الحسبة لغة ‏:‏ اسم من الاحتساب ‏،‏ ومن معاني الاحتساب: الأجر وحسن التدبير والنظر ‏،‏ ومنه قولهم ‏:‏ فلان حسن الحسبة في الأمر إذا كان حسن التدبير.
ومن معاني الاحتساب : المبادرة إلى طلب الأجر وتحصيله ‏،‏ وفي حديث عمر ‏:‏ أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته ‏.‏ ‏‏واسم الفاعل : المحتسِب . أي طالب الأجر.
ومن معانيها الإنكار يقال ‏:‏ احتسب عليه الأمر إذا أنكره عليه ‏، والاختبار يقال ‏:‏ احتسبت فلانا أي اختبرت ما عنده

‏والحسبة اصطلاحا ‏:‏ عرفها جمهور الفقهاء بأنها الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه ‏، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله.

ما هي مشروعية الحسبة؟‏

شرعت الحسبة طريقاً للإرشاد والهداية والتوجيه إلى ما فيه الخير ومنع الضرر، وقد حبب الله إلى عباده الخير وأمرهم بأن يدعوا إليه ‏، وكره إليهم المنكر والفسوق والعصيان ونهاهم عنه ، كما أمرهم بمنع غيرهم من اقترافه ‏، وأمرهم بالتعاون على البر فقال تعالى ‏:‏ ‏{‏ وتعاونوا على البر والتقوى ‏، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ‏}‏ ‏وقال جل شأنه ‏:‏ ‏{‏ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}.

‏ووصف المؤمنين والمؤمنات بها ‏، وقرنها بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ، مع تقديمها في الذكر في قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ‏}‏.

‏ووصف المنافقين بكونهم عاملين على خلاف ذلك في قوله تعالى ‏:{‏ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون}. ‏وذم من تركها وجعل تركها سببا للعنة في قوله تعالى: ‏{‏ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ‏،‏ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}.

‏وجعل تركها من خطوات الشيطان وشيعته في قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر}.

‏وفضل من يقوم بها من الأمم على غيرهم في قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} . وامتدح من يقوم بها من الأمم على غيرهم في قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين}

‏وجعل القيام بها سببا للنجاة في قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون}.

وإلى ذلك كله جاء في القرآن أنها شِرعةٌ فرضت على غيرنا من الأمم وذلك في قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ‏}‏ وقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ‏}‏ ذلك بعض ما يدل على مشروعيتها من الكتاب الحكيم ‏.

‏ولقد سلكت السنة في دلالتها على ذلك مسلك الكتاب من الأمر بها ‏، والتشديد على التهاون فيها ‏، روى مسلم من حديث طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال ‏:‏ ‏{‏ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ‏، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ‏، وذلك أضعف الإيمان ‏}‏
‏وجاء في التحذير من تركها ما رواه ابن مسعود قال ‏:‏ قال رسول الله ‏:‏ ‏{‏ لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطُرُنَّه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا } وفي رواية أحمد : {والذي نفسي بيده ‏ لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم}.

ما الحكم التكليفي للحسبة؟‏ ‏

الحسبة واجبة في الجملة من حيث هي لا بالنظر إلى متعلقها إذ إنها قد تتعلق بواجب يؤمر به ‏،‏ أو مندوب يطلب عمله ‏،‏ أو حرام ينهى عنه ‏،‏ فإذا تعلقت بواجب أو حرام فوجوبها حينئذ على القادر عليها ظاهر ‏،‏

وإذا تعلقت بمندوب أو بمكروه فلا تكون حينئذ واجبة ‏،‏ بل تكون أمرا مستحبا مندوبا إليه تبعا لمتعلقها ‏،‏ إذ الغرض منها الطاعة والامتثال ‏،‏ والامتثال في ذلك ليس واجبا بل أمرا مستحبا ‏،‏ فتكون الوسيلة إليه كذلك أمرا مستحبا ‏.‏

وقد يترتب عليها من المفسدة ما يجعل الإقدام عليها داخلا في المحظور المنهي عنه فتكون حراما ‏.

حكمة مشروعية الحسبة وأركانها؟‏ ‏

أن الناس ‏لا يزالون -‏ في مختلف العصور ‏-‏ في حاجة إلى من يعلمهم إذا جهلوا ‏،‏ ويذكرهم إذا نسوا ‏،‏ ويجادلهم إذا ضلوا ‏،‏ ويكف بأسهم إذا أضلوا ‏،‏ وإذا سهل تعليم الجاهل ‏،‏ وتذكير الناسي ‏،‏ فإن جدال الضال وكف بأس المضل لا يستطيعهما إلا ذو بصيرة وحكمة وبيان ‏.‏ ‏ لذلك شرعت الحسبة.

‏‏أركان الحسبة ‏:‏ ‏
‏ذكر الإمام الغزالي أنها أربعة ‏:‏ المحتسب ‏،‏ والمحتسب عليه ‏،‏ والمحتسب فيه ‏،‏ ونفس الاحتساب ‏.‏ ولكل ركن من هذه الأركان حدود وأحكام وشروط تخصه .

ما هي شروط الحسبة؟

يشترط فيمن يقوم بالحسبة : التكليف ، والعلم بما يحتسب فيه ، والعدالة ، وتعني عدم فسقه ، والقدرة عليها ، والإذن من الحاكم المسلم ، والذكورة.

هذا ، وقد عني الأئمة بولاية الحسبة عناية كبيرة ‏،‏ ووضعوا فيها المؤلفات مفصلين أحكامها ومراتبها ‏،‏ وأركانها ‏،‏ وشرائطها ‏،‏ وتأصيل مسائلها ‏،‏ ووضع القواعد في مهماتها ‏.‏
( انتهى ـ مختصرا من الموسوعة الفقهية الكويتية)