القيام للغير تعظيما واحتراما

يقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة:

لم يمنع جمهور الفقهاء أن يقوم الإنسان لغيره تعظيمًا أو إكرامًا له، أو برًّا به، أو توقيرًا له، بل منهم من قال باستحبابه إذا كان من يُقام له من أهل التعظيم والتوقير، كالعالم العامل بعلمه، أو الرئيس، أو الحاكم الفاضل أو الإمام العادل، أو الرجل الصالح، أو الوالدين، أو نحو هؤلاء ما لم يكن في هذا القيام رياءٌ أو مداهنةٌ لمن يُقام له، من غير اعتقاد منه بوجوب القيام له أو استحقاقه لهذا القيام، فإن اعتقد ذلك بحيث أنكَر على من لم يَقُمْ له كُره القيامُ له.

وقد ذهب الحنفية إلى أنه يَندب القيامُ لكل قادم إذا كان ممن يستحق التعظيم، وقال الطحاويّ: لا يُكره القيامُ للغير، وإنما المكروهُ محبةُ المرء أن يُقام له.

قال ابن وهبان: وفي عصرنا ينبغي أن يستحب القيام؛ وذلك لأن تَرْكَه يُورث الحقد والعداوة والبغضاء، لا سيما إذا كان في مكان اعتيد فيه القيامُ، وما ورد من الوعيد على القيام للغير إنما هو في حق من يحب قيام الناس بين يديه.

وقال ابن رشد: القيام للغير قد يكون جائزًا إذا وقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويُؤمَن معه التشبه بالجبابرة، وقد يكون مندوبًا إليه إذا كان لمن قَدِم من سفر فرحًا بقدومه، أو إلى من تجدَّدت له نعمة فيهنِّئه بحصولها، أو مصيبة فيعزِّيه بسببها، أو الحاكم في محلِّ ولايته.

ومذهب الشافعية إنه يُسَنُّ القيام لأهل الفضل؛ من علم أو صلاح أو شرف أو ولادة أو رحم أو نحو ذلك، إكرامًا وبرًّا، لا رياءً وتفخيمًا. وقال البيهقيّ: القيام للغير على وجه البر والإكرام جائز، ولا ينبغي لمن يُقام له أن يَعتقد استحقاقَه لذلك، حتى إذا ما تُرك القيام له حَنِق عليه أو عاقبَه أو شكَاه.

وقال الخطابيّ: إن قيام المرءوس للرئيس الفاضل والإمام العادل، والمتعلِّم للعالم مستَحَبّ، وإنما يُكره لمن كان بغير هذه.

وقد سئل مالك عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها، فتتلقاه وتَنزِع عنه ثيابه، وتقف حتى يجلس، فقال: أما التلقِّي فلا بأس به، وأما القيام حتى يجلس فلاَ؛ فإن هذا من فعل الجبابرة.
وقال ابن رشد: قد يكون القيام للغير محظورًا إذا وقع لمَن يريد القيامَ له تكبيرًا وتعاظمًا على القائمين له، وقد يكون مكروهًا إذا وقع لمَن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يُخشَى أن يَدخل في نفسه شيءٌ بسبب القيام له، ولما فيه من التشبه بالجبابرة.

ومما يُستدل به لجواز القيام للغير أو استحبابه إذا كان أهلاً لأن يُقام له، ما رُوي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبَهَ كلامًا وحديثًا من فاطمة برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت إذا دخلت عليه رحَّب بها وقام إليها فأخذها بيده وأجلَسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فرحَّبَت به وقبَّلَته وأجلَسَته في مجلسها.

ورُوي عن أنس رضي الله عنه قال: أبصر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نساءً وصبيانًا مُقبِلِين من عُرس، فقام ً فقال: “اللهم أنتم من أحب الناس إليَّ”. ورُوي عن أبي سعيد الخُدريّ ـ رضي الله عنه ـ قال: إن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليه فجاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قوموا إلى سيدكم” أو قال: “خيركم”. ورُوي عن كعب بن مالك، وكان من الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالسٌ حوله الناس، فقام إليَّ طلحةُ ابن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيرَه، ولا أنساها لطلحة.

فقد أفادت هذه الأحاديث أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقوم لغيره ويقوم غيره له، وكان يأمر غيره بالقيام لبعض أصحابه، كما أقَرَّ القيامَ للغير في حديث كعب بن مالك، وهذا وغيره دليل على جواز القيام للغير واستحبابه إذا كان من يُقام له أهلاً لأن يُقام له، وما رُوي من أحاديثَ تَمنع القيامَ للغير، من مثل حديث معاوية: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “من سَرَّه أن يَمثُلَ له العباد قيامًا فَلْيَتبَوأْ مقعدَه من النار” فإنه محمول على من يُلزم الغيرَ القيامَ له تكبرًا وتعاظمًا، أما من لا يُلزم الغيرَ بذلك أو لا يَعتقد استحقاقَه لأن يقوم الناس له فلا مَنْعَ ولا كراهةَ إذا كان أهلاً لذلك.