا الحمل أنثى ؟! فهذا مجرد احتمال، وإن كانت الدنيا قد تطورت كثيرا، يبقى الله وحده هو العليم بنوع الجنين علما قاطعا ، فلا تدري لعله يكون ذكرا ، وعلى فرض التأكد أن هذا الحمل أنثى فإن إجهاضه حرام لا يجوز، وفقا لما يراه جمهور الفقهاء ولما استقر عليه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ، حيث يرى الحرمة مطلقا ووجوب نصف عشر الدية على المتسبب في الإجهاض؛ كل ذلك إذا كان من غير سبب يعد عذرًا كما سبق .

وهنا لا عذر في هذا الإجهاض لأنه لا ضرورة تدعو إليه ، ورغبة الزوجين في الذكور دون الإناث ليست مبررا للإجهاض ، بل إنها ذنب تجب التوبة منه ، لأنها عادة جاهلية عابها الله على العرب قبل الإسلام ، وحرمها ، وحذر منها ، وذم من يقتلون البنات وتوعدهم بسوء المصير ( وإذا الموؤدة سئلت ، بأي ذنب قتلت) .
كما ذم أهل الجاهلية على رغبتهم في الذكور دون الإناث ، وعاب عليهم فرحهم بالذكر وحزنهم بالأنثى فقال : ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ! ألا ساء ما يزرون؟؟ ) بلى يارب ساء ما فعلوا من الوزر والإثم .

وذلك لأن كراهة إنجاب الأنثى في حقيقته إنما هو عدم الرضا عن عطاء الله وهبته ، وإظهار السخط على قدر الله ونعمه ، فالذكور هبة من الله يهبها لمن يشاء ، والإناث أيضا هبة من الله يهبها لمن يشاء ، ويهب لمن يشاء الاثنين معا ، ويحرم من يشاء من الاثنين معا ، قال تعالى : ( لله ملك السماوات والأرض ، يخلق ما يشاء ، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، ويجعل من يشاء عقيما ، إنه عليم قدير) أي يعلم ما يصلح لكلٍ من الذكور أو الإناث ، أو الاثنين معا ، أو العقم ، وقادر على أن يرزق أي أحد أي نوع منهما.

يقول الإمام ابن كثير في تفسير هاتين الآيتين الكريمتين :

يخبر تعالى أنه خالق السماوات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه يعطي من يشاء ، ويمنع من يشاء ، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وأنه يخلق ما يشاء “يهب لمن يشاء إناثا” أي يرزقه البنات فقط ، قال البغوي : ومنهم لوط عليه الصلاة والسلام “ويهب لمن يشاء الذكور” أي يرزقه البنين فقط ، قال البغوي : كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لم يولد له أنثى.

” أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ” أي: ويعطي لمن يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى أي من هذا وهذا ، قال البغوي : كمحمد صلى الله عليه وسلم “ويجعل من يشاء عقيما” أي : لا يولد له ، قال البغوي : كيحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام فجعل الناس أربعة أقسام منهم من يعطيه البنات ومنهم من يعطيه البنين ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيما لا نسل له ولا ولد له ” إنه عليم” أي بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام “قدير” أي على من يشاء من تفاوت الناس في ذلك .

وهذا المقام شبيه بقوله تبارك وتعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام “ولنجعله آية للناس” أي دلالة لهم على قدرته تعالى وتقدس ، حيث خلق الله الخلق على أربعة أقسام : فآدم عليه الصلاة والسلام مخلوق من تراب لا من ذكر ولا أنثى ، وحواء عليها السلام مخلوقة من ذكر بلا أنثى ، وسائر الخلق سوى عيسى عليه السلام من ذكر وأنثى ، وعيسى عليه السلام من أنثى بلا ذكر ، فتمت الدلالة بخلق عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ، ولهذا قال تعالى “ولنجعله آية للناس” فهذا المقام في الآباء والمقام الأول في الأبناء وكل منهما أربعة أقسام فسبحان العليم القدير. ( انتهى )

ويقول الدكتور عبد الفتاح إدريس ، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر:
إجهاض الجنين في أي مرحلة من مراحل تخلقه- ابتداءً من مرحلة النطفة إلى مرحلة نفخ الروح- حرام؛ سواء كان إجهاض هذا الجنين لعدم الرغبة فيه، أو لتحديد النسل، أو لتنظيم الأسرة، أو نحو هذا من العلل العليلة.
وذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزق بالبنات والبنين؛ إذ قال الحق سبحانه : “يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا”، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يهب هذه الذرية أيًا كان جنسها، وما علينا إلا الرضا بما وهب الله سبحانه وتعالى، وإلا كنا جاحدين لما أنعم به علينا.

وإذا كان هذا محرمًا فإنه لا تنفع معه دية ولا كفارة ولا نحوهما؛ وذلك لأنها لا تجدي فتيلاً مع ما حرم الله سبحانه. (انتهى)

واعلم أيها المسلم أن كون الجنين ذكرا أو أنثى مرجعه ـ بعد إرادة الله تعالى ـ إلى الرجل وليس المرأة ، لأن الحيوان المنوي هو أصل الجنين ، والرحم أرضه التي ينبت فيها، والبويضة غذاء ينميه ، كما قال تعالى : ( نساؤكم حرث لكم ) والحرث : الأرض ، فكما أن الأرض لا تحدد نوع الرزع ، وإنما ينبت فيها ما يبذره فيها صاحبها من البذر ؛ فكذا المرأة لا دخل لها في تحديد نوع الجنين ، كما قالت العربية قديما ، وأثبته الطب حديثا :

مـا لأبي حـفص لا يأتيـنا….. ويدخل البيت الذي يلينا
غضبان أنا لا نلـد البنـين … تالله مـــا ذلك بــــــأيـدينـا
إن نحن إلا كالأرض لزارعينا … لا ننبت إلا ما يزرع فينـا