حكم الأخذ من شعر اللحية

اختلف الفقهاء في الأخذ من اللحية كما اختلفوا في حكمها ، فمنهم من يرى أن اللحية واجبة الإعفاء والترك ، لا يؤخذ منها شيء على الإطلاق ،ومنهم من قيده بأن يكون الأخذ ما زاد على القبضة، ومنهم من يرى أن الأخذ دون قبضة اليد جائز .

ورجح الشيخ القرضاوي-رحمه الله تعالى- أن إعفاءها سنة مؤكدة.

وأنا لا أعلم دليلا صحيحا يجوز الأخذ منها.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي-رحمه الله تعالى- :-

من سنن الفطرة: إعفاء اللحية، وهذه سنة مختصة بالرجال. وقد حرص الإسلام في آدابه لا سيما في سنن الفطرة: ألا يتدخل في فطرة الله التي ميزت بين الرجل والمرأة، وجعلت لكل منهما خصائص جسمية وعصبية تلائم وظيفته في الحياة. ولهذا ميز الله تعالى الرجل باللحية والشارب: ليتناسب ذلك مع رجولته وخشونته ومهمته في الحياة، ولم يعط ذلك للمرأة: ليتناسب ذلك مع أنوثتها وفطرتها، وإعدادها لحياة الزوجية والأمومة.

ومن هنا: يجب أن يبقى الرجل رجلا، والمرأة امرأة كما خلقهما الله، ولا نذيب الحواجز الفطرية بينهما، فيتأنث الرجل أو يتخنث، وتسترجل المرأة، وفي هذا جاء الحديث يلعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، وينهى الرجل أن يلبس لبسة المرأة، والمرأة أن تلبس لبسة الرجل.

وفي هذا الإطار شرع إعفاء اللحية للرجل، حتى يتميز عن المرأة، فهي أدل على تمام الرجولة، وكمال الفحولة. ولهذا ذهب بعض العلماء إلى اعتبار إعفائها أمرا واجبا، وحلقها حراما. وذهب آخرون إلى اعتبار إعفائها سنة، وحلقها مكروها.

فالحنفية اختلفوا، فمنهم من قال بسنيتها، وهو الأوفق لأصول مذهبهم، ومنهم من قال بوجوبها، وكذلك اختلف المالكية، فمنهم من قال بكراهة حلقها، ومنهم من قال بحرمته. أما الشافعية فالمعتمد عندهم هو الكراهة، كما جاء عن شيخي المذهب: الرافعي والنووي. والمعتمد عند الحنابلة: وجوب الإعفاء، وإن عبر بعضهم بأنه سنة.

وذهب بعض مشايخ العصر إلى اعتبار إعفائها سنة من سنن العادات، التي تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف، فأجازوا لأنفسهم ولغيرهم حلقها بلا كراهة.

وأنا أخالف هؤلاء، كما أخالف الأولين، وأرى: أنها سنة مؤكدة، كما جاء في أحاديث (سنن الفطرة) وكما جاء الأمر بإعفائها في أكثر من حديث.

ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللِّحَى “.

وفيهما عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب “.

والإعفاء ـ كما قال الخطابي وغيره ـ هو: توفيرها وتركها بلا قص: كره لنا قصها كفعل الأعاجم. قال: وكان من زي كسرى: قص اللحى، وتوفير الشوارب.

والذين ذهبوا إلى وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها، احتجوا بالأمر النبوي الوارد بالإعفاء، والأصل في الأمر: الوجوب، إلا أن يصرفه عنه صارف.

ودلالة الأمر على الوجوب مطلقا فيها خلاف ذكره علماء الأصول، مثل الزركشي في (البحر المحيط). وقد رجحت منها الرأي الذي يقول: إن ما جاء في القرآن فالأصل أنه للوجوب، وما جاء في السنة فالأصل أنه للندب والاستحباب.

ويؤكد هذا هنا: أنه جاء في شأن يتعلق بالزي الذي يتأثر كثيرا بأعراف الناس واختلاف بيئاتهم وظروفهم، ولا يقال: قد أكد الوجوب الأمر بمخالفة المشركين، فقد جاء نحو هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: “إن اليهود والنصارى لا يصبغون (أي الشيب) فخالفوهم” متفق عليه ومع هذا صح أن عددا من الصحابة لم يكونوا يصبغون (أي يخضبون شعرهم الأبيض بالحناء ونحوها) فدل على أن هذا النوع من الأوامر المتعلقة بالشكل والصورة ليست للوجوب.

حكم ما طال من اللحية:

قال الإمام الغزالي في (الإحياء): اختلف السلف فيما طال من اللحية، فقيل: لا بأس أن يقبض عليها، ويقص ما تحت القبضة. فعله ابن عمر، ثم جماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي وابن سيرين. وكرهه الحسن وقتادة، وقالوا: يتركها عافية، لحديث: “أعفوا اللحى”. قال الغزالي: والأمر في هذا قريب، إذا لم ينته إلى تقصيصها؛ لأن الطول المفرط قد يشوه الخلقة.

وعقب على ذلك النووي، فقال: والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقا، بل يتركها على حالها كيف كانت، للحديث الصحيح: ” وأعفوا اللحى “.

والذي أراه: أن كلام الغزالي مقبول، وهو: أن الطول المفرط يشوه الخلقة، والشرع لم يقصد إلى تشويه خلقة الناس، بل إلى أن يتجملوا ويتزينوا، فإن الله جميل يحب الجمال. وهذا يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يزيده طول اللحية بهاء ووقارا، ومنهم من لا يزيده طولها إلا شذوذا ونفورا.

ويقول الشيخ عبد الخالق الشريف من علماء مصر :-

اختلف العلماء في حكم اللحية، فقال بعضهم بأنها واجب لحديث عبد الله بن عمر “أطلقوا اللحى وحفوا الشوارب”، وقال البعض بأنها سنة لحديث عائشة رضي الله عنها “خمس من الفطرة أو عشر من الفطرة وذكر منها إطلاق اللحية وحف الشارب”. والأخذ منها وتهذيبها أجازه كثير من العلماء، والمسلم عليه وهو يطلق لحيته أو يهتم بها أن يهتم بقواعد الإسلام وأصول العقيدة والدعوة إلى الله ونشر الإسلام بين الناس حتى تعود البشرية إلى الحق.

وجاء في كنز العمال في باب الأخذ من اللحية :

وقال الإمام الترمذي في سننه ما خلاصته:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفوا الشوارب وأعفوا اللحى).

(وأعفوا اللحى) من الإعفاء وهو الترك، وقد حصل من مجموع الأحاديث خمس روايات: أعفوا وأوفوا وأرخوا وارجوا ووفروا، ومعناها كلها تركها على حالها.

قال الطبري: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها.

وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فعل ذلك، وإلى عمر أنه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله.

ثم حكى الطبري اختلافًا فيما يؤخذ من اللحية هل له حد أم لا ؟

فأسند عن جماعة الاقتصار وعلى أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف.

وعن الحسن البصري: أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها.

قال: وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة وأسنده عن جماعة واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به.

واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. انتهى.

ثم قال الحافظ: وقال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها كذا قال. وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها، قال: والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره، وكان مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه. أ ه

قلت: لو ثبت حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب المتقدم (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها) لكان قول الحسن البصري وعطاء أحسن الأقوال وأعدلها لكنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به.

وأما قول من قال: إنه إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، واستدل بآثار ابن عمر وعمر وأبي هريرة رضي الله عنهم فهو ضعيف، لأن أحاديث الإعفاء المرفوعة الصحيحة تنفي هذه الآثار، فهذه الآثار لا تصلح للاستدلال بها مع وجود هذه الأحاديث المرفوعة الصحيحة، فأسلم الأقوال هو قول من قال بظاهر أحاديث الإعفاء وكره أن يؤخذ شيء من طول اللحية وعرضها، والله أعلم.انتهى.تحفة الأحوذي (8/46 و 47).

واختلف السلف فيما طال منها فقيل لا بأس أن يقبض عليها ويقص ما تحت القبضة كما فعله ابن عمر ثم جمع من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة والأصح كراهة أخذ ما لم يتشعث ويخرج عن السمت مطلقاً

وفي موطأ مالك من رواية محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة :

أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته (أي من طولها وعرضها، إذا زاد على القدر المسنون، وهو قدر القبضة) ومن شاربه

قال محمد: ليس هذا بواجب، من شاء فعله. ومن شاء لم يفعله.

قوله: ليس هذا بواجب، أي ليس أخذ اللحية والشارب واجباً بل واختلفوا في ما طال من اللحية على أقوال:

الأول: يتركها على حالها ولا يأخذ منها شيئاً وهو مختار الشافعية، ورجحه النووي وهو أحد الوجهين عند الحنابلة.

الثاني: كذلك إلا في حجّ وعمرة فيستحب أخذ شيء منها، قال الحافظ: هو المنصوص عن الشافعي.

الثالث: يستحب أخذ ما فحش طولها جداً بدون التحديد بالقبضة، وهو مختار الإمام مالك رحمه الله، ورجّحه القاضي عياض.

الرابع: يُستحب ما زاد على القبضة وهو مختار الحنفية .

وفي فتح الباري شرح صحيح البخاري :

(وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه) هو موصول بالسند المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في ” الموطأ ” عن نافع بلفظ ” كان ابن عمر إذا حلق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه ” وفي حديث الباب مقدار المأخوذ.

وقال الكرماني: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى (محلقين رءوسكم ومقصرين) وخص ذلك من عموم قوله ” وفروا اللحى ” فحمله على حالة غير حالة النسك.