السرور بالعمل الصالح

جاء من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سُئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه، فقال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) (رَواهُ مسلم (2642)، وابن ماجه (4225)، وأحمدُ (156/5، 157، 158) وصححه ابن حِبَّان (366)، (367) خرجه مسلم، وخرجه ابنُ مَاجه، وعنده: ” الرجل يعمل العمل لله فيحبه الناس عليه “، وبهذا المعنى فسره الإمام أحمدُ، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري وغيرهم.

وكذلك الحديث الذي خرجه التّرمذيُّ وابن ماجه من حديث أبي هُريرةَ رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ الرجل يعمل العمل، فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه، فقال: (له أجران: أجر السر، وأجر العلانية) (رَواهُ التّرمذيُّ (2384)، وابن ماجه (4226)، وصححه ابن حِبَّان (375) مع أن فيه حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس، وقد عنعن).

إن المخلص يتهم نفسه دائمًا بالتفريط في جنب الله، والتقصير في أداء الواجبات، ولا يسيطر على قلبه الغرور بالعمل والإعجاب بالنفس، بل هو دائمًا يخشى من سيئاته ألا تُغفر، ويخاف على حسناته ألا تقبل، وقد بكى بعض الصالحين في مرضه بكاءً شديدًا، فقال بعض عُوَّداه: كيف تبكي وأنت قد صمت وقمت، وجاهدت وتصدقت، وحججت واعتمرت، وعلَّمت وذكَّرت؟.. فقال: وما يدريني أن شيئًا منها في ميزاني؟ وأنها مقبولة عند ربي؟ والله تعالى يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27).

ومنبع التقوى إنما هو القلب، ولذا أضافها القرآن إليه فقال: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)، وقال صلى الله عليه وسلم: (التقوى ههنا)… وكررها ثلاثًا، وأشار إلى صدره (رَواهُ مسلم من حديث ابن عمر في البر والصلة من صحيحه، الحديث (2564).

وقد سألت أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يصدق عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60). أهم الذين يسرقون ويزنون ويشربون الخمر وهم يخافون الله عز وجل؟ فقال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يتقبل منهم: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون: 61) (رَواهُ أحمدُ وغيره).

والمخلص يخاف أبدًا من تسلل الرياء إلى نفسه وهو لا يشعر، ولهذا سمى ” الشهوة الخفية ” التي تدسس إلى نفس السالك للطريق دون أن ينتبه لها.
وفي هذا يقول ابن عطاء الله محذرًا ومنبهًا: ” حظ النفس في المعصية ظاهر جلي، وحظها في الطاعة باطن خفي، ومداواة ما يخفي صعب علاجه، ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك. استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك، دليل على عدم صدقك في عبوديتك. غيب نظر الخلق إليك بنظر الله إليك، وغب عن وجود إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك ” !.
انتهى كلام الشيخ القرضاوي

وبعد:ـ
نقول لكل مسلم مادمت تجتهد فى إخلاص العمل لله، فلا تلتفت إلى الوساوس التى ربما يلقيها الشيطان فى قلوبنا حتى نترك العمل الصالح، بحجة أن هذا رياء ولا ثواب فيه، وطالما أنك أيها المسلم تعمل الأعمال دون النظر إلى مدح الناس وثنائهم فاعمل وتوكل على الله ؛ وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا جميلاً في هذا المعنى وهو أننا نقول عند الانتهاء من العمل أو الخوف من الرياء (اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئًا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه).