حكم قول صدق الله العظيم

قول القارىء صدق الله العظيم بعد الانتهاء من قراءة القرآن لا أصل له من سنة النبي ولا من قول الصحابة والتابعين ولكنها قول مستحدث فإن قيل على أنه عبادة واجبة فهذا لا يجوز وإن قيل استئناسا بقول الله تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللهُ) أو أنه عادة اعتادها القراء فلا شيء فيها، على أنه ينبغي للمسلم ألا يتسرع ويحكم ببدعية الأشياء التي لم ترد.
يقول فضيلة الشيخ عطية صقر ـ رحمه الله تعالى -:
حذَّرت كثيرًا من التعجُّل في إطلاق وصْف البِدْعَة على أي عملٍ لم يكن في أيام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا في عهد التشريع، ومن التمادي في وصف كلِّ بِدْعَة بأنها ضلالة وكلُّ ضلالة في النار.
وقول “صَدَقَ اللهُ العظيمُ” من القارئ أو من السامع بعد الانتهاء من القراءة، أو عند سماع آية من القرآن ليس بِدعة مذمومة، أولاً لأنه لم يرد نهي عنها بخصوصها، وثانيًا لأنها ذِكْرٌ لله والذِّكْر مأمور به كثيرًا، وثالثًا أن العلماء تحدثوا عن ذلك داعين إليه كأدب من آداب قراءة القرآن، وقَرروا أن قول ذلك في الصلاة لا يبطلها، ورابعًا أن هذه الصيغة أو قريبًا منها ورد الأمر بها في القرآن، وقرر أنها من قول المُؤْمِنين عند القتال.
قال تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) (سورة آل عمران: 95) وقال: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولَهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) (سورة الأحزاب : 22) وذكر القرطبي في مقدمة تفسيره أن الحكيم الترمذي تحدث عن آداب تلاوة القرآن الكريم وجعل منها أن يقول عند الانتهاء من القراءة: صدق الله العظيم أو أية عبارة تؤدي هذا المعنى. ونص عبارته “ج 1 ص 27” : ومن حُرْمَته إذا انتهت قراءته أن يُصَدِّقَ رَبَّهُ، ويشهد بالبلاغ لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (مثل أن يقول: صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم) ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صدقتَ ربنا وَبَلَّغَتْ رُسُلُك ونحن على ذلك من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقِسْطِ، ثم يدعو بدعوات.
وجاء في فقه المذاهب الأربعة، نَشْر أوقاف مصر، أن الحنفية قالوا: لو تكلَّم المُصلي بتسبيح مثل. صدق الله العظيم عند فراغ القارئ من القراءة لا تبطل صلاته إذا قصد مُجرد الثناء والذِّكر أو التلاوة وأن الشافعية قالوا: لا تبطل مُطلقًا بهذا القول، فكيف يجرؤ أحد في هذه الأيام على أن يقول: إنَّ قول: صدق الله العظيم، بعد الانتهاء من قراءة القرآن بِدْعَة؟ أُكَرِّر التحذير من التعجُّل في إصدار أحكام فقهية قبل التأكد من صحتها، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) (سورة النحل : 116).

يقول الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى -:

اعتياد الكثير من الناس أن يقولوا: صدق الله العظيم عند الانتهاء من قراءة القرآن الكريم وهذا لا أصل له، ولا ينبغي اعتياده بل هو على القاعدة الشرعية من قبيل البدع إذا اعتقد قائله أنه سنة، فينبغي ترك ذلك وأن لا يعتاده لعدم الدليل.
وأما قوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فليس في هذا الشأن، وإنما أمره الله أن يبين لهم صدق الله فيما بينه في كتبه العظيمة من التوراة وغيرها، وأنه صادق فيما بينه لعباده في كتابه العظيم القرآن، ولكن ليس هذا دليلا على أنه مستحب أن يقول ذلك بعد قراءة القرآن أو بعد قراءة آيات أو قراءة سورة؛ لأن ذلك ليس ثابتًا ولا معروفًا عن النبي ﷺ ولا عن صحابته رضوان الله عليهم.
ولما قرأ ابن مسعود على النبي ﷺ أول سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء: 41] قال له النبي ﷺ: حسبك قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام، أي يبكي لما تذكر هذا المقام العظيم يوم القيامة المذكور في الآية وهي قوله سبحانه: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ أي يا محمد على هؤلاء شهيدا أي على أمته عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل أحد من أهل العلم فيما نعلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: صدق الله العظيم بعد ما قال له النبي ﷺ: حسبك والمقصود أن ختم القرآن بقول القارئ صدق الله العظيم ليس له أصل في الشرع المطهر، أما إذا فعلها الإنسان بعض الأحيان لأسباب اقتضت ذلك فلا بأس به.

أحدث المقالات