مقاطعة منتجات من يسيء إلى الإسلام ونبي الإسلام هي أقل ما يمكن أن نفعله ؛ لإعلان غضبتنا تجاه من أساءوا إلينا ، وليس هناك مجال للتشكيك في شرعية هذه المقاطعة ، أو في جدواها ، فقد دلت السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله على مشروعية هذه المقاطعة- ، كما دل الواقع على أن المقاطعة سلاح قوي ومؤثر على مر الأزمان.

يقول فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:

إن من أعظم واجبات الأمة المسلمة تجاه رسولها هي تعظيمه وتعزيره وتوقيره كما قال تعالى { إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً } سورة الفتح الآيتان رقم 8- 9، قال الشيخ ابن كثير: [{لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه} قال ابن عباس رضي الله عنهما وغير واحد: تعظموه {وتوقروه} من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام. ] تفسير ابن كثير 5/613.
ولا شك أن نصرة النبي والدفاع عنه داخلة في تعظيمه وتوقيره وهذا من المقاصد المطلوبة شرعاً ، وبناءً على ذلك فكل وسيلة شرعية تؤدي إلى هذا المقصد الشريف مطلوبة ؛ لأن للوسائل أحكام المقاصد كما قرر أهل العلم.

قال الإمام العز بن عبد السلام:[ للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل ] قواعد الأحكام 1/46 .

وقال الإمام القرافي:[اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج.

وموارد الأحكام على قسمين:

-مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها.

-ووسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل ، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما يتوسط متوسطة ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح) فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة ] الفروق 2/33.

فالمقاطعة الاقتصادية لمنتجات من يسيء لرسولنا وسيلة مشروعة لنصرة النبي وتعظيمه وتوقيره.

دليل مشروعية المقاطعة:

ومما يدل على مشروعية المقاطعة ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعث رسول الله خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله فقال ماذا عندك يا ثمامة؟

فقال عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم وإن تُنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله حتى كان بعد الغد فقال ما عندك يا ثمامة؟ قال ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر ، وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله حتى كان من الغد ، فقال ماذا عندك يا ثمامة؟

فقال عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر ، وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فقال رسول الله أطلقوا ثمامة ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ، فماذا ترى فبشره رسول الله ، وأمره أن يعتمر،  فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ، ولكني أسلمت مع رسول الله ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ).

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ) زاد ابن هشام ” ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً ، فكتبوا إلى النبي : إنك تأمر بصلة الرحم ، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم ] فتح الباري 8/111 .

وما قام به ثمامة بن أثال رضي الله عنه يعتبر نوعاً من المقاطعة الاقتصادية وقد أقره النبي على تلك المقاطعة الاقتصادية واستمرت تلك المقاطعة إلى أن طلب الرسول من ثمامة بن أثال وقفها.

وفي ذلك قال الشاعر:

وثمامةُ بن أَثالٍ الحنفيِّ قد .. نفض الغبار عن الحقيقة وابتهلْ
وأبى على الكفَّار حَبَّةَ حنطةٍ .. إلا إذا أَذِنَ الرسولُ وقد فَعَلْ
وينبغي التذكير بالمقاطعة التي تعرض لها الرسول وقومه في مكة من كفار قريش فلجأوا إلى شعب أبي طالب، فقد روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله أين تنزل غداً في حجته قال وهل ترك لنا عقيل منزلاً ثم قال نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر وذلك أن بني كنانة حالفت قريشاً على بني هاشم أن لا يبايعوهم ولا يؤووهم قال الزهري والخيف الوادي.

ومما يدل على جواز المقاطعة ما فعله النبي أثناء حصار بني النضير من محاربتهم اقتصادياً بقطع نخيلهم وتحريقه ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال حرق رسول الله نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزلت {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} رواه البخاري ومسلم.

ومما يدل على جواز المقاطعة أيضاً أن النبي بدأ بعد الهجرة النبوية بمحاربة قريش اقتصادياً فكانت غزوة العشيرة وغيرها من الغزوات وبعض السرايا التي بعثها الرسول لتحقيق ذلك الهدف ، ولا شك أن المقاطعة الاقتصادية داخلة في ذلك.

قال الإمام البخاري: [باب غزوة العشيرة أو العسيرة قال ابن إسحاق أول ما غزا النبي الأبواء ثم بواط ثم العشيرة ] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [… وذكر الواقدي أن هذه السفرات الثلاث كان يخرج فيها ليلتقي تجار قريش حين يمرون إلى الشام ذهابا وإياباً …

وقد تقدم في – كتاب – العلم البيان عن سرية عبد الله بن جحش وأنه ومن معه لقوا ناساً من قريش راجعين بتجارة من الشام فقاتلوهم ، واتفق وقوع ذلك في رجب ، فقتلوا منهم وأسروا وأخذوا الذي كان معهم ، وكان أول قتل وقع في الإسلام وأول مال غنم … وذكر ابن سعد أن المطلوب في هذه الغزاة هي عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة ففاتتهم ، وكانوا يترقبون رجوعها فخرج النبي يتلقاها ليغنمها ، فبسبب ذلك كانت وقعة بدر ..] فتح الباري 7/347-349. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة.

ويقول سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين –من علماء السعودية-:

الذي يقول إن المقاطعة لا تجوز، قد أخطأ , وذلك لأنا إذا تعاملنا معهم وانتفعنا بمنتجاتهم كان ذلك بمنزلة التولي الذي نهى الله عنه لعموم الكفار في قوله تعالى ( لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم لهوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ) أي لاتتولهم

وفي الآية الأخرى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ومن التولي أنا نشجع منتجاتهم ونعطيهم ثمنها أموالا طائلة , إننا ننتفع بمنتجاتهم أيا كانت , ولو كانت حقيرة , يعني كالألبان مثلا , أو ما يشتق منها , أو الأكسية أو المصنوعات , لأن المسلمين إذا اتفقوا على ذلك ضعف اقتصادهم وضعف إنتاجهم , والغالب أنهم يسوقون منتجاتهم للبلاد الإسلامية, فإذا قاطعناهم كان ذلك تنكيلا لهم حتى يعترفوا , إما أن يتوبوا ويجعلوا بدل الذم مدحا , وإما أن يُـسْـلموا , وإما أن يكفوا عن هذا الأذى وهذا الاستهزاء , لأنهم أصحاب مصالح , فيقولون : مصلحتنا تتوقف على تسويق منتجاتنا , فإذا بارت وكسدت , فسدت قوتنا وضعفت إمكانياتنا , من أين نسوق هذه المنتجات التي ننتفع بها! , وتكون هي أموالنا واقتصادنا , فإذا اتفق المسلمون على مقاطعة هذه المنتجات كان ذلك تنكيلا لهم وتنكيلا أيضا لغيرهم.

وخلاصة الأمر أن المقاطعة الاقتصادية وسيلة مشروعة للدفاع عن الرسول ؛ لردع المعتدين ؛ وعلى المسلمين كافة أن يسهموا في المقاطعة حتى تكون مؤثرة وقوية.