الفروق بين الرسالات السماوية

مصدر الشرائع السماوية واحد،فالشرائع السماوية كلها من عند الله تعالى،وهي بطبيعتها ليس بينها اختلاف أوتناقض ،فهي كلهاتدعو إلى توحيد الله تعالى ،وهذا هو المقصود الأعظم من هذه الرسالات ، ولما سمع النجاشي آيات من سورة مريم من جعفر بن أبي طالب في الحبشة ،قرر أن هذا القرآن وما جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحد ،فالأصل واحد ،ولكن بعيدًا عن تحريف اليهود والنصارى لرسالاتهم،فالاختلاف يكون في فروع الأحكام التكليفية.
يقول الشيخ عبدالله صديق الغماري من علماء الأزهر:

قال الله تعالى: (شَرَعَ لكم مِن الدينِ ما وَصَّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصَّيْنا به إبراهيمَ وموسى وعيسى أن أقيموا الدينَ ولا تَتَفَرَّقوا فيه) وقال صلى الله عليه وسلم: “الأنبياءُ إخوَةٌ لعَلَّاتٍ: دِينُهم واحِدٌ، وأُمَّهاتُهم شَتَّى”. من هذين النصين يُعلم أن جميع الأديان التي أنزلها الله منذ عهد آدم إلى عهد النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ متفقة على أصل واحد وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة، فاليهودية والمسيحية قبل أن يدخلَهما التحريف متفقان مع الإسلام في الأصل المذكور.

وإنما الخلاف فيما عدا ذلك من الأحكام الفرعية مثل الصلاة، فإن المفروض على اليهود والنصارى صلاتان، واحدة في الصباح وواحدة في المساء، والمفروض في الإسلام خمسُ صلوات كما هو معلوم، ومثل التيمم عند فقد الماء، لم يكن مشروعًا عند اليهود ولا النصارى وإنما شُرِعَ في الإسلام خاصة، وكانت بنت الأخت حلالاً للخال أن يتزوجَها في دين اليهود، ثم حَرَّمَها الله في الإسلام، وكذلك حَرَّمَ الله على اليهود بعضَ المأكولات التي أشار إليها في قوله تعالى: (وعلى الذين هادُوا حَرَّمْنا كلَّ ذي ظُفُرٍ ومِن البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عليهم شحومَهما إلا ما حَمَلَتْ ظهورُهما أو الحَوَايَا أو ما اخْتَلَطَ بعَظْمٍ ذلك جَزَيْنَاهم ببَغْيِهم وإنَّا لصادقون).

والخلاصة أن الدين من حيث هو يَشتمل على شيئين:

الأول: الأصول. وهي توحيد الله، والإيمان بملائكته وأنبيائه ورسله وبالبعث بعد الموت وبالجنة والنار، فهذه الأصول تَتفق فيها اليهودية والمسيحية والإسلام كسائر الأديان السماوية منذ عهد آدم.

الثاني: الفروع. وهي الأحكام التي تَتعلق بالشخص في نفسه أو معاملته مع أهله ومع سائر الناس، كالصلاة والصيام والنِّكاح والطلاق ونحو ذلك، وهذه تختلف الأديان فيها، إذ يُنْزِل الله لكل أمة من الأحكام ما تتفق وبيئتَها وهيئتَها الاجتماعية، وإلى هذا أشار الله بقوله: (لكلٍّ جَعَلْنا مِنْكم شِرْعَةً ومِنْهاجًا).