أمتنا العظيمة لها عيدان ، عيد الفطر وعيد الأضحى ، كلاهما يأتي بعد أداء ركن عظيم من أركان الدين ، فعيد الفطر يأتي بعد ركن الصوم ، وعيد الأضحى يأتي بعد عرفة  – ركن الحج الأعظم.

والأعياد بالنسبة للأمم والشعوب أيامٌ ليست كسائر الأيام ، وهي بلا شك تعكس ثقافات وآداب  الشعوب ، ولهذا قيل (إن أردت أن تزن الأمم والحضارات ، فانظر للشعوب في أعيادها) وأعيادنا – نحن المسلمين – تبدأ أول ما تبدأ بتكبير الله صاحب الفضل والمنة ، حيث تملأ صيحات (الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد) الأجواء، فتهتز لأنغامها العذبة القلوب، وتدمع من فيض معانيها  العيون، مرددين  كلمة التوحيد  في عزة وإباء ،تخفق بها قلوبنا ،  ( لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، مخلصين له الدين ، ولو كره الكافرون) تنطلق مجلجلة في روعة و جلال ، رقراقة في رقة  وجمال ، تنساب من قلوب المؤمنين وأفواههم ، بعد أن استجابت لربها فصامت ، ورصت صفوفها في بيوت الله وقامت.

ونبين بعض الأحكام الفقهية  والآداب الشرعية  التي يحسن التذكير بها لاستقبال هذه الأيام المباركة ، وسنذكرها في نقاط مختصرة حتى تكون أيسر للفهم ، وأدعى للاستجابة .

1- صدقة الفطر:
فريضة واجبة  على كل مسلم ومسلمة ، كبيرا وصغيرا ،و قد شُرعت زكاة الفِطر في السنة الثانية من الهجرة.

وحكمة مشروعيتها أنها طُهْرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين، وهي تجب على من صام رمضان ومن أفطره لعذر أو لغير عذر،ويخرجها الرجل عن زوجته واولاده ومن يعول …، لقول ابن عمر – رضى الله عنه – (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين) ، ولا تجب على الجنين في بطن أمه ولكن إن أخرجها عنه يؤجر على ذلك  .وحبذا لو خصصت صدقة الفطر لفقراء البلاد التي ينتمي إليها المسلم ، ولو بنقلها إلى مكان بعيد .

2- وقت وجوبها:
بعد غروب شمس آخر يوم من أيام رمضان ، وقبل صلاة العيد ،  لأنها وجبت طهرة للصائم، والصوم ينتهي بالغروب فتجب به الزكاة. وقد روى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر: “أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة”- أي صلاة العيد .

ولكن يستحب إخراجها قبل العيد بأيام إن كانت ستنقل من بلد المتصدق إلى بلاد أخرى ، بحيث تصل للفقير وأولاده قبيل العيد ، تحقيقا للمقصد من هذه الزكاة لقوله – صلى الله عليه وسلم – ( أغنوهم في هذا اليوم) وأجاز الشافعي وأبو حنيفة إخراجها من أول الشهر.

3- تعجيل صدقة الفطر:
يستحبُ تعجيل  زكاة الفطر قبل صلاة العيد  ويجوز إخراجها  سائرَ نهارِ العيد متى ما تعذر عليك  إخراجها قبل الصلاة ، وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : “كنا نخرج في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الفطر، صاعًا من طعام”. وقوله ( يومَ الفطرِ ) ظاهِرُهُ صحةُ الإخراجِ في اليوم كله لأن كلمة ( يوم )  تصْدُق على جميع النهار ، وبهذاالرأي أفتى الإمام الشافعي – رحمه الله .

4- قيمة زكاة الفطر:
تقدر بحَسَبِ حاجة فقراءِ كل ِبلد ، فإن كان قوتُهم القمحَ والشعيرَ ، أو التمرَ والزبيب ، أو اللبن المجفف  كما في بعض البلاد اليوم ، فقيمةُ الزكاةِ هي ( صاعٌ ) من هذه الأصناف ، لحديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: ” كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، ،……)  وأما  في مثل سائر بلاد العالم اليوم فقيمتها  ما يعادل هذا الصاع من نقود .وهو الأقرب لتحقيق مقاصد الشرع الحكيم ، والأنفع للفقير في هذه الأيام .

5- صلاة العيد:
سنة مؤكدة ، وهي ركعتان ، يتْبَعُها خطبة ، ويستحب عقدها في ارضٍ فضاء خارج المسجد ، ويندب أن يأتي إليها المسلمون والمسلمات، كبارا وصغارا  – حتى ذوات الأعذار – وإن فاتتك الجماعة فيمكن قضاءها ،وتصلى على النحو التالي  بسبع تكبيرات – سوى تكبيرة الإحرام ، ثم قراءة الفاتحة وسورة الأعلى، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات ( سوى تكبيرة الرفع من السجود ) ثم قراءة الفاتحة وسورة الغاشية جهرا متوسطا في كلا الركعتين .

6- أخلاق المسلم يوم العيد:
يوم العيد يوم فرح وسرور وتغافر وصلة ، وينبغي على المسلم أن يحرص على تحقيق مقصد هذا النسك ولو تكلف ذلك تكلفا ، وعليه أن يوسع على زوجه وأولاده ، ويظهر البهجة والنعمة في خاصة نفسه وعلى أهله – ما استطاع لذلك سبيلا – ، وهو يوم لعب وغناء وسرور ، ويكره فيه تكلف الوقار بين الناس ، أو الابتعاد عن تجمعاتهم .

فليحرص كل مسلم على تجنب ما يغضب الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام ، وليعلم أن من علامات قبول شهر رمضان وثماره  تغير الحال بعده ، ومن فرط في أول أيام فطره ، فقد مكن الشيطان من نفسه سائر العام وبدد زاد هذا الشهر الكريم ، فلا يكون المسلم رمضانيا ، بل يكون ربانيا ، ويتجتنب المكروهات وبعض العادات المحرمة  ، كتقبيل النساء من الأقارب ، أو تضييع الصلاة ، والتبذير ، والنياحة على الميت ، وينبغي أن يترك المسلمون تلك العادة السيئة وهي زيارة قبور موتاهم في أيام العيد ، ظنا منهم أن في ذلك وفاء لهم ، ..،فليس هذا من شعائر الدين في شيء ، ولا ينبغي للمسلم أن يجدد الأحزان في يوم الفرح فنكون قد أخللنا بمقصود الشارع الحكيم ، إنما  ينفعُ الميتَ ويصل له  الدعاءُ وإهداءُ ثوابِ بعض القربات ، فلاينبغي زيارة القبور في أيام العيد ، ومن شاء فليجعل ذلك بعد انقضاء العيد بأيام .

وعلى المسلم أن يتذكر في هذا اليوم من علمه حرفا أو أسدى له جميلا من شيوخ أو معلمين ، (فالحر من راعي وداد لحظة )، وليبدأ بالجار الجنب ، وليكن المسلم المبادر في تقديم التهنئة .
والله الله في أمهاتكم وآباءكم ، فلا شيء في هذه الدنيا يعدلهم مهما عز .! فأفيضوا على الحي منهم بوابل الرحمة والجود  والإجلال ، وعلى ميتهم بخالص الدعاء ، وارفعوا أكف الضراعة قائلين للمولى (رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).