يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
كتاب الله تبارك وتعالى القرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وأما المصدر الثاني فهو السنة النبوية، وهي ما أُثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
فالسنة النبوية شارحة لكتاب الله مبينة له، والله سبحانه وتعالى قد أوجب على المسلمين طاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة من كتابه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
فأمر سبحانه وتعالى بطاعته، وعطف بطاعة رسوله ﷺ طاعة مطلقة من غير تقييد، فقال عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )النساء/59 ، ثم قال: ( وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ )، ولم يقل وأطيعوا وأولي الأمر منكم، وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما عطف.
وهذا كما قال أهل التفسير لأن طاعة أولي الأمر من الأمراء والعلماء مقيدة بطاعة الله ورسوله، فالطاعة لهم فيما وافقوا فيه طاعة الله وطاعة رسوله.
-وطاعة الرسول ﷺ فهي مطلقة، لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى.
وقد بَرَّأَ الله سبحانه وتعالى النبي ﷺ فبَرَّأَ منطقه، وبَرَّأَ كلامه من الخطأ، وبَرَّأَ كلامه من الزلل، عصمه ﷺ من الخطأ في التشريع، قال عز وجل: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ )النجم/1-4.
“مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ”، نزّهه سبحانه وتعالى عن الضلالة التي سببها الجهالة، ونزّهه عن الغواية لأن الغواية انحراف مع العلم، بعد أن تأتيك الآية وتعرف الدليل تتركها عمداً.
-هذا سبيل المغضوب عليهم ومن شابههم من اليهود الذين عرفوا الحق فكتموه، عرفوا الحق فعملوا بخلافه.
-أما النصارى فهم ضالون لأنهم عبدوا الله على جهل.
-نزّه الله تعالى نبيه عن الضلالة وعن الغواية، ثم زكّى منطقه فقال: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ”.
هل السنة مكمة للقرآن؟
السنة النبوية وحي من عند الله، فمن ردّ حديث رسول الله فقد ردّ وحي الله سبحانه وتعالى.
فجبريل عليه الصلاة والسلام كان ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام بالآيات، وينزل عليه بالأحاديث النبوية، فإن النبي عليه الصلاة والسلام في مواضع كثيرة يسأله أصحابه عن مسألة فيسكت ﷺ منتظراً الوحي، ثم يوحى إليه بالجواب فيتكلم بما أوحى الله تعالى إليه.
وهذا كثير في الأحاديث النبوية لا مجال لتفصيلها.
ولهذا السنة النبوية تشرح وتبين كلام الله سبحانه وتعالى، وهذه إحدى وظائف الرسول ﷺ. قال عز وجل: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )النحل/44. وأنزلنا إليك الذكر أي(القرآن) لتبين للناس، وأيضاً من الذكر السنة فإن فيها البيان، فإن فيها الشرح الوافي والتفصيل لما أجمله الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم.
فالله تبارك وتعالى قال في كتابه: ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ )البقرة/43.
-هل أعلمك الله عز وجل في كتابه كم تصلي الصبح؟
-كم تصلي الظهر؟
-كم تصلي العصر؟
-كم تصلي المغرب؟
-كيف تصلي العشاء والجمعة؟
-من أين أخذت ذلك؟ من أين أخذت هذا كله؟ أخذته من هدي النبي ﷺ ومن قوله وفعله.
-هل أعلمك الله عز وجل أنك إذا صليت وكبّرت ابتدأت بقراءة الفاتحة ثم بقراءة سورة، ثم تكبّر فتركع فتسبّح الله العظيم، ثم ترفع ثم تسجد سجدتين وتفعل ذلك في كل ركعة؟ تفصيل هذا عن النبي ﷺ.
-الله سبحانه وتعالى قال: “وآتوا الزكاة”، كم مقادير الزكاة؟ ما هي أنصبة الزكاة؟
جاء رجل إلى عمران بن حصين والحديث في البخاري، وعمران بن حصين رضي الله عنهما من صحابة رسول الله وأبوه صحابي أيضاً، كان يحدث بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له رجل: دعنا من هذا وحدثنا بالقرآن. فغضب عمران رضي الله عنه وقال: هذا رجل أحمق! أين يجد في كتاب الله أن صلاة الظهر كذا وأن صلاة العصر كذا وأخذ يعدد الصلوات؟ وأين يجد في كتاب الله أن في كل أربعين شاة شاة، وأن في كذا وكذا وأخذ يعدد مقادير الزكاة؟
هذه العبادات أصول مذكورة في القرآن، ولكن تفصيل ذلك راجع إلى هدي النبي ﷺ وإلى عمله وقوله وسنته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
الأمر بطاعة النبي والحذر من مخالفته؟
–حذّر الله هذه الأمة من معصية نبيها عليه الصلاة والسلام ومخالفة أمره، وذلك لأن من خالف أمر الرسول فقد خالف أمر الله، لأن الله تعالى جعل طاعته بمنزلة طاعته، فقال عز وجل: ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا )النساء/80. من تولى-من أعرَض، من أدبَر-.
الله هو الذي يحاسب، الله هو الذي يحفظ الأعمال، فيلقاها العبد يوم القيامة في صحيفته. الله عز وجل هو الحسيب الرقيب، أما من أطاعك فقد أطاع الله.
–وحذّر سبحانه من مخالفة أمره فقال: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ )-الكلام عن الرسول ﷺ- فالآيات السابقة تحذر المؤمنين إذا كانوا مع الرسول ﷺ في أمر جامع، إذا اجتمعوا مع الرسول في غزوة، في خطبة، في درس، في مجمع، لا يحل لأحد منهم أن ينصرف إلا أن يستأذن الرسول ﷺ.
ثم يقول الله عز وجل: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )النور/63. تواعد! الله يتواعد من عصى الرسول عليه الصلاة والسلام أن تصيبه فتنة، فتنة في دينه، فتنة في نفسه، فتنة في ماله، في ولده، في بيته بمصعصية الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنما أرسل الله تعالى رسوله ليُطاع. ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )النور/51.
-لا تقول سمعنا وعصينا يا رسول الله! إنما سمعنا وأطعنا هي علامة المؤمنين، علامة المؤمن أنه يطيع الله ويطيع الرسول ﷺ، فلا يخالف أمره ولا يدبر عن حديثه ولا يتولى عن سنته، بل يعتصم بها. ( وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )آل عمران/101.
-حذّر الله تبارك وتعالى من مخالفة أمره وأمر رسوله ﷺ، وجعل مخالفة الرسول والصدود عن التحاكم إلى كلامه وكلام الله، جعل ذلك من علامات المنافقين، جعله من علامات أهل النفاق الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفران.
قال سبحانه وتعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا )النساء/60 -ثم قال تعالى-: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا )النساء/61 أي إلى ما أنزل الله في كتابه وإلى الرسول يعني كلامه وسنته.
( فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ )النساء/62. مصيبة تصيبهم في الدنيا بلاء، عذاب، فتنة، شر، انحراف، إلحاد بسبب الإعراض عن كلام الرسول ﷺ وسنته.
شبهات ترك العمل بالأحاديث؟
قد يقول قائل: هناك أحاديث ضعيفة وهناك أحاديث لا تثبت، فكيف نأخذ بالسنة؟
نقول: إن تمييز صحيح السنة عن ضعيفها ومكذوبها أمر يسّره الله.
فالله تبارك وتعالى قد قيّض العلماء والجهابذة من أهل الحديث فميزوا حديث الرسول ﷺ الصحيح الذي لا مطعن فيه ولا شبهة ولا شك عما كُذِب عليه من أعداء الإسلام.
فإن أعداء الإسلام لما أعجزهم القرآن ما وجدوا حيلة أن يحرفوا كتاب الله وأن يزيدوا فيه، لجأوا إلى السنة فافتروا على رسول الله ﷺ الأحاديث المكذوبة.
ولكن تمييز الصحيح من السقيم والضعيف والمكذوب ليس بالأمر العسير، ولذلك قال العلماء إن قول الله تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )الحجر/9، تدخل فيه سنة النبي ﷺ.
-فلو ضاع العمل بالسنة كيف نصلي؟
-وكيف نزكي؟
-وكيف نصوم؟
-وكيف نحج ونعتمر؟
-وكيف نعبد الله عز وجل والمبيّن عن الله هو رسول الله ﷺ، الذي بين لنا ديننا وأوضح لنا شريعته وفسر لنا القرآن وأوضح لنا بأتم اللغة والبيان دين الله سبحانه وتعالى؟
فلا يعرض عن السنة إلا ملحد، لا يعرض عن السنة إلا كل ملحد بعيد عن الفهم السليم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.