نظرت الشريعة إلى بر الوالدين وخاصة الأم نظرة خاصة ، وعلى الزوج أن يقنع زوجته أن تكون محسنة لأمه، وأن تكسبها لقوله تعالى: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا )البقرة83 ، هذا للناس عامة فكيف بأم الزوج التي ببرها يكسب الإبن رضا الله، ورضا الوالدين، وبر أبناءه، ودعوة مستجابة قد تقلب موازين حياة الزوجين وأبنائهم إلى سعادة في الدارين، وعلى الزوج الحصيف أن يجمع بين بر أمه والمعاملة الحسنة لزوجته، ولا يحول بينه وبين بره بأمه حائل مهما كان ، فإن كان هناك نزاع ،فمن البر أن يقدم أمه على زوجته ،مع عدم ظلمها.

يقول الدكتور محمد بكر إسماعيل الأستاذ بجامعة الأزهر:

ليس مِن البرِّ أيها المسلم أن تبعد أمك عنك مهما كانت الظروف، فالْزَمْ سَريرَها وكُنْ تحتَ قَدَمَيْهَا، فالجنة تحت أقدام الأمَّهات، فقد خابَ وخسِرَ مَن أدرَكَ أبوَيْه أو أحدَهما فلم يُدخلاه الجنة، متِّعْ نَاظرَيْكَ بالنظَر إليها ومتِّعْها بالنظَر إليك، فأنت منها بمَنزلة الرُّوح مِن الجسد، أنت فلذةُ كبِدِها ونبضات قلْبها، فلا تُشعرها أبدًا بأنك قد تَخلَّيتَ عنها وفضَّلتَ زوجتَكَ عليها، ولا تَكُنْ سببًا في ازدياد مرَضها، ولا تَنْصُرْ زوجتك عليها، وكُنْ حازمًا معها ولا تُمكِّنْها مِن الإساءة إلى أمِّك بأيِّ حال، واعلمْ أن البرَّ كلَّ البرِّ في قُربها منك وقُربك منها، كما أشار بذلك ربُّ العِزَّة في قوله جل وعلا: ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء24، فقوله: ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ ) يُفيد أنهما في حال الكِبَرِ لا بدَّ أن يكونَا عندك في بيتك وتحت رِعايتك، فهذا هو الإحسانُ في أسمَى صُوره وأبهَى مَعانيه، فهما لا يَسعدانِ بشيء مهما عظُم قدْرُه مِثلمَا يَسعدانِ بالنظر إليك والتحدُّث معك والعيش في ظلِّك وهما في أواخر العُمر.

وزوجتُك ـ سامحَها اللهُ ـ لو كانت حَكيمةً لعرَفَتْ كيفَ تَكسب رضَا أمِّك، بالكلمة المَعسولة والنظرة الحانية، وامتصاص غضَبها بالتفاني في خِدمتها وعدَم الوقوف أمام كل كلمة تَقولها أو عِتاب تُوجِّهُه إليها، فالأم ضعيفة وكَبيرة في السِّنِّ، وقد تكون مريضة، وتَغار مِن زوجتك على وَلَدِها، والغَيرة عند المرأة طبْع لا تَستطيع أن تُقاومه أو تَتخلَّى عنه، فأينَ عقلُ امرأتِك هذه؟ وأين دِينُها وصلاحُها؟ وأين حبُّها لك؟
لا نريدُ أن ندْخِلَ الشكَّ على قلبك مِن جِهتها، ولكن نريدُ أن تُواجهَها بالوعْد الذي قطَعَتْه على نفسها قبل الزواج، وأن تُحاكمها إلى ضَميرها، وأن تَردَّها إلى الدِّين، وهو المِيزان العدْل الذي تُقاس به الأمور وتُحَلُّ به المُشكلات المُعْضِلات.انتهى

أترضى أيها الإبن أنت وزوجتك عندما تبلغان من العمر مبلغ أمك، أن يعاملكم أبنائكم بما تفكر به أنت ومن أشار عليك بأن يضعكم أبنائكم في دار المسنين، ويكونوا هم مع أزواجهم، ألهذا تفرح أنت وزوجتك بما يرزقكم الله بالأبناء، أترضى أن تتعب عليهم أنت وزوجتك في التربية والتعليم من الصغر حتى الكبر ثم يتركوكم.

إعلم أنت وزوجتك كما تدين تدان والجزاء من جنس العمل، البر بالبر، والعقوق بالعقوق، وتلك الأيام نداولها بين الناس كما قال تعالى.