إصرار الوالد على المعصية يمنع طاعته ومعاونته على المعصية، ولكن لا يحول ذلك دون معاملته بالحسنى، فلا يجوز هجره لمعصيته.
يقول فضيلة الدكتور محمد البهي –رحمه الله- عميد كلية أصول الدين الأسبق:
يلاحظ في كثير من الآيات أن القرآن الكريم في وصاياه أو في أوامره أو في نواهيه يقرن الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله وحده. فيقول تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).
فيقرن توصية الإنسان بوالديه وشكره لهما بطلب عدم الشرك بالله، وشكره له على نعمة الإيمان بالله وحده، كما يقرن فيما يأمر به هنا فيما تذكره هاتان الآيتان قال تعالى:(وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وقال تعالى:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)
يقرن الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادة الله وحده. مما يدل على العناية الفائقة بحسن معاملة الوالدين وطلبها من أبنائهما.
وقد يتعرض لتفصيل بعض جوانب هذه الرعاية على نحو ما تقول الآية: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).
ولكن طاعة الأولاد للوالدين -وليست معاملتهم إياهم- تقف عندما يأمرانهم بعبادة غير الله وفي وصية لقمان لابنه (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
فهنا في مجال عبادة غير الله وحده يجب على الأولاد عدم طاعة والديهم، ولكن تستمر معاملتهم لهما بالحسنى والمعروف، كما يستمرون هم في أخذ الطريق السوي، وهو عبادة الله وحده.
وتعاطي الأب للمخدرات هو مباشرة لمنكر، يأثم بمباشرته ويعصي الله فيما يرضاه لعباده، يضاف إلى مباشرة هذا المنكر إرهاق الولد في النفقات مما قد يضطره لأن يقتر على أسرته الخاصة به.
والرأي أن مخالفة الولد هنا لرغبة والده وتخلفه عن شراء المخدرات له لا يستوجب غضب الله، بل على العكس يستوجب رضاه -سبحانه وتعالى-. هذا شيء.
والشيء الآخر أن يستمر في معاملته بالحسنى والمعروف قولاً وفعلاً.
ثم إذا أمكن إيداعه في مصحة يستشفى فيها من عادة تناول المخدرات يحسن إلى نفسه وإلى والده وإلى أسرته ويرضي الله قطعاً.