الصلاة مبعث السكينة

من أسباب السكينة النفسية التي حرمها الماديون، ونعم بها المؤمنون، ما يناجي به المؤمن ربه كل يوم من صلاة ودعاء.
فالصلاة لحظات ارتقاء روحي يفرغ المرء فيها من شواغله في دنياه، ليقف بين يدي ربه ومولاه ويثني عليه بما هو أهله، ويفضي إليه بذات نفسه: داعياً راغباً ضارعاً.
وفي الاتصال بالله العلي الكبير قوة للنفس، ومدد للهزيمة، وطمأنينة للروح.

لهذا جعل الله الصلاة سلاحاً للمؤمن يستعين بها في معركة الحياة، ويواجه بها كوارثها وآلامها، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين) (البقرة: 153) وكان محمد رسول الله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولم تكن صلاته مجرد شكل أو رسم يؤدى، وإنما كانت استغراقاً في مناجاة الله، حتى إنه كان إذا حان وقتها قال لمؤذنه بلال في لهفة المتشوق واشتياق الملهوف: “أرحنا بها يا بلال” … وكان يقول “جعلت قرة عيني في الصلاة”.

والصلاة عامة يسعها أن تحقق أمورًاً ثلاثة لا يستغني عنها إنسان سواء أكان مؤمناً أو ملحداً:

1. الصلاة تعين على التعبير بأمانة ودقة عما يشغل الإنسان نفسه، ويثقل عليها، ومن المحال مواجهة مشكلة مادامت غامضة غير واضحة المعالم، والصلاة أشبه بالكتابة التي يعبر بها الأديب عن همومه، فإذا كنا نريد حلاً لمشكلاتنا وجب أن نجريها على ألسنتنا واضحة المعالم، وهذا ما نفعله حيث نبث شكوانا إلى الله.

2. الصلاة تشعر المسلم بأنه ليس منفردًاً بحل مشكلاته وهمومه. فما أقل من يسعهم احتمال أثقل الأحمال وأعسر المشكلات منفردين، وكثيراً ما تكون مشكلاتنا ماسة أشد المساس بذواتنا فنأبى أن نذكرها لأقرب الناس إلينا، ولكننا يسعنا أن نذكرها للخالق عز وجل في الصلاة.
والأطباء النفسيون يجمعون على أن علاج التوتر العصبي، والتأزم الروحي يتوقف -إلى حد كبير- على الإفضاء بمبعث التوتر ومنشأ الأزمة إلى صديق قريب، أو ولي حميم. فإذا لم نجد من نفضي إليه كفانا بالله ولياً.

3. الصلاة تحفز إلى العمل والإقدام، بل الصلاة هي الخطوة الأولى نحو العمل، ولا شك في أن أي امرؤ يوالي الصلاة يوماً بعد يوم، إلا وسوف يلمس فائدة أو جدوى منها.

وإذا كان هذا شأن الصلاة بعامة، فإن الصلاة الإسلامية أزكى وأعمق أثراً، بما فيها من طهارة بدنية منشطة، وما فيها من قرآن يتلى، وهو كتاب الخلود، وما فيها من إيحاء الجماعة التي رغب الإسلام فيها، وحث عليها.

أي سكينة يشعر بها المؤمن حين يلجأ إلى ربه في ساعة العسرة ويوم الشدة، فيدعوه بما دعا به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من قبل: “اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منـزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنى الدين، وأغنني من الفقر” (رواه مسلم).

وأي طمأنينة ألقيت في قلب محمد رسول الإسلام يوم عاد من الطائف دامي القدمين، مجروح الفؤاد من سوء ما لقي من القوم – فما كان منه إلا أن رفع يديه إلى السماء يقرع أبوابها بهذه الكلمات الحية النابضة التي دعا بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ربه، فكانت على قلبه بردًاً وسلامًاً: “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ….