التضامن الإسلامي يعني أن يقف المسلمون صفا واحدا، وأن تحل مشاكلهم بأيديهم، ويقفوا ضد المعتدي، ويردوا الحق لأصحابه، ويتم ذلك من خلال التنسيق بين المسلمين، وتبادل التمثيل الدبلوماسي بينهم، والتعاون فيما بينهم في الخير.

يقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز من علماء المملكة العربية السعودية-رحمه الله-:

من المعلوم أنه لا يتم أمر العباد فيما بينهم ، ولا تنتظم مصالحهم ولا تجتمع كلمتهم ، ولا يهابهم عدوهم ، إلا بالتضامن الإسلامي الذي حقيقته التعاون على البر والتقوى ، والتكافل والتعاطف والتناصح ، والتواصي بالحق ، والصبر عليه ، ولا شك أن هذا من أهم الواجبات الإسلامية ، والفرائض اللازمة ، وقد نصت الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، على أن التضامن الإسلامي بين المسلمين – أفرادا وجماعات ، حكومات وشعوبا – من أهم المهمات ، ومن الواجبات التي لابد منها لصلاح الجميع ، وإقامة دينهم وحل مشاكلهم ، وتوحيد صفوفهم ، وجمع كلمتهم ضد عدوهم المشترك.

والنصوص الواردة في هذا الباب من الآيات والأحاديث كثيرة جدا ، وهي وإن لم ترد بلفظ التضامن فقد وردت بمعناه وما يدل عليه عند أهل العلم ، والأشياء بحقائقها ومعانيها لا بألفاظها المجردة ، فالتضامن معناه : التعاون والتكاتف ، والتكافل والتناصر والتواصي ، وما أدى هذا المعنى من الألفاظ ، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الله سبحانه، وإرشاد الناس إلى أسباب السعادة والنجاة، وما فيه إصلاح أمر الدنيا والآخرة ، ويدخل في ذلك تعليم الجاهل، وإغاثة الملهوف ، ونصر المظلوم ، ورد الظالم عن ظلمه ، وإقامة الحدود ، وحفظ الأمن ، والأخذ على أيدي المفسدين المخربين ، وحماية الطرق بين المسلمين داخلا وخارجا ، وتوفير المواصلات البرية والبحرية والجوية ، والاتصالات السلكية واللاسلكية بينهم، لتحقيق المصالح المشتركة الدينية والدنيوية ، وتسهيل التعاون بين المسلمين في كل ما يحفظ الحق ، ويقيم العدل ، وينشر الأمن والسلام في كل مكان.

هل الإصلاح بين المسلمين من التضامن الإسلامي؟

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: يدخل في التضامن أيضا الإصلاح بين المسلمين ، وحل النزاع المسلح بينهم ، وقتال الطائفة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله ، عملا بقوله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ )، وقوله سبحانه وتعالى : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ).

ففي هذه الآيات الكريمات ، أمر الله المسلمين جميعا بتقواه سبحانه ، والقيام بالإصلاح بينهم عموما ، وبالإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين منهم خصوصا، وقتال الطائفة الباغية ، حتى ترجع عن بغيها ، وأن يكون الصلح على أسس سليمة قائمة على العدل والإنصاف ، لا على الميل والجور، وفيها التصريح بأن المؤمنين جميعا إخوة وإن اختلفت ألوانهم ولغاتهم ، وتناءت ديارهم ، فالإسلام يجمعهم ويوحد بينهم، ويوجب عليهم العدل فيما بينهم، والتضافر والكف عن عدوان بعضهم على بعض، ويوجب على إخوانهم الإصلاح بينهم إذا تنازعوا.

وتدل أيضا على أن هذا النزاع والقتال بين المؤمنين لا يخرجهم من الإيمان وهو قول أهل السنة والجماعة ، خلافا للخوارج والمعتزلة ، ولهذا قال سبحانه :( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا )، فسماهم مؤمنين مع الاقتتال وهكذا جميع المعاصي لا تخرج المؤمن من دائرة الإيمان ما لم يستحلها ، ولكنها تنقص الإيمان وتضعفه . ثم ختم سبحانه هذه الآيات بالأمر بالتقوى ، وعلق الرحمة على ذلك فقال تعالى : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )، فدل ذلك على أن تقوى الله في كل الأمور ، هي سبب الرحمة والعصمة والنجاة ، وصلاح الأحوال الظاهرة والباطنة .

هل تبادل التمثيل الدبلوماسي من التضامن الإسلامي؟

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:ويدخل في التضامن أيضا تبادل التمثيل الدبلوماسي، أو ما يقوم مقامه بين الحكومات الإسلامية ، لقصد التعاون على الخير ، وحل المشاكل التي قد تعرض بينهم بالطرق الشرعية ، واختيار الرجال الأكفاء في عملهم ودينهم وأمانتهم لهذه المهمة العظيمة .
ويدخل في التضامن أيضا توجيه وسائل الإعلام إلى ما فيه مصلحة الجميع ، وسعادة الجميع ، في أمر الدين والدنيا ، وتطهيرها مما يضاد ذلك ، ومما ورد في هذا الأصل الأصيل – وهو التضامن الإسلامي ، والتعاون على البر والتقوى – قوله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) أمر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة عباده المؤمنين بأن يتقوه حق تقاته ، ويستمروا على ذلك ، ويستقيموا عليه حتى يأتيهم الموت وهم على ذلك ، وما ذلك إلا لما في تقوى الله عز وجل من صلاح الظاهر والباطن ، وجمع الكلمة ، وتوحيد الصف ، وإعداد العبد؛ لأن يكون صالحا مصلحا ، وهاديا مهديا ، باذلا النفع لإخوانه ، كافا للأذى عنهم ، معينا لهم على كل خير ، ولهذا أمر الله المؤمنين بعد ذلك بالاعتصام بحبله ،

فقال تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) وحبل الله سبحانه هو : دينه الذي أنزل به كتابه الكريم ، وبعث به رسوله الأمين ، محمدا ، والاعتصام به : هو التمسك به ، والعمل بما فيه ، والدعوة إلى ذلك ، والاجتماع عليه ، حتى يكون هدف المسلمين جميعا ، ومحورهم الذي عليه المدار ، ومركز قوتهم هو اعتصامهم بحبله ، وتحاكمهم إليه ، وحل مشاكلهم على نوره وهداه ، وبذلك تجتمع كلمتهم ، ويتحد هدفهم ، ويكونون ملجأ لكل مسلم في أطراف الدنيا ، وغوثا لكل ملهوف ، وقلعة منيعة ، وحصنا ضد أعدائهم . وبهذا الاجتماع ، وهذا الاتحاد ، وهذا التضامن ، تعظم هيبتهم في قلوب أعدائهم ، ويستحقون النصر والتأييد من الله عز وجل ، ويحفظهم سبحانه من مكايد العدو – مهما كانت كثرته – كما وقع ذلك – بالفعل – لنبينا محمد وصحابته الكرام رضي الله عنهم ، وأتباعهم في صدر الأمة ، ففتحوا البلاد ، وسادوا العباد ، وحكموا بالحق ، وحقق الله لهم وعده الذي لا يخلف ، كما قال عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ).

-وقال سبحانه: ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ).

-وقال تعالى : “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ).

-وقال سبحانه : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ).

-وقال تعالى: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ففي هذه الآيات الكريمات حث المسلمين وتشجيعهم على التمسك بدينهم ، والقيام بنصره ، وذلك هو نصر الله ، فإنه سبحانه وتعالى في غاية الغنى عن عباده ، وإنما المراد بنصره هو نصر دينه وشريعته وأوليائه ، والله ناصر من نصره ، وخاذل من خذله ، وهو القوي العزيز.

وفي هذه الآيات أيضا البشارة العظيمة بأن الله عز وجل ينصر من نصره ، ويستخلفه في الأرض ، ويمكن له ، ويحفظه من مكايد الأعداء .

فالواجب على المسلمين جميعا أينما كانوا هو الاعتصام بدين الله ، والتمسك به ، والتضامن فيما بينهم ، والتعاون على البر والتقوى ، ومناصحة من ولاه الله أمرهم ، والحذر من أسباب الشقاق والخلاف ، والرجوع في حل المشاكل إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ، والتواصي في ذلك بالحق والصبر عليه ، مع الحذر من طاعة النفس والشيطان ، وبذلك يفلحون وينجحون ، ويسلمون من كيد أعدائهم ، ويكتب الله لهم العز والنصر ، والتمكين في الأرض ، والعاقبة الحميدة ، ويؤلف بين قلوبهم ، وينزع منها الغل والشحناء ، وينجيهم من عذابه يوم القيامة ، وفي هذا المعنى يقول النبي في الحديث الصحيح: “إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم” .

هل التعاون على البر والتقوى من التضامن الإسلامي؟

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:ومما ورد في التضامن الإسلامي قوله جل وعلا: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) وهذه الآية الكريمة من أصرح الآيات في وجوب التضامن الإسلامي ، الذي حقيقته ومعناه التعاون على البر والتقوى كما سلف بيان ذلك ، وفيها تحذير المسلمين من التعاون على الإثم والعدوان لما في ذلك من الفساد الكبير ، والعواقب الوخيمة ، والتعرض لغضب الله سبحانه ، وتسليط الأعداء وتفريق الكلمة ، واختلاف الصفوف ، وحصول التنازع المفضي إلى الفشل والخذلان . نسأل الله العافية من ذلك.

وفي قوله سبحانه في ختام الآية: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ، تحذير للمسلمين من مخالفة أمره وارتكاب نهيه ، فينزل بهم عقابه ، الذي لا طاقة لهم به.

ومن الآيات الواردة في التضامن أيضا قوله عز وجل: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) وهذه الصفات العظيمة هي جماع الخير ، وعنوان السعادة ، وسبب صلاح أمر الدنيا والآخرة ، ولهذا علق سبحانه وتعالى رحمتهم على هذه الصفات الجليلة فقال: ( أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) فتبين بذلك أن الرحمة والنصر على العدو ، وسلامة العاقبة ، كل ذلك مرتب على القيام بحق الله وحق عباده ، ولا يتم ذلك إلا بالتناصح والتعاون والتضامن ، والصدق في طلب الآخرة والرغبة فيما عند الله ، والإنصاف من النفس ، وتحري سبيل العدل ، وفي هذا المعنى يقول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) ويقول عز وجل في سورة المائدة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ).

وفي هاتين الآيتين أمر المؤمنين أن يقوموا لله بالقسط ، وأن يشهدوا له بذلك في حق العدو والصديق ، والقريب والبعيد ، وتحذيرهم من أن يحملهم الهوى أو البغضاء على خلاف العدل ، وأوضح سبحانه أن العدل هو أقرب للتقوى ، فدل ذلك على أنه لا صلاح للمسلمين فيما بينهم ، ولا استقامة ، ولا وحدة لكلمتهم ، إلا بالعدل وإعطاء كل ذي حق حقه .