يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
وصايا القرآن عظيمة، وهي كثيرة ومتنوعة، ومن الوصايا الجامعة في القرآن، ما حكاه الله تبارك وتعالى على لسان لقمان الحكيم.
من هو لقمان الحكيم؟
أصح الأقوال في لقمان أنه كان رجلاً عاقلاً حكيماً، ولم يكن نبياً، وإن كان قد قال بعض السلف بنبوته، لكن الأشهر أنه كان رجلاً أوتي الحكمة.
وقد حكى الله سبحانه وتعالى وصاياه لابنه، قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )لقمان:13؛ لأنه كان يعظه، ويذكره، ويعلمه، وينبهه، وهذه الوصايا من أعظم الوصايا الجامعة التي يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه.
ما هي وصايا لقمان لابنه؟
أولاً – التوحيد والتحذير من الشرك:
بدأ لقمان وصيته لابنه وفلذة كبده بأعظم الأمور، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى، فقال: ( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ )، وعادة الإنسان إذا أراد أن يوصي ولده العزيز على قلبه، فإنه يوصيه بأحب الأشياء إليه، وأهم الأمور عنده.
فبدأ لقمان بالتوحيد، والتحذير من الشرك بالله سبحانه وتعالى، لأن الشرك ظلم عظيم، قال تعالى: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )، وهذا الظلم هو النوع الذي لا يغفره الله تعالى لصاحبه إذا مات عليه.
والظلم كما جاء في بعض الآثار ثلاثة دواوين:
-ظلم العبد لنفسه، وهذا يغفره الله عز وجل.
-وظلم العباد فيما بينهم، وهذا يتقاصون به يوم القيامة، وظلم لا يغفره الله.
-وهو ظلم الشرك الذي هو أعظم الظلم.
ولما نزل قول الله تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ )الأنعام:82، شق ذلك على الصحابة رضي الله عنهم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: “ليس هو كما تقولون، إنما هو كما قال العبد الصالح: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم”رواه مسلم.
الرسول ﷺ استدل بقول لقمان، فالشرك هو أظلم الظلم؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، بأن تصرف العبادة لمن لا يستحق العبادة، فإن معنى لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، فلا أحد يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى.
فمن صرف العبادة لمخلوق، أو لوثن، أو لحجر، أو لشجر، أو لحيوان، أو لإنس، أو لجان، فإنه قد ظلم نفسه، ووضع الشيء في غير موضعه.
ثانياً – بر الوالدين والإحسان إليهما:
-قال تعالى: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ )لقمان:14.
-فربنا سبحانه وتعالى كثيراً ما يذكر بر الوالدين بعد الأمر بتوحيده، قال تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً )النساء:36.
-وقال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً )الإسراء:23.
وذلك لأن حق الوالدين هو أعظم الحقوق بعد حق الله تبارك وتعالى على العبد، فأعظم الناس حقاً عليك هما والداك، لأن الوالدين قد جرى على أيديهما من الإحسان للعبد ما لا يكون على يد غيرهما من المخلوقين.
فلهذا كان حقهما عظيما في الإحسان والبر ورد الجميل، لأن الوالد تعب، وعمل، وأنفق، ورعى، وقام بمصالح الأولاد، وكذلك الأم حملت حملاً على وهن وضعف على ضعف، وقاست في الحمل والولادة والإرضاع ما قست من المشاق، ثم بعد ذلك التربية والعناية بالطعام والشراب والنظافة وغير ذلك.
لكن الله سبحانه وتعالى أخبر أن حق الوالدين يقف عند الأمر بالشرك، فقال تعالى: ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً )لقمان:15.
فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو كان الوالد أو الوالدة، فإذا أمراك بالشرك، أويأكل الربا، أو بشرب الخمر، أو بمعصية من المعاصي، فلا طاعة لهما في ذلك، لكن مع المصاحبة بالمعروف، والإحسان إليهما، وعدم الإساءة إليهما.
ومن ذلك ما يقع عند بعض الناس مثلا، أن تأمر الأم ابنها أن يفارق امرأته، فإن كانت امرأته سيئة أو غير صالحة، فله أن يطلقها، أما إن كانت امرأة صالحة قانتة مطيعة، وإنما يجري بين النساء ما يجري، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع بقاء حق الأم في البر والإحسان.
ثم قال تعالى: ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ )، أي اتبع سبيل المنيبين إلى الله، الطائعين القانتين، فإن إلى الله المصير، وإليه مرجع العباد يوم القيامة.
ثالثاً – مراقبة الله في السر والعلن:
قال لقمان لابنه: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ )لقمان:16.
وهذه وصية عظيمة في مراقبة الله وتقواه في السر والعلن، وأن الله سبحانه وتعالى مطلع على أحوال العباد، وعلى أقوالهم وأعمالهم في كل وقت وحين، أينما كانوا.
فلو كانت حبة من خردل، والخردل من أدق الحبوب، أصغر من حب السمسم بمرات، وكانت هذه الحبة في باطن صخرة، أو في السماوات التي لا تقاس أبعادها بالأمتار ولا بالكيلومترات، بل بالسنين الضوئية، أو كانت في باطن الأرض، فإن الله عز وجل يعلم أين هي، ويأتي بها.
وهذا دليل على أن علم الله عز وجل متعلق بالجزئيات، وليس بالكليات فقط، كما قال بعض الفلاسفة، وهذا كلام باطل يخالف القرآن والسنة، فإن الله عز وجل يعلم كل شيء على وجه الدقة واللطف.
قال تعالى: ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ )الأنعام:59.
فلا يغيب عن الله عز وجل علم هذه الدقائق، فلا يغيب عنه ما هو أعظم، وهذا تنبيه من لقمان لابنه حتى يراقب الله عز وجل في كل أعماله وأقواله، صغيرها وكبيرها، سرها وعلانيتها.
انتبه أيها العبد، فإن الله عز وجل يعلم عنك كل شيء، فأنت لا تستطيع أن تخفي حالك، ولا قولك، ولا عملك.
وقد قيل إن بعض الصالحين قال له رجل: أوصني، قال: إذا أردت أن تعصي الله فاذهب إلى مكان لا يراك الله فيه، قال: لا يوجد، قال: إذاً لا تعص الله.
وكذلك الحسنات لا تضيع عند الله عز وجل، ولو كانت يسيرة، قال تعالى: ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ )الزلزلة:7-8، فالأعمال دقيقها وجليلها يحصيها الله سبحانه وتعالى، اللطيف الخبير بما يعمل عباده.
رابعاً – إقامة الصلاة:
قال لقمان لابنه: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ )، وهذه وصية عظيمة تذكر بأعظم الحقوق والواجبات لله عز وجل بعد التوحيد، فالصلاة هي ركن الدين الأعظم بعد التوحيد.
وقد قال النبي ﷺ عن الصلاة: “عمود الإسلام”الترمذي، فالصلاة عمود البيت، ولا قيام للبيت بغير عمود، وهي الفارق بين المؤمن والكافر، كما جاء في الأحاديث: “العهدُ الذي بينَنا وبينَهم الصلاةُ فمَن تركَها فقد كفرَ”الترمذي،النسائي،ابن ماجة،أحمد.
ولهذا لما ذكر الله عز وجل أهل النار، قال تعالى: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ )المدثر:42-43، فكان أول ذنب ذكروه أنهم لم يكونوا من المصلين.
-فالصلاة علامة الانقياد لله رب العالمين، وعلامة التوحيد والطاعة والإيمان بالله عز وجل، ولهذا الكافر لا يصلي، وأما المسلم فإن الصلاة دليل إيمانه وإسلامه لله سبحانه وتعالى.
-ومعنى أقم الصلاة، أن يأتي بها العبد تامة غير منقوصة، في وقتها، وبطهارتها، ووضوئها، وأركانها، وخشوعها، كما أمره الله سبحانه وتعالى بها.
خامساً – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر:
قال لقمان لابنه: ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ )، وهذه وصية بركن عظيم، عده بعض أهل العلم الركن السادس من أركان الإسلام، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والاشتغال بدعوة الخلق إلى الحق، وأمرهم بما أمرهم الله تبارك وتعالى به، وأعظم المعروف هو التوحيد، ثم أركان الإسلام والإيمان.
-والمنكر هو ما عرفت نكارته وقبحه شرعاً وعرفاً وعقلاً، من الأقوال والأفعال التي حرمها الله سبحانه وتعالى.
-والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية هذه الأمة، قال تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )آل عمران:110.
وقد أخر الله تعالى ذكر الإيمان في هذه الآية مع أن الإيمان هو الأصل، تنبيهاً على عظم هذه الفريضة، لأن كثيراً من الناس يغفلون عنها، أو يتساهلون فيها.
سادساً – الصبر على البلاء والأذى:
ثم قال لقمان: ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ )، وهذه وصية يحتاجها الدعاة، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لأن الناس في العادة قد يرفضون من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وقد يؤذون الآمر والناهي.
ولهذا يحتاج الداعية والآمرون بالمعروف والنهاهون عن المنكر إلى الصبر على أداء هذه الوظيفة، لأنها وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فالرسل ليس لهم وظيفة إلا الدعوة، وتعليم الناس، وهدايتهم إلى الحق، ولذلك لا بد من الصبر والمصابرة وعدم الملل.
وقد قال النبي ﷺ: “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”رواه الترمذي.
فالقائمون بهذه الوظيفة هم أصحاب العزائم والهمم، قال تعالى: ( فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ )الأحقاف:35، وقد دعا نوح عليه الصلاة والسلام قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، ولم يمل ولم يكل.
سابعاً – مكارم الأخلاق الفضائل والآداب:
انتقل لقمان بعد ذلك إلى الوصية بمكارم الأخلاق والآداب، فقال: ( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )لقمان:18.
ومعنى لا تصعر خدك للناس، أي لا تمل خدك عنهم تكبراً واحتقاراً، فإذا كلمك المتكلم فأقبل عليه بوجهك، وانظر إليه، فهذا من هدي النبي ﷺ، ومن آداب الحديث والمقابلة.
أما المستكبر فإنه إذا كلمه الناس لا ينظر إليهم، وإنما يميل بوجهه عنهم احتقاراً لهم، وهذا مرتبط بالكبر والخيالء والفخر بالنفس والإعجاب.
وقوله تعالى: ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً )، ليس المقصود أن لا يمشي الإنسان مسروراً، وإنما المقصود المشي بالفخر والخيلاء، والنظر إلى النفس بعين الإعجاب، واحتقار الناس.
قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )، والمختال هو المتكبر، والفخور هو المعجب بنفسه، الفخور بماله، أو منصبه، أو نسبه، أو جماله، أو علمه.
فإذا قرأ الإنسان في سير الصالحين، في سير الأئمة المجتهدين، أنه يرى نفسه مقصراً.
فاحذر أن تعجب بنفسك، ولو كان العمل صالحاً، فإن الإنسان إذا أعجب بنفسه أو بعمله قل عمله، أما إذا اتهم نفسه بالتقصير، ونظر إلى نفسه بعين النقص، ازداد عملاً، وازداد صلاحاً، وازداد أجراً عند الله عز وجل.
قال تعالى: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ )الحجرات:17، فالمنة لله سبحانه وتعالى، وليس للعبد منة على ربه.
وكان الصحابة رضي الله عنهم ينسبون الفضل لله سبحانه وتعالى، ففي حفر الخندق، مع ما كان فيه من مشقة وتعب وبرد وجوع، كانوا يقولون: “والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا”، فهم ينسبون النعمة إلى الله، ولا يفخرون ولا يختالون بأعمالهم.
ثامناً – القصد في المشي وغض الصوت:
قال لقمان لابنه: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ )لقمان:19.
ختم لقمان وصاياه بهذه الوصية العظيمة في الأدب والخلق، فقال: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ )، والقصد هو التوسط، فلا يمشي الإنسان مشية فيها عجلة تذهب بالوقار، ولا مشية فيها تكاسل وتماوت، يظن صاحبها أنها سكينة.
فالنبي ﷺ كما يروي عنه الصحابة، كان إذا مشى كأنما ينحط من صبب، أي مشية فيها قوة، كأنه ينزل من منحدر، فليست مشيته مشية تماوت وضعف، ولا مشية كبر وعجلة زائدة.
والقصد مطلوب حتى في الأمور المعنوية، إنه دين الوسط في الأمور كلها، في كل أمور الشرع. الإنسان وسط في طلبه للدنيا، وسط في إقباله على الله إلى الآخرة، وسط في أخذه بالملذات والشهوات، وسط، لا هو يحرم الطيبات ولا هو يسرف في المطاعم والمشارب وغيرها. فالقصد والوسطية هذا أمر عظيم يجب على الإنسان أن يتعلمه في أبواب الدين كله.
هذا اليوم حتى في الشوارع وفي السيارات يعني لو مشيت مشياً متباطئاً كنت سبباً في الحوادث وإيذاء المسلمين، وإذا مشيت بسرعة شديدة أيضاً ألقيت بنفسك إلى التهلكة، فينبغي لك القصد في المشي.
والمشي إذا كان فيه بطر واستكبار فهو محرم، وقد قال النبي ﷺ: “بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة”رواه البخاري ومسلم.
ثم قال لقمان: ( وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ )، أي لا ترفع صوتك على الناس استعلاء عليهم، ولا تقريعاً لهم وتوبيخاً بغير حاجة، بل اجعل صوتك مناسباً للحال.
الخطيب يوم الجمعة يرفع صوته للحاجة، حتى يوصل الرسالة إلى الناس، ويذكر الغافل، ويوقظ النائم، النائم نوم القلب، وقد كان النبي ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم.
أما عند عدم الحاجة فلا ترفع صوتك، ورفع الصوت أحياناً يكون محرماً، كأن يرفع الإنسان صوته على والديه، فإن الله تعالى قال: ( فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ )الإسراء:23، فكيف بمن يرفع صوته على أمه أو أبيه، خاصة إذا كبرا وضعفا.
وكذلك لا يليق بالتلميذ أن يرفع صوته على معلمه ومدرسه، فهذا ينافي الأدب الذي أمر الله سبحانه وتعالى به المسلمين.
ثم قال تعالى: ( إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ )، فمن رفع صوته بصورة حمقاء، وفي غير موضعه اللائق، كان صوته كصوت الحمار، وهذا مثل سوء، والله سبحانه وتعالى لا يضرب مثل السوء إلا لأهل السوء.
فهذه وصايا عظيمة جامعة، ابتدأت بالتوحيد، ثم بر الوالدين، ثم مراقبة الله، ثم إقامة الصلاة، ثم الدعوة إلى الله والصبر، ثم مكارم الأخلاق من ترك الكبر، والقصد في المشي، وغض الصوت.