لا حرج على المسلم أن يطلب الغنى ويسعى إليه، فالغنى في نظر الإسلام ليس جريمة ولا رذيلة، والمال ليس شرًا، ولم يرد في الإسلام ما ورد في المسيحية: إن الغني لا يدخل ملكوت السموات حتى يلج الجمل في سم الخياط.
بل امتن الله تعالى على رسوله فقال تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ ). (الضحي: 8).
وكان من دعاء النبي – صلي الله عليه وسلم- : “اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعَفافَ والغِنى”. (رواه مسلم في باب الذكر 4 / 2721 كما جاء في الترمذي وابن ماجة ومسند أحمد بن حنبل)
وروي عن سعد بن أبي وقاص: “إنَّ اللَّهَ يحبُّ العبدَ التَّقيَّ الغنيَّ الخفيَّ”. (رواه مسلم في باب الزهد جـ4 (92265) وابن حبان جـ1 / 168).
وقال لعمرو بن العاص: “نعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ”. (البخاري، والحاكم ).
فتنة المال؟
1ـ أن المال – وإن لم يكن شرًا – فهو فتنة يخشى منها، وقد قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: 15). وخصوصًا إذا رأى صاحب المال أنه استغنى بماله عمن سواه قال تعالى: ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ) (العلق: 6،7)
2 ـ أن الغنى المادي ليس هو كل شيء، فقد يملك الإنسان الملايين وهو فقير النفس. وفي الحديث الصحيح: “ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَضِ ولَكنَّ الغِنى غنى النَّفسِ”. (البخاري 8/ 118 ومسلم: الزكاة ب.4 (120) وغيرهما) .
ويروى عن علي بن أبي طالب: يعز غني النفس إن قل ماله ويغني غني المال وهو ذليل!
والحكمة تقول: قليل يكفيك خير من كثير يلهيك.
3 ـ أن بعض الناس يزعم في نفسه، أو يزعم للناس، بل قد يعاهد الله، أنه حين يحصل على الغنى سيفعل ويفعل. ولكنه عندما تتحقق أمنيته ينكث بعهده، وينكص عن وعده، وهذا شأن المنافقين الذين حدثنا الله عن نموذج منهم في سورة التوبة فقال: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) (التوبة: 75، 76). والمسلم يحذر أن يصيبه رذاذ من النفاق ويسأل الله البراءة منه.
4 ـ أن خطر الحرص على الغنى قد يجعل الإنسان يستعجله قبل أوانه. وأحكام الله القدرية والشرعية: أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
كما أن شدة الحرص قد تجعله يفرط أو يتساهل فيما لابد منه شرعًا. والذي لابد منه أن تراعى شروط اكتساب المال، وشروط تنميته، وشروط إنفاقه. فمن الواجب المؤكد أن يكتسب من حله، وأن ينفق في حقه، وألا يبخل به عن حقه. ومراعاة هذا كله من أصعب ما يكون على النفس.
هل يجوز أخذ قرض ربوي للتجارة؟
في ضوء هذه الحقائق نقول لمن يريد أن يبدأ حياته الاقتصادية بالدخول في الفوائد، التي أجمعت المجامع العلمية الإسلامية على أنها هي الربا الحرام.
ولكنه يبيح ذلك لنفسه بدعوى أنه شر لابد منه، وأنه مضطر إلى ذلك. ليصل إلى المستوى الذي رسمه لنفسه، فهو يعتبر ذلك (ضرورة) تجيز له التعامل بالربا أخذًا وعطاء فهل صحيح أن هذه حالة ضرورة؟
معنى الضرورة؟
تنبيه لابد منه حول دعوى الضرورة:
إن هناك قاعدة لا خلاف عليها، وهي: أن للضرورات أحكامها المقررة شرعًا، وكما أباحت الضرورة للأفراد أن يأكلوا الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة، كما صرح بذلك القرآن الكريم فإنه قيدها بأن يكون غير باغ ولا عاد قال تعالى:(فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (المائدة: 3
وقال تعالى:( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (البقرة: 173)
ومن هنا قرر الفقهاء قاعدة أخرى مكملة، وهي أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها وإلا كان باغيًا أو عاديًا.
وبعد ذلك هناك أمور ثلاثة لابد من رعايتها:
الأول:أن تتحقق الضرورة بالفعل، ولا يكون ذلك مجرد دعوى لاستحلال الحرام الصريح، ولذلك شواهده ودلائله عند أهل العلم والبصيرة، ويسأل في ذلك عدول أهل الذكر والخبرة في شئون المال والاقتصاد، ممن لا يتبعون الهوى، ولا يبيعون الآخرة بالأولى.
الثاني:أن تغلق أمام المضطر أبواب الحلال كلها مع محاولة طرقها، وألا توجد بدائل شرعية تسد الحاجة، ويمكن الاستفادة منها للخروج من حد الضرورة وضغطها القاهر، فأما إذا وجدت البدائل، وفتح باب للحلال، فلا يجوز اللجوء إلى الحرام بحال.
الثالث: ألا يصبح المباح للضرورة، أصلاً وقاعدة، بل هو استثناء مؤقت، يزول بزوال الضرورة. ولهذا أضاف العلماء إلى قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” قاعدة أخرى مكملة وضابطة لها، وهي التي تقول: “ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها. وهي مأخوذة من قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) ومن تجاوز حد الضرورة زمانًا أو مقدارًا، فقد بغى وتعدى.
إن خيرًا للمسلم الطموح أن يسلك سبيل التدرج، وهو سنة من سنن الله في الكون والشرع، وأن يصعد السلم من أوله درجة درجة، ولا يقفز على الواقع، ويحاول أن يطوي المراحل كلها في خطوة واحدة، فقد لا يوصله ذلك إلا إلى خسارة الدين، وضياع الدنيا معًا.