جمع المال وضياع الأبناء

من القواعد الفقهية التي ينبني عليها كثير من الأحكام قاعدة (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة) وعلى هذا فإذا كان في السفر فائدة وهي التوسعة على الأهل، فيجب ألا يكون ذلك على حساب الأولاد ورعايتهم، فإذا لم توجد التربة الصالحة التي ينشأ فيها الأولاد نشأة صالحة فيجب على الأب أن يقنع بالقليل من الرزق ليرعى أولاده لأن فسادهم وانحرافهم هو الخسران بعينه في الدنيا والآخرة وفي الحديث (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول).

يقول فضيلة الدكتور محمود عبد الله العكازي -أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر-:
إن حب المال رأس كل خطيئة، وهو لا يساوي شيئًا إذا ضاع الأولاد بسببه، فإن للأبناء على الآباء حقوقًا كثيرة فلهم حق الرعاية والإعداد والتربية وتهيئة المناخ الملائم الذي يساعدهم على التنشئة الصالحة، حتى يشبوا على الطاعة والعبادة والإيمان القائم على الدين الصحيح، والأخلاق العالية الرفيعة، والعلم الذي يؤهلهم على القيام بمسئوليتهم تجاه أهليهم وأمتهم ووطنهم، فإن للتربية دورًا في إعداد الأبناء إعدادًا سليمًا ليكونوا لبنات قوية في بناء صرح المجتمع ونهضته بإذن الله، والأبناء من هذه الناحية هم أهم ثمرات الزواج الموفق القائم على الدين والأخلاق، فهم عماد الأسرة، وزينة الحياة الدنيا، ومن ثم فقد اهتم الإسلام بأمر الأمومة والطفولة، فننصح من يريد الزواج أن يختار الأم الصالحة التي تعين زوجها على أمور دينه، وتقوم بدورها في تربية أبنائها، فدور الأم خطير، ومهمتها سامية، ولا يقل دورها عن دور الأب إن لم يكن أكثر، يقول صلى الله عليه وسلم: “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس”.

ومن حقوق الأبناء على الآباء أن يتخيروا الأم الصالحة، كذلك أن يتخيروا لهم أحب الأسماء إلى نفوسهم، وأن يحسنوا تأديبهم وتربيتهم وتعليمهم وتدريبهم على ما يقوي أجسامهم، والقيام بالإنفاق عليهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بكذا من المال” وقال: “حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا طيبًا” وقال عليه الصلاة والسلام: “كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول” ضياعًا ماديًا بعدم الإنفاق عليه أو ضياعًا معنويًا أن يتركه، ولا يرعاه، ولا يهتم بشأنه وغرس الفضائل في نفسه منذ نعومة أظفاره، من أجل ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: “أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم ولا يتأتى ذلك إلا أن يكونوا تحت رعايته وفي كنفه وتحت سمعه وبصره.

وأما أن يتركهم ويسافر من أجل جمع المال، فتلك هي الطامة الكبرى التي يتردى فيها كثير من الناس الذين يسافرون من أجل توفير المال، ويتركون أولادهم لقرناء السوء، فإن هؤلاء الآباء يخسرون كل شيء، فإن تحصيل المال لا يساوي شيئًا بالنسبة لضياع الأولاد، فهؤلاء الآباء مسئوليتهم خطيرة أمام الله يوم القيامة؛ لأن ترك رعاية الأولاد جناية على الأولاد والدين والأمة والأمن والمجتمع.

فحاذروا أيها الآباء من ترك هذه المسئولية الخطيرة فتكون فتنة في الأرض وفساد كبير، كما أن ترك الزوجة لا يقل خطرًا عن ترك الأولاد فاتقوا الله في أولادكم وزوجاتكم.

أحدث المقالات