الميراث كان معروفًا قبل الإسلام في الشرائع الوضعية والأديان السماوية، فقد عَرَفه اليونان والرومان، وكان يُعْطَى لِمَنْ يصلح لرعاية الأسرة وللحروب، وكان للمورِّث أن يختار قبل موْته من يقوم مقامه في هذه المهمة، سواء أكان من أبنائه أم من أقاربه أم من الأجانب، وقُبيل ظهور الإسلام أشركوا المرأة مع الرجل على التساوي في الميراث.

والأمم الشرقية كان الميراث فيها لأرشد الذكور من الأولاد، ثم الإخوة ثم الأعمام، وليس للمرأة نصيبٌ فيه.

والمصريون القدماء كانوا يورِّثونها على التساوي مع الرجل، واليهود كانوا يخصون الولد الذَّكَر بالميراث ويحرمون الأنثى، وإن تعدد الأولاد الذكور وَرِثَ أكبرهم فقط.

جاء في سِفر التكوين “إصحاح 21: 15ـ18” أن الابن البِكْر له نصيبُ اثنين ، فإن لم يكن هناك ذَكَر فالميراث لابن ابنه، وليس لبنته شيءٌ، ويبدو أن ذلك نُسِخَ، ففي سِفر العدد “إصحاح 27:1-11” أن بنات صلحفاد بن حافر طالبن موسى والعازار والكاهن أن يكون لهنَّ نصيبٌ في مُلْك أبيهن، فقدَّم موسى دعواهنَّ أمام الرَّبِّ، وانتهى الأمر إلى إعطائهن من الميراث.

والعرب في الجاهلية كانوا يُورِّثون الذكور فقط، فعندما تُوفي أوْس بن ثابت، وترك امرأته أم كجة وثلاث بنات ـ وفي رواية بنتين ـ وأخاه، قام رجلان هما ابنا عمه، ووصيَّان ـ قتادة وعرفجة ، أو قتادة وعرفطة ـ فأخذا المال وحدهما ، فشكت الأم إلى النبي ـ ـ في مسجد الفضيخ، فقالا: أولادها لا يركبن فرسًا، ولا يحملن كَلًّا، ولا يُنكين عدواً، فنزلت الآية: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء/11] وقيل: نزلت في بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت.

وعلم الفرائض والمواريث في الإسلام يتناول الحديث عنه الأمور الآتية:
1 ـ المعنى والتسمية:

الفرائض جَمْعُ فريضة، بمعنى مفروضة، أي مُقَدَّرة، لما فيها من السهام المقدرة والفرض في اللغة مصدر فَرَضَ أي: قدَّر، قال تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ـ أي قدرتم ـ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة/237]

وفي الشرع : نصيب مُقدَّر شرعًا للوارث.

2 ـ فضل هذا العلم:

1 ـ روى الحاكم وغير عن ابن مسعود مرفوعًا “تعلَّموا الفرائض وعلِّموها للناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن هذا العلم سيُقْبَض وتظهر الفتن حتى يختلف الرجلانِ في الفريضة فلا يجدان من يفصُل بينهما” صحَّحه الحاكم وحسَّنه الآخرون.
2 ـ روى ابن ماجه بسند حسن مرفوعًا “تعلَّموا الفرائض فإنها من دينكم، وإنها نصف العلم، وإنه أول عِلْمٍ يُنْزَعُ من أمتي” نبغ فيه زيد ابن ثابت ، كان سِنه يوم مقدِم النبي إلى المدينة 15 سنة، وتُوفي سنة 45، أو 54، أو 55هـ وقال عُمر: من يسأل عن الفرائض فليأت زيدَ بن ثابت: (ابن خلدون لا يحمل هذه النصوص على علم الميراث، فالفرائض اصطلاح للفقهاء)

ومن المؤلفين فيه: المارديني في شرح الرحبية، وابن ثابت ومُختصر القاضي أبى القاسم الحوفي ثم الجعدي من متأخري الأندلس عند المالكية.
3 ـ تاريخه وتدرُّج تشريعه:

أـ كان الميراث في الجاهلية أساسه القدرة على رعاية الأسرة، فحصروه في الرجال دون النساء، وفي الكبار دون الصغار.

ولهم في ترتيب هؤلاء نظام يُقدَّم فيه الأوْلى على غيره كالأبناء على الآباء والإخوة والأعمام، ويدخل في الأبناء المتبنون، وكان التبني معروفًا عندهم إذا عدِم الرجل الأبناء أو أراد الاستكثار منهم.
ب ـ في الإسلام كانت هناك خطوات:
في الابتداء كان أساسه الحِلف والنُّصرة (حتى مع اختلاف الدِّين) ولذلك دخل مع الأهل من كان له مُوالاة، حيث كان الرجل يقول للآخر، أنت وليي ترثني وأرثك، وجاء فيه قوله تعالى: (ولكلٍّ جَعَلْنَا مَوالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (سورة النساء : 33).
ثم نُسخ فكان بالإسلام والهجرة، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (سورة الأنفال : 72) فانقطعت الولاية بين المؤمن المهاجر وغيره، ممن لم يُؤمن ، أو آمن ولم يهاجر، ثم نُسخ ذلك فجعلت الولاية للأقرب (وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ) (سورة الأنفال: 75).

ولم يكن للتوارث نظام مُقَدَّر، فترك للرجل أن يُوزع ماله قبل موته كما يشاء، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتقِينَ) (سورة البقرة : 180) لكنهم كانوا يخصون بعضًا دون بعض، فيخصون الرجال دون النساء، فقال تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْه أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (سورة النساء : 7) لكن لم يبيِّن نصيب كل وارث، فتولَّى الله بنفسه توزيع التَّرِكة بقوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ…) (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ..) (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ..) (سورة النساء : 11، 12، 176) فبيَّن نصيب الأصول والفروع، ثم نصيب الزوجين ، ثم نصيب الإخوة والأخوات.

وراعى في التوزيع جعل حظِّ الذَّكَر مثل حَظِّ الأنثيين إذا كانت هناك مساواة في الدرجة ، ومشاركة في سبب الإرث؛ لأن الأنثى نَفَقَتُها في الأعم الأغلب على غيرها، إن كانت بنتًا أو أُمًّا أو زَوْجَة، وقد يزيد نصيبها على الذَّكَر أو يتساوى عند اختلاف الدرجة، واختلاف سبب الإرث، كالبنت الواحدة مع الإخوة، لها النِّصف، والنصف الباقي يوزع عليهم، ينال كُلًّا أقل من نصيبها وحدها وهو النصف والتساوي بينهما مع التساوي في الدرجة لا يُوجد إلا في الإخوة لأمٍّ فهم جميعًا شُركاء في الثلث بالتساوي، وإن كانت الآية لا تنص على هذه المساواة في الظاهر، لكن الإجماع عليها.

وبعد أن نزلت آية المواريث ، قال النبي ـ ـ “إنَّ الله أعطى كُلَّ ذي حَقٍّ حقه، ألا لا وصيةَ لوارث” رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه وقال: “ألْحِقوا الفرائض بأهلها فما بقيَ فِلأوْلَى رجل ذَكَر” رواه البخاري ومسلم، والنص على الذَّكر مع إمكان الاستغناء عنه بكلمة رجل؛ لمنعهم من إعطاء الكبار دون الصغار ، فالذَّكر يُطلق على الكبير والصغير ، بخلاف الرجل فإنه يُطلق على الكبير فقط.

وقضى الرسول للجَدة السُّدس كما رواه المُغيرة بن شُعبة ومحمد بن مَسْلَمة، وحكم أبو بكر بذلك، وأكَّده عُمر (تاريخ التشريع للخضري ص 123).

4 ـ الفروض مُقَدَّرة:

قال العلماء: دلالة الألفاظ ظنية إلا في العقائد والحدود والفرائض أي: المواريث وأصول الإسلام كالفرائض الخَمْس، فالرُّبع هو الربع والنِّصف هو النصف لا يُراد به غير ذلك. وكذلك الوارثون مُحدودون، ونصيب كلٍّ منهم مُحَدد لا يجوز الخروج عليه بعد عصر الخلفاء بالذات الذين أمر الرسول بالأخذ عنهم “فعَلَيْكُمْ بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين.

وما يُقال اليوم: إن البنت أصبحت كالولد في عصرنا الحاضر من حيث التعليم والتمتع بالحقوق الأخرى واحترام مِلْكيتها وتصرفاتها ومسئولياتها، فيجب التساوي بينهما وتقليد مذهب الشيعة فيه ـ لا أصل له في الدين بعد انتهاء الوحي وإجماع الصحابة، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، على أن البنت سيتولَّى الإنفاق عليها أبوها أو زوجها أو ولدها، والابن هو الذي سينفِق على زوجته وأولاده ووالديه، فحُكْم الله حكيم: (آبَاؤكُمْ وَأَبْنَاؤكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِن اللهِ) (سورة النساء : 11).

5 ـ الإرث له أسباب:

وهي القرابة، كالأبوة والبُنوة والأخوة، والمُصاهرة بين الزوجين، والولاء عند عِتق السيد للعبد، فهو يرثه إن لم تكن هناك قرابة من عَصبة أو رحِم. وكذلك الإسلام.
والإرث له موانع: هي:
1 ـالرِّق.
2 ـ القتل[1]

3 ـ واختلاف الدِّين[2]، والدور الحُكمي أن يلزم من توريث شخص وعدم توريثه، فيما إذا أقرَّ أخ بابن للميت، فيثبت نسب الابن ولا يرث الأخ؛ لحَجْبِه بالابن.

والإرث له شروط: تَحقُّق موت المُورث أو الحُكم به عند القضاء لغيابه مثلاً، وتحقُّق حياة الوارث حال موت المورث، ومعرفة إدلائه للميت بقرابة أو نكاح أو ولاء، ومعرفة الجهة المُقتضية له تفصيلاً.

6 ـ ترتيب الوارثين:

يُقدَّم أصحاب الفروض ثُمَّ العَصبة، ثم مَولى العتاقة، ثم عَصبة مولى العتاقة إذا كان المُعْتق رجلاً. ثم الرد على ذوى الفروض إلاَّ الزوجين إذا انحصر الميراث فيهم ولم يستغرقوا التَّرِكَة، ثم ذوو الأرحام ، ثم مولى الموالاة (أنت مَوْلاي ترثني إذا مت وتَعْقِل عني إن قتلت، فيقول قبلت) وأجازه أبو حنيفة ، ويثبت لقابل الولاء دون العكس، بشرط أن يكون طالب الولاء حُرًا، لا وارث له بنوع من أنواع القرابة… قال تعالى: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (سورة النساء: 33) ولحديث البخاري في ذلك، ومنع ذلك الباقون وهو مذهب زيد.
ثم المُقر له بنسب محمول على الغيْر، ثم الموصى بما زاد على الثلث ثم بيت المال.

7 ـ ما يتعلق بالتَّرِكَة:

الذي يتعلق بها خمسة حقوق مُرتبة على الوجه الآتي:
1ـ كلُّ دَيْن متعلق بعين من أعيان المال، مثل العين المرهونة من ماله، فإن حق المرتهن فيها مُقَدَّم على تجهيز الميت وتكفينه.
2 ـ تكفنيه وتجهيزه إلى أن يُدْفن.
3 ـ كل دَيْنٍ لا يتعلق بعين من أعيان التَّرِكَة.
4 ـ تنفيذ الوصايا الشرعية ، فإن كانت لبعض الورثة لا تُنَفَّذ إلا بموافقة بقية الورثة، وإن كانت لغيره جازت في حدود الثُّلُث (بعد كلِّ ديونه) بغير حاجة إلى إجازتهم، وإن زادت نُفِذَّت قهرًا في الثُّلث، وتوقَّفَت فيما زاد على إجازة الورثة.
5 ـ تَقْسِيم التَّرِكَة (في قانون المواريث أولاً مُؤن التجهيز، وثانيًا ديون الميت).
قَدَّم الدَّيْن عَلَى الوصية مع أن القرآن قدَّمها؛ لأن النص ورد بذلك في حديث علي: رأيت رسول الله ـ ـ بدأ بالدَّيْن قبل الوصية، ولأن الدَّيْن فرض يُجْبر المدين عليه ويُحْبس من أجله، والوصية تبرُّع وتطوع وهو متأخر عن الفرض وقدَّمها للحث عليها ، والوصية الواجبة مُقَدَّمة على تقسيم التركة، وقال به جابر بن زيد وقتادة وابن حَزْم “انظر الأولويات في فتاوى الشيخ جاد الحق ج 5 ص 296.


[1] لحديث “ليس للقاتل من تَرِكَة المقتول شيء” صححه ابن عبد البر وغيره

[2] لحديث الصحيحين فيه، وقد أجازه بعض الصحابة والتابعين، ومن الموانع الردة، فالمرتد لا يرث أحدًا من المسلمين ولا من غيرهم، ولا يرثه أحد عند الشافعية والمالكية، وذهب أبو حنيفة إلى أن ماله الذي كسبه قبل الرِّدة يُورث، وما كسبه بعدها يُعد فيئا للمسلمين، أما المرأة المرتدة فكل ما تركته يورث، سواء كسبته قبل الردة أو بعدها .