حكم استخدام البروجكتر والتقنية الحديثة في خطبة الجمعة:

رغم أن الإسلام لا يتعارض في أحكامه مع ” التطور ” التقني ، والاختراعات الحديثة ، فإن فكرة استخدام خطيب الجمعة وسائل التكنولوجيا الحديثة، مثل الكمبيوتر، وشاشات العرض الكبيرة، و«باور بوينت»، و«فلاش» وغير ذلك ؛ كوسائل إيضاحية في الموضوعات التي تمثل فيها الصورة جانباً مؤثراً، هذه الفكرة اختلف فيها العلماء المعاصرون ، فلاقت رفضاً من بعضهم، مثل الدكتور صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر،والدكتور محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف المصري الأسبق، والشيخ محمد صالح المنجد ؛ من علماء السعودية، حيث رأوا أن ذلك يخل بالخشوع؛ ويدخل في اللغو المخل بالجمعة ؛ كما أن فيه إسراف . وأن هذه الفكرة غريبة عن منهج الإسلام، ولا يقبلها خاصة في مجال العبادات ؛ مؤكدين أن الخُطبة لها آداب لا يمكن الخروج عنها، مقترحين أن تظل الخطبة على وضعها، وأن تتم الاستفادة من تلك الوسائل فيما يسمى بـ«الدرس» بعد الصلاة .

بينما لاقت هذه الفكرة قبولاً وتشجيعاً من عدد من الفقهاء ، منهم الدكتور محمد المختار المهدي الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية ورئيس الجمعية الشرعية بمصر، والدكتور عبد الله سمك رئيس قسم الأديان بكلية الدعوة جامعة الأزهر، والدكتور محمد فؤاد البرازي رئيس الرابطة الإسلامية في الدنمارك حيث رأوا أن استعمال تلك الوسائل لا يتعارض مع مبادئ الإسلام وتعاليمه، وليس هناك مانع شرعاً من استعمالها ، والأصل في الأمور الإباحة .

أدلة المانعين :

وقد استند المانعون لفكرة استعمال الوسائل الحديثة في خطبة الجمعة إلى عدد من الأدلة، من أهمها:

أولا: أن استعمال مثل هذه الوسائل يتنافى مع الخشوع في الصلاة، وهو من مقاصد الصلاة، كما قال تعالى: ( قّدً أّفًلّحّ پًمٍؤًمٌنٍونّ (1)الَّذٌينّ هٍمً فٌي صّلاتٌهٌمً خّاشٌعٍونّ (2))(المؤمنون)، وعلى هذا فهذه الوسيلة ضررها أكبر من نفعها .

 ثانيا : أن استعمال هذه الوسيلة نوع من الإسراف، وأن الأولى صرف الأموال إلى احتياجات المساجد كالفرش، والتنظيف، والإصلاح، والترميم، فهذا أهم ألف مرة من استخدام وسائل التكنولوجيا التي قد تجعل قبول صلاة الناس في خطر.

 ثالثا: أن مثل هذه الأمور قد تحدث لغواً من خلال توجيه بعض الأسئلة للإمام أثناء الشرح، وقد جاء في السنة أن من لغا فلا صلاة له حتى لو كان يقول لمن بجواره «صهٍ» (وهي كلمة صغيرة)، فما بالنا بمن يدخل في حوار مع الإمام، وقد يحدث خلاف، أو حتى مشادة بين الخطيب وبعض المصلين ولا نضمن رد فعل البعض أثناء الاختلاف؛ مما قد يؤدي إلى إثارة الفتنة التي ينبغي إبعادها عن المساجد على وجه الخصوص؛ ولهذا فإن من يدعو إلى ذلك ينطبق عليه قوله تعالى:( يّدًعٍو لّمّن ضّرٍَهٍ أّقًرّبٍ مٌن نَّفًعٌهٌ لّبٌئًسّ الًمّوًلّى وّلّبٌئًسّ العّشٌيرٍ) (13الحج).

 رابعا : أن السنَّة في خطبة الجمعة أنها تكون قصيرة ، ومن شأن استعمال جهاز العرض فيها أن يطوِّلها، وهو مخالف للهدي النبوي.
قَالَ أَبُو وَائِلٍ : خَطَبَنَا عَمَّارٌ – أي : ابن ياسر – فَأَوْجَزَ ، وَأَبْلَغَ ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ – أي : أطلتَ – ، فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْراً )  رواه مسلم ( 869 ) .

أدلة المجيزين :

واستند المبيحون لاستخدام الوسائل الحديثة في خطبة الجمعة إلى عدد من الأدلة، أهمها:

 أولا : أنه ليست هناك مخالفة شرعية في استخدام تلك الوسائل، وأن خطبة الجمعة كلام شفوي يوجهه الخطيب إلى مستمعيه؛ بهدف استمالتهم والتأثير فيهم وحملهم على ما يراد منهم من العلم والمعرفة، ومن حقه استخدام الوسائل التي يراها تحقق له هذا الهدف، منها الوسائل التكنولوجية، مثل الكمبيوتر وشاشات العرض؛ لأنه لا يوجد شرعاً ما يدل على النهي عن استخدام تلك الوسائل الحديثة.

 ثانيا : أن الأصل في الأمور الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم في الخطابة كان يصور الكلمات بشكل مجسم ومؤثر؛ من التغيير في صوته، ومن الخفض والرفع، واستفهاماته، واستفساراته، واستخدام الصور البيانية المؤثرة؛ بل إنه كان يصحب معه عصاه يتكئ عليها ويمسك بها، وربما أشار بها، وكان في صلاة الاستسقاء يحول ثيابه يميناً ويساراً حتى تبدو الكلمة كأنها إنسان يتحرك أمام الناس.

ثالثا : أن استعمال تلك الوسائل من البدع الحسنة، ودلالة على مرونة الشريعة التي تصلح لكل زمان ومكان، وأن أتباعه لا يعيشون بمعزل عن عصرهم. وأن استعمال تلك الوسائل يدعم خطبة الجمعة، وقد قرر الفقهاء أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وأننا لسنا محصورين في وسائل بعينها.

 رابعا : كما أن هناك من المجتمعات ما يتناسب معها تلك الوسائل الحديثة، وأنها تؤثر أكثر مما يؤثر فيها الكلام المعتاد، وكل هذا مع الالتزام بآداب المسجد.

حكم استخدام البروجكتر والتقنية الحديثة في الدروس :

 وقد اتفق العلماء على جواز استعمال تلك الوسائل الحديثة في الدروس وفي القضايا التي تحتاج لهذا ، والتي يكون فيها حماية للأمة من الأمراض الجسدية، والنفسية، والاجتماعية الخطيرة، مثل الإيدز، والاكتئاب، والانتحار، والإدمان، وغيرها، كما اتفقوا على جواز تقسيم موضوع الخطبة إلى جزأين : الأول شرعي، ويتم تناوله في الخطبة التي يمكن أن تكون في حدود ربع ساعة مثلا، ثم يتم تناول الموضوع بعد الصلاة من الناحية العلمية في الدرس الذي يمكن أن يأخذ فيه الإمام والمصلون وقتاً واسعاً في الحوار، دون أن يكون هناك أي مأخذ شرعي.

صحة الصلاة :

وإذا كان عدد من الفقهاء يمنع استعمال تلك الوسيلة في خطبة الجمعة، فإنهم يرون صحة الصلاة معها، وأنها لا تبطل الصلاة .

 والخلاصة : أن هذا الموضوع يحتاج لدراسته من الهيئات الشرعية والمجامع الفقهية ، وينبغي للخطباء أن لا يستعجلوا في هذه الأمور حتى تصدر فيها التوجيهات والفتاوى والقرارات من المجامع الفقهية؛ حفاظاً على وحدة الكلمة، ومنعاً لمسببات الخلاف .