دخول النساء الحمامات العامة

يجوز للنساء الدخول للحمامات العامة ، بضوابط محددة منها أن تكون بحاجة للنظافة ، وأن يكون الحمام خاصا بالنساء ، وأن تأمن من أن يطلع عليها أحد ، ولا تتعمد النظر لعورة أحد ، كما تأمن من لمس العورة ، وهذه الضوابط للرجال والنساء .

يقول الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي :

يقول العلامة شمس الدين ابن قدامة المقدسي في شرحه الكبير على المقنع : فأما النساء فليس لهن دخوله، إلا لعذر؛ من حيض، أو نفاس، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها، لتعذر ذلك عليها، أو خوفها من مرض، أو ضرر، فيباح لها إذا سترت عورتها، وغضت بصرها، ولا يجوز من غير عذر. واستدل بما روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون بيوتا فيها يقال لها: الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر، وامنعوها النساء، إلا مريضة أو نفساء”.

وروى أيضا أن عائشة دخل عليها نسوة من أهل الشام، فقالت: لعلكن من الكورة اللاتي يدخل نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم، قالت: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى” والحديث الأول ضعيف، والثاني لم يخل من كلام.

وإن صح هذا الحديث فينبغي أن يحمل الحديث على من تخلع ثيابها في غير بيت زوجها في ريبة، ولغير حاجة، فإن المرأة ـ ولا سيما في عصرنا ـ قد تضطر لخلع ثيابها في الفندق، أو عند إجراء عملية جراحية، أو نحو ذلك مما قد تدفع إليه الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة.

ولهذا رأينا المذاهب المتبوعة تبيح للرجال والنساء جميعا: دخول الحمامات العامة للحاجة، ولا سيما أن أكثر البيوت في الأزمنة السابقة لم يكن فيها ما في أكثر بيوتنا اليوم من الحمامات الخاصة المزودة بالماء الساخن والبارد. على أن كثيرا من الناس لا ينعمون بذلك.

وبعض هذه الحمامات يكون من مياه معدنية يحتاج إليها الكثيرون للاستشفاء، وقد تطورت كثيرا، وأصبح فيها الخاص والعام، والمغلق والمفتوح.

ففي الفقه الحنفي: نجد صاحب (الدر المختار) يقول: وجاز إجارة الحمامات وبناؤه للرجال والنساء، وهو الصحيح للحاجة، بل حاجتهن أكثر، لكثرة أسباب اغتسالهن (أي مثل الحيض والنفاس) (وكذلك عدم قدرتهن على الاغتسال في الأنهار والبحار ونحوها مما يقدر عليه الرجال).

قال ابن عابدين: واستعمال الماء البارد قد يضر، وقد لا يتمكن من الاستيعاب به، وإزالة الوسخ.

قال: وكراهة عثمان لأجر الحمام : محمول على ما فيه كشف عورة.

قال: وفي الأشباه والنظائر لابن نجيم الشافعي ـ: ويكره لها دخول الحمام في قول، وقيل: إلا لمريضة أو نفساء، والمعتمد: أن لا كراهة مطلقا. قلت: وفي زماننا لا شك في الكراهة لتحقق كشف العورة.اهـ.
قال ابن عابدين: ولا يختص ذلك بحمام النساء، فإن في ديارنا كشف العورة الخفيفة أو الغليظة: متحقق من فسقة العوام الرجال. فالذي ينبغي التفصيل، وهو: إن كان الداخل يغض بصره، بحيث لا يرى عورة أحد، ولا يكشف عورته لأحد، فلا كراهة مطلقا. وإلا فالكراهة في دخول الفريقين حيث كانت العلة ما ذكر. اهـ.

وأقوال المذاهب الأخرى قريبة مما ذكر هنا.
وفي قول عند المالكية: أن منع النساء من دخول الحمامات، إنما كان حين لم يكن لهن حمامات منفردة عن الرجال. فأما مع انفرادهن فلا بأس.

ويجيز جمهور الفقهاء ـ خلافا للحنابلة ـ للمرأة إذا كانت في الحمام: أن تكشف من جسمها ما ليس بعورة بالنسبة إلى المرأة، وهو ـ عند الأكثرين ـ ما عدا ما بين السرة والركبة، وقيل غير ذلك.

وفرق بعضهم بين المسلمة وغير المسلمة. بناء على تفسير قوله تعالى: (أو نسائهن) في سورة النور.

وشدد بعضهم فأوجب على المرأة في الحمام أن تستر جميع بدنها، وهو تشديد ينافي نفي الحرج في الدين (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج:78.

وفصَّل ذلك ابن تيمية تفصيلا حسنا مبينا الضوابط العامة سواء للرجال أو النساء فقال:
فالحمامات لغرض النظافة مشروعة مؤكدة، وقد يكون به من المرض ما ينفعه فيه الحمام، واستعمال مثل ذلك: إما واجب، وإما مستحب، وإما جائز. فإنها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.

وأيضا فالحمام قد يحلل عنه من الأبخرة والأوساخ، ويوجب له من الراحة ما يستعين به على ما أمر به من الواجبات والمستحبات، ودخولها حينئذ بهذه النية يكون من جنس الاستعانة بسائر ما يستريح به، كالمنام والطعام. كما قال معاذ لأبي موسى: إني أنام وأقوم، وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ونظائره في الحديث الصحيح متعددة. كما في حديث أبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما.

وسئل ابن تيمية عن ترك دخول الحمام؟

فأجاب: من ترك دخول الحمام لعدم حاجته إليه فقد أحسن، ومن دخلها مع كشف عورته، والنظر إلى عورات الناس، أو ظلم الحمامي فهو عاص مذموم، ومن تنعم بها لغير حاجة فهو منقوص مرجوح، ومن تركها مع الحاجة إليها حتى يكثر وسخه وقمله فهو جاهل مذموم.
وسئل عن رجل عامي سئل عن عبور الحمام. ونقل حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي يحرم دخول الحمام)، وأسند الحديث إلى كتاب مسلم هل صح هذا أو لا؟

فأجاب: ليس لأحد لا في كتاب مسلم، ولا غيره من كتب الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم الحمام، بل الذي في السنن أنه قال: “ستفتحون أرض العجم وتجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي فلا تدخل الحمام إلا مريضة أو نفساء”.
وقد تكلم بعضهم في هذا الحديث.

والحمام من دخلها مستور العورة، ولم ينظر إلى عورة أحد، ولم يترك أحدا يمس عورته ولم يفعل فيها محرما، وأنصف الحمامي، فلا إثم عليه، وأما المرأة فتدخلها للضرورة مستورة العورة.

وهل تدخلها إذا تعودتها وشق عليها ترك العادة؟ فيه وجهان في مذهب أحمد وغيره.
أحدهما: لها أن تدخلها، كقول أبي حنيفة واختاره ابن الجوزي.
والثاني: لا تدخلها، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، وأحمد، وغيره .