من حق المسلم على المسلم أن يشمته إذا حمد الله ، أما غير المسلم ، ومن لم يحمد الله تعالى ، ومن كان مزكوما يكثر منه العطاس ، ومن يكره التشميت ، ومن كان مستغرقا في الدعاء ، أو في خطبة الجمعة فهؤلاء لا يشمتون .

قال المناوي في فيض القدير في التعليق على الحديث الذي رواه الإمام مسلم وغيره ونصه : ( إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه )

معنى شمتوه أي ادعوا الله بأن يرد شوامته أي قوائمه أو سمته على حاله ؛ لأن العطاس يحل مرابط البدن ، ويفصل معاقده، فمعنى رحمك الله أعطاك رحمة ترجع بها إلى حالك الأول ، أو يرجع بها كل عضو إلى سمته، والأمر للندب عند الجمهور وقال ابن دقيق العيد: ظاهر الخبر الوجوب، ومال إليه وأيده ابن القيم، وعليه فقيل هو فرض عين ، وقيل فرض كفاية .
روى البخاري من حديث ْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَرَدِّ السَّلَامِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ أَوْ قَالَ حَلْقَةِ الذَّهَبِ وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالسُّنْدُسِ وَالْمَيَاثِرِ.

قال ابن حجر في فتح الباري في التعليق على هذا لحديث مبينا الأصناف المستثناة من حق التشميت:-

الأول : من لم يحمد الله :
فقد روى البخاري من حديث َ أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقيل له، فقال: (هذا حمد الله، وهذا لم يحمد الله).

الثاني : الكافر : فقد أخرج أبو داود وصححه الحاكم من حديث أبي موسى الأشعري قال ” كانت اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالكم ” قال ابن دقيق العيد: إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة إن التشميت الدعاء بالخير دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت، وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم يدخلوا قال . قلت – القائل : ابن حجر – وهذا البحث أنشأه من حيث اللغة، وأما من حيث الشرع فحديث أبي موسى دال على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت، لكن لهم تشميت مخصوص وهو الدعاء لهم بالهداية وإصلاح البال وهو الشأن ولا مانع من ذلك، بخلاف تشميت المسلمين فإنهم أهل الدعاء بالرحمة بخلاف الكفار.

الثالث : المزكوم :
إذا تكرر منه العطاس فزاد على الثلاث فإن ظاهر الأمر بالتشميت يشمل من عطس واحدة أو أكثر لكن أخرج البخاري في ” الأدب المفرد ” من طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال ” يشمته واحدة وثنتين وثلاثا، وما كان بعد ذلك فهو زكام ” هكذا أخرجه موقوفا من رواية سفيان بن عيينة عنه ، ويستفاد منه مشروعية تشميت العاطس ما لم يزد على ثلاث إذا حمد الله سواء تتابع عطاسه أم لا، فلو تتابع ولم يحمد لغلبة العطاس عليه ثم كرر الحمد بعدد العطاس فهل يشمت بعدد الحمد؟ فيه نظر. وظاهر الخبر أنه يشمته .
وقد حكى النووي عن ابن العربي أن العلماء اختلفوا هل يقول لمن تتابع عطاسه أنت مزكوم في الثانية أو الثالثة أو الرابعة؟ على أقوال، والصحيح في الثالثة .
قال: ومعناه : إنك لست ممن يشمت بعدها ؛لأن الذي بك مرض وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن .
فإن قيل فإذا كان مرضا فينبغي أن يشمت بطريق الأولى لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره، قلنا نعم لكن يدعى له بدعاء يلائمه لا بالدعاء المشروع للعاطس بل من جنس دعاء المسلم للمسلم بالعافية.

ثم ذكر الحافظ ابن حجر حكم تشميت من علم أنه مزكزم من بداية الأمر ، هل يشمت ثلاث مرار ؟ أم لا يشمت أصلا لمعرفة مرضه وظهوره ؟ فقال :-

وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه قال: يكرر التشميت إذا تكرر العطاس إلا أن يعرف أنه مزكوم فيدعو له بالشفاء، قال: وتقريره أن العموم يقتضي التكرار إلا في موضع العلة وهو الزكام، قال وعند هذا يسقط الأمر بالتشميت عند العلم بالزكام لأن التعليل به يقتضي أن لا يشمت من علم أن به زكاما أصلا، وتعقبه بأن المذكور هو العلة دون التعليل وليس المعلل هو مطلق الترك ليعم الحكم عليه بعموم علته، بل المعلل هو الترك بعد التكرير، فكأنه قيل لا يلزم تكرر التشميت لأنه مزكوم، قال ويتأيد بمناسبة المشقة الناشئة عن التكرار.

الرابع : من يكره التشميت:
قال ابن دقيق العيد: ذهب بعض أهل العلم إلى أن من عرف من حاله أنه يكره التشميت أنه لا يشمت إجلالا للتشميت أن يؤهل له من يكرهه فإن قيل: كيف يترك السنة لذلك؟ قلنا: هي سنة لمن أحبها، فأما من كرهها ورغب عنها فلا.
قال: ويطرد ذلك في السلام والعيادة.
قال ابن دقيق العيد: والذي عندي أنه لا يمتنع من ذلك إلا من خاف منه ضررا، فأما غيره فيشمت امتثالا للأمر ومناقضة للمتكبر في مراده وكسرا لسورته في ذلك، وهو أولى من إجلال التشميت.
قلت: ويؤيده أن لفظ التشميت دعاء بالرحمة فهو يناسب المسلم كائنا من كان .

الخامس : من عطس والإمام يخطب :

ذكره ابن دقيق العيد ؛ فإنه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب، والراجح الإنصات لإمكان تدارك التشميت بعد فراغ الخطيب ولا سيما إن قيل بتحريم الكلام والإمام يخطب. وعلى هذا فهل يتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب أو يشرع له التشميت بالإشارة؟ فلو كان العاطس الخطيب فحمد واستمر في خطبته فالحكم كذلك وإن حمد فوقف قليلا ليشمت فلا يمتنع أن يشرع تشميته.

السادس : من كان عند عطاسه في حالة يمتنع عليه فيها ذكر الله :

كما إذا كان على الخلاء أو في الجماعة فيؤخر ثم يحمد الله فيشمت، فلو خالف فحمد في تلك الحالة هل يستحق التشميت؟ فيه نظر.