الخريطة الجينية..سر يجب كتمانه

كشف الخريطة الجينية للإنسان يعني معرفة الكثير من أسرار حياته، ويجب أن توضع الخريطة في مكان آمن حفظا لأسرار الناس، وأمنا لهم، ولا يجوز نشرها، أو إذاعة ما بها من أسرار لأن هذا يعد من الخيانة، كما أن فيه من الضرر ما نهت عنه الشريعة.

يقول الأستاذ الدكتور: عبد الفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن، بجامعتي الأزهر والإمارات:

التقدم العلمي في زماننا يسير بخطى واسعة واثقة في شتى مناحي الحياة، سواء في الزراعة، أو الصناعة، أو الإعلام، أو التجارة، أو العلم، أو الطب، أو ارتياد الفضاء، أو غيرها من مجالات، ولعل أبرز الاكتشافات العلمية التي اختتم بها العلماء القرن الماضي، والتي أسفر عنها التقدم العلمي في مجال الهندسة الوراثية، هو البدء في فك الشفرة الوراثية للإنسان، ومحاولة التوصل إلى رسم خريطة جينية لكل آدمي.

أهمية فك الشفرة الوراثية وخطورته:

فالشفرة الوراثية لكل فرد من البشر عبارة عن كتاب، يحوي بين دفتيه الكثير من المعلومات الخاصة بصاحبه، والتي تمثل أدق أسرار حياته، بل وحياة ذريته التي تنسل منه، وحياة والديه كذلك باعتبار أن هذا الجين بما يحتوي عليه من جينات تشفر في نواة الخلية البشرية لصفات أو أمراض أو تشوهات وراثية معينة، يكون مرآة صادقة إلى حد بعيد لما يكون عليه صاحبه، وما تكون عليه ذريته وأصوله من صفات وراثية، كالطول أو القصر، والسمرة أو الشقرة، وقوة البنية أو ضعفها، والسمن أو الهزال، والخصوبة أو العقم، ونحو ذلك، بل يكون مرآة للأمراض والتشوهات التي يحملها صاحبه التي تنتقل إلى ذريته بطريقة سائدة أو متنحية، وأمراض الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل: وجود الثقوب بين تجاويف القلب، وضيق الصمامات، وارتفاع ضغط الدم، وفرط أو ارتفاع الكولسترول بالدم، ومرض السكري، وأمراض الجهاز المناعي، ومرض البله المميت، هذا بالإضافة إلى التشوهات الكروموسومية الجسمية والجنسية التي تنتقل إلى الذرية، وتؤدي إلى إجهاض الأجنة، أو إصابة المولود بالتشوهات الخلقية التي لا يعيش بها حياة سوية.

الاطلاع على الخريطة الجينية يكون في أضيق نطاق:

وكتاب يحوي كل هذه المعلومات لا بد أن تكون له درجة كبيرة من السرية؛ بحيث لا يطلع على محتواه إلا من لهم غرض صحيح يقره الشرع الحنيف، ويجعله مسوغًا للاطلاع على ما يحتوي عليه من أسرار صاحبه؛ كالطبيب المعالج، أو من يقوم باقتطاع عضو أو أخذه من صاحب الخريطة الجينية لزرعه في غيره أو نقله إليه، أو من يقوم بعملية الإخصاب الصناعي الخارجي، أو الجهات الأمنية بالدولة، أو جهات الضبط القضائي، أو جهات جمع الأدلة في التحقيقات الجنائية؛ للتثبت من البصمة الوراثية لصاحب الخريطة الجينية عند الاشتباه الجنائي فيه، أو جهات الطب الشرعي عند إثبات النسب أو نفيه عن صاحب الشفرة الوراثي أو غير ذلك، أو الطبيب الذي يسند إليه فحص راغبي الزواج ذكورًا وإناثًا، للوقوف على مدى التوافق الجيني بين من يريدان الاقتران ببعضهما بعقد نكاح، حتى لا يترتب على الدخول في هذه العلاقة إنجاب ذرية حاملة لجينات مشوهة أو ممرضة، ونحو هؤلاء ممن تقتضي طبيعة عملهم الاطلاع على الخرائط الجينية للناس ويقرهم الشرع على ذلك.

وإذا كان هؤلاء يرخص لهم شرعًا في الاطلاع على الشفرة الوراثية للناس، تبعًا للأغراض المشروعة التي كان اطلاعهم على الشفرة من أجل إنجازها؛ فإن ما اطلعوا عليه من معلومات وبيانات تضمنتها هذه الشفرة الوراثية يُعَدّ سرًّا مهنيًّا، لا يجوز لهم شرعًا إذاعته أو إعلام غير المختصين به، أو إفشاؤه أو تمكين غير المختصين من الاطلاع عليه، بحسبان أن هذه المعلومات والبيانات أمانة أودعها أصحاب هذه الشفرة الوراثية لديهم لمقتضيات أعمالهم، ولولا هذه المقتضيات لما أعطيت إليهم، ولما مكنوا من الاطلاع على محتواها، ومن ثَم فلا يجوز شرعًا إفشاء محتواها إلى غير المعنيين بها.

الأدلة على كتمان سر الخريطة الجينية:

وقد أمر الشارع بحفظ الأمانات، إذ قال الحق سبحانه: “إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِها” (النساء: 58)، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك”، واعتبر عدم حفظها خيانة، وجعل من يخون الأمانة فيه صفة من صفات المنافقين؛ فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”، قال النووي في هذا الحديث: المحققون الأكثرون على أن هذه الخصال هي خصال المنافقين، فإذا اتصف بها أحد من المصدقين شُبه بالمنافق؛ فيطلق عليه اسم النفاق مجازًا، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه، وقال الخطابي: إن هذا الحديث لتحذير المسلم من أن يعتاد هذه الخصال، التي يخاف عليه منها أن تفضي به إلى النفاق الحقيقي، ويكون الحديث للتحذير من التخلق بهذه الأخلاق التي تؤول صاحبها إلى النفاق الكامل.

وإفشاء سر صاحب الخريطة الجينية إلى غير من يعنيهم الأمر، يمثل إضرارًا جسيمًا به وبذريته وبذويه كذلك، وقد نهى الشارع عن الإضرار بالغير؛ فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام”، وفي الحديث نفي للضرر، وهو نفي بمعنى النهي؛ بمعنى: أنه لا يحل لأحد أن يضر غيره بوجه من الوجوه، وإذا كان إيقاع الضرر بالغير محرمًا شرعًا، فإن من أوقعه بغيره يكون آثمًا، ويلزمه أن يعوض المضرور من إفشاء هذا السر عما أصابه من ضرر، سواء في ذلك صاحب الخريطة الجينية، أو من يلحقهم الضرر من إفشاء ما ورد فيها من بيانات ومعلومات؛ فإن قواعد الشريعة تقرر أن: “الضرر يزال”، ولا يتصور إزالة الضرر الناشئ عن إفشاء المعلومات والبيانات، التي تتضمنها الخريطة الجينية بعد وقوعه؛ ولذا كان للمتضرر من ذلك المطالبة بالتعويض، ولما كان إفشاء محتوى هذه الخريطة الجينية يمثل جريمة تعزيرية؛ باعتباره إخلالاً بواجب كتمان السر، الذي اطلع عليه الموظف المختص بمقتضى مهنته أو وظيفته؛ فإن لولي الأمر أن يعزر من أفشى ذلك وأخل بواجبات وظيفته، بالعقوبة التي يراها مناسبة لعظم الجرم المقترف، وحال من اقترفه، وظروف ارتكابه، والضرر الناجم عنه، والموضع الذي اقترف فيه؛ حتى تحقق العقوبة الغاية المرجوة منها؛ من ردع الجاني، وزجر غيره، واستتباب الأمن في المجتمع، ويدخل في هذا الإطار ما تقوم به الجهات التي يتبعها من أفشى السر بحكم عمله؛ كنقابة الأطباء، أو وزارة العدل، أو الداخلية، أو نحوها، من توقيع العقوبات المسلكية أو المهنية المختلفة كالحرمان من مزاولة العمل مدة معينة، أو سحب ترخيص المشروع الخاص الذي يباشر فيه عمله، أو حرمانه من الاطلاع على أسرار العملاء أو المرضى، أو نحو ذلك من عقوبات.

ويأخذ الحكم عينه من اطلع على المعلومات والبيانات التي تضمنتها الخريطة الجينية بمقتضى مهنته أو وظيفته، ثم استعملها ضد صاحبها؛ كأن يفشيها صاحب عمل -أقال صاحبها من مصنعه أو مؤسسته أو استقال منهما- إلى الجهات التي يتوقع أن يلتحق العامل بها؛ بغية تفويت فرصة العمل عليه، أو نحو ذلك، بحسبان ذلك خيانة للأمانة، يستتبع الجزاء المترتب عليه، ويمثل هذا الإفشاء بمجرده إضرارًا بصاحب الخريطة الجينية وذريته وذويه، يضاف إليه الضرر الناجم عن استعمال المعلومات والبيانات التي تضمنتها الخريطة الجينية ضده، وهذه الأضرار تخول للمتضرر مطالبة المتسبب فيها بالتعويض، دون إخلال بالمطالبة بتوقيع العقوبة التعزيرية أو المسلكية أو المهنية عليه، نتيجة لإخلاله بواجبات عمله.أ.هـ