موقف المسلم من الشدائد

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي -رحمه الله تعالى-:

يجب على المسلم أن يضع نصب عينيه الحقائق التالية:

أولا: يتذكر نعم الله عليه: أن المؤمن البصير لا ينبغي أن ينظر إلى ما ينقصه ويفتقده فقط، بل يجب أن ينظر أولاً إلى ما عنده من نعم الله تعالى. وسيجد أن ما عنده كثير، ولكنه لا يراه، أو يراه ولكنه يبخسه لا يقدره حق قدره.
ورضي الله عن عروة بن الزبير، فقد نزلت به مصيبتان في يوم واحد: رفست فرس ابنًا له فمات، وقطع الطبيب رجلاً له، حتى لا يسري الداء في بدنه كله، ولكنه مع هذا حمد الله تعالى؛ إذ نظر إلى ابنه المقتول، وإلى ابنه الآخر، فقال: اللهم إن كنت أخذت فقد أعطيت. ونظر إلى رجله المقطوعة، ورجله الأخرى السليمة، وقال: اللهم ابتليت فقد عافيت!
فكان نظره إلى النعمة التي بقيت له، فرضي وشكر، ولو نظر إلى النعمة التي حرمها فقط لسخط وجزع.
وأنت أيها المسلم لو نظرت إلى نفسك لوجدت عندك نعمًا جمة، لا تريد أن تعترف بها، أو لعلك غافل عنها وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى نذكرك ببعضها:
1 . رزقك الله صحة الجسم، فلم تولد مشوهًا ولا معوقًا ولا صاحب عاهة.
2 . رزقك الله العقل والذكاء، وكان يمكن أن تكون من الأغبياء والبلداء.
3 . رزقك الله قوة الإرادة وذلك من خلال تصميمك على فعل شيء وتقوم بتنفيذه.
4 . رزقك الله نعمة الهداية إلى الإسلام، وهي أكبر النعم وأعظمها وأنفعها في الدنيا والآخرة.
أليست هذه كلها نعمًا من الله تعالى عليك أيها المسلم، وهي نعم كبيرة يتمنى كثيرون بعضها، فلا يجدونها؟!
أم أنك تعتبر هذه النعم (صفرًا) لأنها لم تجلب لك المال والرفاهية والقناعة بما عندك من فضل الله؟
أما إن المال نعمة ولا شك، والفقر بلية يُستعاذ بالله من شرها، ولكن نعمة المال أقل النعم لمن تأمَّل، وما قيمة المال مع المرض؟ أو المال مع الجهل؟ أو المال مع الكفر أو الفسق؟ لقد قال الله في شأن قوم من المشركين: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ) المؤمنين:55، 56.

ثانيا: قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم): أن الإنسان -بحكم قصوره البشري- لا يدري: أين يكون خيره، وأين يكون شره، فهو يحكم بالظاهر، ولا يعلم الباطن، وينظر إلى الحاضر، ولا يعلم المستقبل، وينقاد للعواطف، ولا يعمل العقل كما ينبغي ولهذا قال الله تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة:216.

وما يدريك أيها المسلم أن الله تعالى يريد أن يصهرك في بوتقة الابتلاء، ويربيك في آتون المحن، كما ربى أنبياءه ورسله العظام، الذين ابتلوا، فصبروا وصابروا، حتى بلّغوا رسالتهم، وهدى الله بهم من هدى، وأقام الحجة على من أعرض وكفر.
هل كان يوسف الصدّيق -عليه السلام يعلم أن المحن التي نزلت به طوال حياته، ستنتهي به إلى أن يصبح عزيز مصر، وأن تكون في يده خزائن الأرض: المالية والزراعة والتخطيط والتموين، وأن يحلّ الله على يديه مشكلة القحط، ويخرج به مصر ومن حولها من أزمة الجوع والجفاف؟؟

إن علينا أن نواجه المتاعب والآلام بصبر جميل، ولا نعتقد أن البلاء الذي ينزل بنا عقوبة من الله لنا، بل كثيرًا ما يكون هدية من الله -سبحانه- لنا من حيث لا نشعر. ولولا ذلك لما كان الأنبياء أشدّ الناس بلاء في هذه الدنيا.

يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، وما يزال البلاء ينزل بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة”.
بل إن المؤمن الحق يفلسف البلاء، فيجعل منه نعمة تستحقّ الشكر، بدل أن يكون مصيبة تستحق الصبر. وفي هذا جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: “ما أصبت ببلاء، إلا وجدت لله عليّ فيه أربع نعم: أنه لم يكن في ديني.. وأنه لم يكن أكبر منه.. وإنني لم أحرم الرضا به.. وأنني أرجو ثواب الله عليه”.

ثالثا: قال تعالى: (قل هو من عند أنفسكم): أننا لا ينبغي أن نحمل إخفاقنا في حياتنا، وفشلنا في أمور دنيانا على القدر وحده، ونبرِّئ أنفسنا من كل عجز وتقصير. فإن نتيجة هذا اللون من التفكير أن يقعد المرء عن كل محاولة لإصلاح أمره، وعلاج مشكلته، ويقول: هذا ما قدر الله لي أو عليَّ. ولا يتقدم خطوة إلى الأمام.
والمؤمن الفقيه -الذي فقه أحكام الله في شرعه وسنن الله في خلقه- يؤمن بالقدر، ولا يحتجّ به، ويرجع على نفسه باللوم، بدل أن يرجع على الدهر بالسخط. وقد قال الله تعالى للمؤمنين أصحاب رسوله الكريم بعد غزوة أحد وما أصابهم فيها: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) آل عمران.
وروى الإمام أبي داود في سننه عن عوف بن مالك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بي رجلين، فقال المقضيّ عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل! فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس (أي الفطنة وحسن التصرف)، فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي الله ونعم الوكيل” .
لقد أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على الرجل قوله: “حسبي الله” مع أنها كلمة ذكر لله، ولكنها في هذا المقام لا تدل إلا على العجز واليأس، والمؤمن لا ينبغي أن يعجز أو ييأس. وفي الحديث الصحيح: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز”
ويقول الشاعر الفيلسوف محمد إقبال: (المؤمن الضعيف يحتجّ بقضاء الله وقدره، والمؤمن القوي يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يردّ، وقدره الذي لا يغلب).
وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)

رابعا: اليأس ليس من صفات المؤمنين: فالمؤمن لا ييأس أبدًا من رَوْح الله، ولا يقنط من رحمة ربه يومًا، وإن ضاقت الدنيا في وجهه، وغلِّقت الأبواب، وتقطعت الأسباب، فإن اليأس من لوازم الكفر، والقنوط من مظاهر الضلال، كما قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف:87 هذا من مع غياب يوسف عنه سنين طويلة، وانقطاع أخباره لم ينقطع خيط الأمل في قلبه، ولم ينطفئ شعاع الرجاء في رحمة ربه.
وقال تعالى على لسان الخليل ابراهيم، وقد بشَّرته الملائكة بغلام عليم، وامرأته عجوز عقيم، وهو شيخ بلغ من الكبر ما بلغ: (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِين* قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ) الحجر:54-56.
لا يقنط الشيخ الكبير وامرأته العجوز العقيم أن يلدا غلامًا متميزًا، فإن الله إذا أراد أمرًا هيَّأ له الأسباب، وأزال من طريقه الموانع.
فلا تيأس أيها المسلم أن يكون يومك خيرًا من أمسك، وأن يكون غدك خيرًا من يومك، فإن من سنن الله تعالى: مداولة الأيام بين الناس، كما قال تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) آل عمران: 140
وكم رأينا بأعيننا أناسًا انتقلوا من حال إلى حال؛ من فقر إلى غنى، ومن غنى إلى فقر، ومن ذلة إلى عز، ومن عز إلى ذل.
والله تعالى يقول: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) الطلاق:7
ويقول: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) الانشراح:5-6
ويقول ابن مسعود: لو دخل العسر جحرًا لتبعه اليسر حيث كان.
قال الشاعر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت، فلما استحكمت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج