يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

إن من أركان الإيمان بالله الإيمان بملائكة الله تبارك وتعالى، كما قال الله عز وجل: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ )البقرة/285.

والإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان بوجودهم، وأن الله سبحانه وتعالى خلقهم… خلقهم لعبادته، جاء في الحديث أن الله تبارك وتعالى خلقهم من النور، فمادة خلقهم هي النور. وأن الله سبحانه وتعالى خلقهم لعبادته كما قال عز وجل: ( عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ )الأنبياء/26.

وأن لهم أعمالًا في الخلق متنوعة جاءت في القرآن وفي السنة، ومن أعمالهم التي ذكرها الله تبارك وتعالى لنا في كتابه أنهم يستغفرون للذين آمنوا، ويدعون لهم بالرحمة ودخول الجنة، قال عز وجل: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )غافر/7-9.

الذين يحملون العرش وهم أعظم الملائكة خلقًا، جاء في الحديث أن المَلَك من ملائكة العرش حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة خمسمائة للطير. يحملون العرش ويستغفرون للذين آمنوا، وكذلك الملائكة يستغفرون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا سبيل الله عز وجل وأنابوا.

الأعمال التي تستوجب صلاة الملائكة واستغفارهم؟

جاءت في السنة أعمال صالحة كثيرة يستغفر فيها الملائكة لأصحابها، ومنها:
1- طلب العلم الشرعي: صلاتهم واستغفارهم على طالب العلم الشرعي، على طالب علم القرآن والحديث والسنة النبوية المباركة، ومعرفة الحلال والحرام، يقول كما في حديث أحمد والسنن: “إن الله وملائكته يصلون على طالب العلم”. إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها حتى الحيتان في البحر ليصلون على طالب العلم، أو ليستغفرون لطالب العلم.
وجاء في حديث الترمذي عن النبي : “مَن سَلَكَ طَريقًا يَطلُبُ فيه عِلمًا، سَلَكَ اللهُ به طَريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ المَلائكةَ تَضَعُ أجنِحَتَها لطالِبِ العِلْمِ رِضًا بما يَصنَعُ”، تضع أجنحتها؛ قيل أنها إذا رأت طالب العلم من القرآن والسنة، وقفت وكفت عن الطيران ووضعت أجنحتها احترامًا له حتى يمر، وقيل أنها تسهل عليه فإذا مشى يسرت له ذلك. وكيف يضيع المسلم مثل هذا الفضل العظيم، فلا يحرص على مجالس العلم، ولا على طلبه لعلم القرآن والسنة؟

2- انتظار الصلاة والبقاء في المصلى: أن الملائكة تصلي على من ينتظر الصلاة، وعلى من يصلي فيبقى في مجلسه الذي صلى فيه، يقول :” إنَّ الملائكةَ تصلي على أحدكم ما دامَ في مصلَّاهُ اللهم اغفِرْ لهُ اللهم ارحَمْه ما لم يُحْدِثْ”البخاري،أبوداود،النسائي.

وجاء أيضًا في الحديث الآخر: “المَلائِكةُ تُصَلِّي على أحَدِكُم ما دامَ في مُصَلَّاه، ما لم يُحدِثْ: اللهُمَّ اغفِرْ له، اللهُمَّ ارحَمْه، لا يَزالُ أحَدُكُم في صَلاةٍ ما دامَتِ الصَّلاةُ تَحبِسُه، لا يَمنَعُه أن يَنقَلِبَ إلى أهلِه إلَّا الصَّلاةُ”البخاري،مسلم.

3- الصلاة في الصفوف الأولى: ملائكة الرحمن تصلي على من يصلي في الصفوف الأول، الصف الأول تصلي الملائكة، ومعنى صلاة الملائكة دعاؤها له، استغفارها له، طلبها الرحمة له من الله عز وجل، يقول في حديث ابن ماجه: “إنَّ اللَّهَ وملائِكتَهُ يصلُّونَ على الصَّفِّ الأوَّلِ”ابن ماجه،أبو دادود.

وعن العِرباضُ بنُ ساريةَ الأنصاريُّ: “أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَستغفِرُ”، أي: يطلُبُ الغُفرانَ مِن اللهِ تَعالَى، وهو سَتْرُ الذُّنوبِ ومُحوُها، “للصَّفِّ المُقدَّمِ ثلاثًا”، أي: ثلاثَ مَرَّاتٍ، والصَّفُّ المُقدَّمُ هو الصَّفُّ الأوَّلُ والَّذي يَلِي الإمامَ مُباشرةً، “وللثَّاني مَرَّةً”ابن ماجه،أحمد.

وبهذا نعلم خسارة بعض الناس الذي يأتي مبكرًا ويجلس في آخر المسجد ولا يرغب في الصلاة في الصف الأول بغير عذر.

4 – الصلاة على النبي: ملائكة الرحمن تصلي على الذي يصلي على رسول الله ، من صلى على النبي كما ثبت ذلك في الأحاديث الكثيرة، إن الملائكة تصلي عليكم إذا صليتم على نبيكم .

وقد وعد الله عز وجل في الحديث الصحيح: “- مَن صلى عَلَيَّ واحدةً ، صلى اللهُ عليه بها عَشْرًا”مسلم، إذا أنت صليت على النبي صلى الله عليك بها عشرًا، وصلاة الله على نبيه ثناؤه عليه، أن الله يثني على نبيه في الملأ الأعلى، وصلاة الملائكة على نبيها دعاؤها أن يصلي الله عز وجل وأن يثني على نبيه .

5- الإنفاق والصدقة: ملائكة الرحمن يصلون على أهل الإنفاق، على أهل الصدقة، الذين يتصدقون ويصلون الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام في كل يوم، يقول في حديث البخاري ومسلم: “ما مِن يَومٍ يُصبِحُ العِبادُ فيه إلَّا مَلَكانِ يَنزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهما: اللهُمَّ أعطِ مُنفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعطِ مُمسِكًا تَلَفًا”. الملائكة تدعو في كل يوم للجواد، للكريم، الذي ينفق ويتصدق ويصل رحمه ولا يبخل، تدعو له أن يخلف الله عز وجل عليه؛ لأن الله عز وجل وعد بذلك: ( وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )سبأ/39.

إذا كان الإنفاق في وجهه الشرعي من غير إسراف ولا تبذير. وأما البخيل فإن الملائكة تدعو عليه بالتلف في ماله والعياذ بالله، وأعظم البخل؛ البخل عن إخراج الزكاة الواجبة التي هي فريضة الله عز وجل وأحد أركان الإسلام.

6- التسحر للصيام: جاء في الحديث أن: “إنَّ اللَّهَ وملائِكتَه يصلُّونَ على المتسحِّرينَ”ابن حبان، الذين يتسحرون في الصيام، سواء كان صيام نفل أو صيام فرض: إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين الذين قاموا للسحور.

7- عيادة المريض: جاء في الحديث: “مَن عادَ مَريضًا لَم يَزَلْ في خُرفةِ الجَنَّةِ، قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وما خُرفةُ الجَنَّةِ؟ قال: جَناها”أحمد،الترمذي.

وعنه :”من عادَ مريضا خاضَ في الرحمةَ فإذا جلسَ عندهُ استَقْنَع فيها ، فإذا خرج من عندهِ خاضَ في الرحمةَ حتى يرْجِعَ بيته”أحمد.

عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ قال : قالَ رسول الله : “ما مِن رجلٍ يعودُ مريضًا مُمسيًا، إلَّا خرجَ معَهُ سَبعونَ ألفَ ملَكٍ يستَغفرونَ لَهُ حتَّى يُصْبِحَ، وَكانَ لَهُ خريفٌ في الجنَّةِ، ومن أتاهُ مُصبحًا، خرجَ معَهُ سبعونَ ألفَ ملَكٍ يستغفرونَ لَهُ حتَّى يُمْسيَ، وَكانَ لَهُ خَريفٌ في الجنَّةِ”أبو داود،أحمد.

يا الله! ما أعظم هذه الأجور، وما أعظم هذا الفضل.

8- الدعاء للأخ بظهر الغيب: اعلم أن الملائكة تؤمن على دعائك لأخيك بظهر الغيب، إذا دعوت لأخيك… إذا دعوت له بما تريد؛ بالشفاء، بالمغفرة، بالتوبة، بالرحمة، بالرزق، بالتوفيق، بالنصر، فإن الملائكة تؤمن على دعائك وتقول: آمين ولك بمثل.

الأعمال التي تستوجب لعن الملائكة؟

فكما أن الملائكة تدعو لأهل الخير ولأهل الصلاح بالمغفرة والرحمة وتصلي عليه، كما قال الله عز وجل: ( هُوَ الَّذِي يُصلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا )الأحزاب/43.
كذلك أن من أعمال الملائكة أنها تلعن الكافرين، وتلعن المجرمين، وتلعن الملحدين والمفسدين، كما قال الله تبارك وتعالى: ( إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )البقرة/161. الذين كفروا وبقوا على كفرهم وعنادهم حتى خرجت أرواحهم من أجسادهم، فأولئك يلعنهم الله وتلعنهم الملائكة ويلعنهم خلق الله عز وجل؛ لأنهم بلاء وشر وفساد في الأرض والعياذ بالله تعالى.

أيضًا ورد في السنة النبوية بعض الأعمال التي حذر النبي منها؛ لأن الملائكة تلعن من يفعلها، ومن ذلك:

1- رفع السلاح في وجه المسلم: رفع السلاح في وجه المسلم ولو على وجه المزاح، رفع الحديدة أو السكين، بعض الناس يمزح بالسيارة على أخيه، الرسول يقول: “- مَنْ أشارَ إلى أخيهِ بحديدَةٍ ، فإِنَّ الملائِكَةَ تلْعَنُهُ ، وإِنْ كانَ أخاهُ لأبيهِ وأُمِّهِ”مسلم. يحرم على المسلم أن يشير إلى أخيه بالسلاح فإن الشيطان ربما يقع في يده فيقع في حفرة من النار.

2- امتناع المرأة عن فراش زوجها بغير عذر: ورد في الحديث قوله : “إذا دَعا الرَّجُلُ امرَأتَه إلى فِراشِه فلم تَأتِه، فباتَ غَضبانَ عليها، لَعَنَتها المَلائِكةُ حتَّى تُصبِحَ”البخاري. إذا دعاها إلى فراشه فأبت من غير عذر ولا مرض، فبات عليها غضبان، لعنتها الملائكة حتى تصبح والعياذ بالله تعالى.

وغير ذلك من الأعمال التي ورد ترهيب من فعلها لأن الملائكة تكره ما يكرهه الله، وتحب ما يحبه الله عز وجل.