يقول فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:ـ

الإنسان بوصفه “مؤمناً” يشعر بمعان أعمق، وعزة أشمخ، ويسمو به إيمانه إلى سماء عالية لا يسعى إليها على قدم ولا يطار على جناح؟

وهو بوصفه عضوًاً في أمة الإيمان – يشعر بكرامة أكبر وعزة أخرى.

-قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)آل عمران/110.

-وقال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)البقرة/143.

-قال تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)الحج/78.

-يشعر المؤمن بالعزة التي سجلها الله في كتابه للمؤمنين مقرونة بالعزة لنفسه ولرسوله، قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)المنافقون/8.

-ويشعر بأنه كتب له الكرامة والحرية التي بها يعلو ولا يُعلى، ويسود ولا يساد: قال تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)النساء/141.

-ويشعر أن في ولاية الله البر الكريم، ولاية المعونة والنصرة، والرعاية والهداية. قال تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)محمد/11.

-وقال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)البقرة/257.

-ويشعر المؤمن أنه في معية الله الذي يكلؤه دوماً بعينه التي لا تنام، ويحرسه في كنفه الذي لا يرام، ويمده بنصره الذي لا يقهر: قال تعالى:(وأن الله مع المؤمنين)الأنفال/19. وقال تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)الروم/47. وقال تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ)يونس/ 103.

ويشعر المؤمن أنه في حماية الله القوي القدير، يذود عنه، ويرد عن صدره سهام الكائدين والمعتدين: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)الحج/38.

والقرآن يجعل المؤمنين مقياساً لصلاح الأعمال أو فسادها، فحكمهم عند الله معتبر، ورؤيتهم للأعمال مقرونة برؤية الله ورسوله: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)التوبة/105.

وإذا كانت هذه الآية توحي بأن رضا المؤمنين من رضا الله، فإن مقتهم أيضاً من مقت الله سبحانه: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا)غافر/35.

إن هذه المعاني الكبيرة، والمشاعر الرفيعة، إذا سرت في كيان فرد، جعلت منه إنساناً عزيزاً كريماً، كبير النفس، كبير الآمال، إنساناً لا يحني رأسه لمخلوق، ولا يطأطىء رقبته لجبروت، أو طغيان أو مال أو جاه. إن شعاره هذه الكلمة: “سيد في الكون، عبد الله وحده”.
لا عجب بعد هذا، إذا رأينا عبداً أسود كبلال بن رباح، حين يشرب قلبه الإيمان، يتيه على “السادة” المتكبرين فخراً، ويرفع رأسه عالياً، فقد صار بالإيمان أرفع عند الله ذكراً، وأسمى مقاماً، ينظر إلى أمية بن خلف وأبي جهل ابن هشام وغيرهما من زعماء قريش وصناديد مكة، نظرة البصير للأعمى، نظرة السائر في النور إلى المتخبط في الدجى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)الأنعام/122. وقال تعالى : (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)الملك/22.

ولا غرو بعد ذلك إذا رأينا أعرابياً أمياً من البداة الجفاة، مثل ربعي بن عامر حين باشرت قلبه عقيدة الإسلام، وأضاءت فكره آيات القرآن، يقف أمام رستم قائد قواد الفرس، وهو في هيله وهيلمانه، وأبهته وسلطانه، غير مكترث له: ولا عابـئ به، وبما حوله من خدم وحشم، وما يتوهج بجواره من فضة وذهب، حتى إذا سأله رستم: من أنتم؟ أجابه هذا الأعرابي في عزة مؤمنة، وإيمان عزيز، إجابة خلدها التاريخ، وقال: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

ولا عجب أن نقرأ لشاعر مؤمن يناجي ربه في عبودية عزيزة بالله، متذللة إليه، غنية بالله، فقيرة إليه، قائلاٍ:ـً

وممــا زادني شرفـاً وعـزاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك «يا عبادي» وأن أرسلت أحمد لي نبياً!