يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
الإيمان أعمال وعقيدة؛ كما قال ﷺ في أعمال الإيمان: “الإيمانُ بضعٌ وسبعون شعبةً” وفي رواية: “الإيمانُ بضعٌ وسَبعونَ -أو بضعٌ وسِتُّونَ- شُعبةً”، “فأفضَلُها قَولُ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عَنِ الطَّريقِ، والحَياءُ شُعبةٌ مِنَ الإيمانِ”البخاري،مسلم.
هذه هي أعمال الإيمان وخصال الإيمان وشعب الإيمان:
- أعلى تلك الشعب والخصال: قول العبد: لا إله إلا الله.
- أدنى تلك الشعب: إماطة الأذى عن طريق المسلمين؛ من الشوك والحجر وكل أنواع الأذية، ويدخل فيها أذية الدواب والسيارات وغير ذلك. فكف الأذى عن المسلمين في هذا من شعب الإيمان.
- الحياء شعبة من الإيمان: إذا رفع الإيمان رفع الحياء، ورفع الحياء علامة على رفع الإيمان أو على ضعفه.
والحياء – كما قال أهل العلم – خلق؛ خلق يبعث على ترك القبيح وترك التقصير في حق ذي الحق.
وأعلى هذا الحياء: الحياء من الله عز وجل؛ أن تستحي من الله عز وجل وهو ينعم عليك ويغدق عليك أنواع النعم ثم أنت تعصيه! هذا أمر ينافي الحياء من الله سبحانه وتعالى.
وكذلك الحياء من عباد الله؛ أن تستحي من الرجل الصالح، وأن تستحي أن تعصي الله عز وجل جهرة وعلانية.
أركان الإيمان الستة؟
أما أركان الإيمان التي هي عقيدة المؤمن فهي ستة أركان؛ أصلها وأولها وأساسها الإيمان بالله:
كما قال سبحانه وتعالى: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )البقرة/177؛ هذه خمسة أركان ذكرها الله تعالى في آية واحدة، وكذلك في أواخر سورة البقرة.
والركن السادس هو الإيمان بالقدر؛ قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )القمر/49.
1. الركن الأول: الإيمان بالله تعالى:
الإيمان بالله عز وجل يشمل:
–الإيمان بوجوده: ووجود الله سبحانه وتعالى علمه مستقر في فطرة الإنسان، ودلت عليه الدلائل العظيمة الباهرة التي خلقها الله عز وجل في السماوات والأرض، ودلت أيضاً على وجوده الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام.
–الإيمان بربوبيته وخلقه وملكه.
–الإيمان بألوهيته وتفرده بالعبادة سبحانه وتعالى والطاعة.
–الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلا.
2. الركن الثاني: الإيمان بالملائكة:
وملائكة الله خلق من خلق الله عز وجل، وهم غيب لا نراهم ولكننا نؤمن بوجودهم كما أخبرنا الله عز وجل؛ قال سبحانه وتعالى: ( وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * سَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ )الأنبياء/20.
نؤمن بمن ذكر الله تعالى لنا اسمه في القرآن: الله تعالى ذكر لنا من أسماء الملائكة وهم:
- جبريل عليه الصلاة والسلام: أعظم الملائكة والموكل بالوحي، وهو مقدم الملائكة ورئيسهم عليه الصلاة والسلام.
- ميكائيل: الموكل بالقطر والنبات.
- إسرافيل: الموكل بالنفخ في الصور.
وهم خلق كثير عظيم لا يعلم عددهم إلا الله. قال عليه الصلاة والسلام عن البيت المعمور الذي في السماء السابعة: “يدخُلُه كُلَّ يومٍ سَبعون ألفًا من المَلائِكةِ، ثمَّ لا يعودون فيه أبدًا”.
كل يوم يدخله سبعون ألف ملك! وما منكم إلا وقد وُكِّل به ملكان: ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )ق/17؛ حفظة تحفظ عليك أعمالك، ما تقول وما تفعل، تكتبه الملائكة الذين وكلهم الله عز وجل.
-ومنهم ملائكة وكلهم الله عز وجل بالأرحام.
-ومنهم ملائكة وكلهم الله بالسحاب المسخر بين السماء والأرض،
-ومنهم ملائكة وكلهم الله بالريح؛ جند من جند الله عز وجل ينصر الله تعالى بهم المؤمنين في القتال، فالنصر من عند الله عز وجل. لأن الملائكة لا تأتمر بأمر قائد ولا بأمر أمير ولا ملك، وإنما الملائكة جند الرحمن؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ )الأنفال/10.
فإذا شاء الله عز وجل أن ينصر المؤمنين أرسل ملائكته تثبت الذين آمنو قال تعالى: ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ )الأنفال/12.
3. الركن الثالث: الإيمان بالرسل:
الملائكة رسل، والبشر منهم رسل أيضاً. والرسول هو المرسَل والمبعوث من عند الله عز وجل، المكلف بالبلاغ للشرع وللكتاب. الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، وما من أمة إلا خلا فيها نذير؛ كما قال الله عز وجل: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )النحل/36.
والرسل كثيرون؛ كما جاء في حديث أبي ذر أن الرسل والأنبياء عدتهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً! الأنبياء 124,000، ما من أمة إلا خلا فيها نذير، كما قال عز وجل: ( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ )فاطر/24. أما الرسل منهم فهم ثلاثمائة وبضعة عشر.
ذكر الله تعالى منهم في القرآن خمسة وعشرين اسماً، ابتدأت الرسل بـ نوح عليه الصلاة والسلام، واختُتمت بـ محمدﷺ.
وأولو العزم منهم خمسة:
- نوح
- إبراهيم
- موسى
- عيسى
- محمد (صلى الله عليهم أجمعين)
هم كرام البشر وأفاضلهم، كما مدحهم الله عز وجل في كتابه فقال عن نوح: ( إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا )الإسراء/3، ثناء الله على نوح عليه السلام، وقال تعالى: ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ )ص/45. أثنى الله على رسله وأنبيائه في كتابه، فهم صفوة البشر وخيرة الناس.
فالواجب علينا الإيمان بهم جميعاً ولا نفرق بين أحد منهم. من آمن برسول وكفر برسول واحد فلا ينفعه إيمانه! قال عز وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا )النساء/151.
هؤلاء الذين آمنوا بجميع الرسل وكفروا بمحمد هم كفار، لا ينفعهم إيمانهم بموسى وعيسى وإبراهيم، بل الواجب على المؤمن أن يؤمن بكل رسول أرسله الله تبارك وتعالى.
4. الركن الرابع: الإيمان بالكتب السماوية:
وكتب الله سبحانه وتعالى سمى الله تعالى لنا منها:
- التوراة: التي أنزلها على نبيه ومصطفاه موسى عليه الصلاة والسلام.
- الإنجيل: الذي أنزله متمماً للتوراة على عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام.
- صحف إبراهيم.
- الزبور: الذي أنزله على داوود عليه الصلاة والسلام.
- القرآن العظيم: آخر تلك الكتب المنزلة، والذي له من الخاصية والفضل على سائر الكتب بالحفظ والصيانة من التغيير والتبديل والتحريف إلى يوم الدين قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )الحجر/9.
فالواجب علينا أن نؤمن بكتب الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى قد جعل لكل قوم شريعة: ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا )المائدة/48. وأما أصول الدين فالشرائع متفقة، شرائع الله متفقة في أصول الدين في أصول الإيمان لا إختلاف بينها في العقيدة والتوحيد، وإنما الاختلاف في الشرائع والأعمال.
5. الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر:
وهو اليوم الذي جعله الله عز وجل لحساب الخلائق. وهذا اليوم من أركان الإيمان، متى قوي الإيمان باليوم الآخر صلح حال الإنسان. وهذا اليوم تقتضيه حكمة الله ويقتضيه عدله؛ لأن الدنيا يُظلم فيها ضعفاء ويموتون ولا يأخذون حقوقهم، فلا بد من يوم آخر يجمع الله تعالى فيه العباد فيقتص للمظلوم من الظالم وللضعيف من القوي الباغي.
وهذا اليوم يحصل بنفخة كما قال عز وجل في النفخة الثانية قال تعالى: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ )الزمر/68.
بنفخة يجمع الله تعالى الخلائق أجمعين ويقومون للحساب بين يدي رب العالمين سبحانه وتعالى.
ومن الإيمان باليوم الآخر:
- الإيمان بالميزان.
- الإيمان بالصراط الذي نصبه الله تعالى على جهنم.
- الإيمان بالجنة والنار (المآل الأبدي للسعداء والأشقياء)الجنة هي المآل للشهداء للمتقين للمؤمنين للمحسنين للصالحين وأما النار مأل الكافرين والمذنبين .
- الإيمان بالقبر وما يكون فيه من النعيم أو العذاب؛ لأنه أول منازل الآخرة.
6. الركن السادس: الإيمان بالقدر:
الإيمان بأن الله عز وجل قدر كل شيء تقديراً، وهو أربع مراتب:
- العلم: إثبات العلم الشامل التام لله تبارك وتعالى.
- الكتابة: الإيمان بأن الله عز وجل كتب ذلك في اللوح المحفوظ؛ قال سبحانه في هاتين المرتبتين: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )الحج/70.
- المشيئة: الإيمان بمشيئة الله سبحانه وتعالى؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
- الخلق: الإيمان بأن الله خالق كل شيء؛ خالق الإنسان وخالق أفعاله وأقواله، وأنه لا يجري في هذا الكون شيء إلا بمشيئته جل جلاله وتَقدّست أسماؤه.
ما هي مرتبة الإحسان؟
المرتبة الثالثة من مراتب الدين فهي الإحسان، وهي كما قال ﷺ: “اعبُدِ اللهَ كأنَّك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنَّه يراك”.
اعبد الله كأنك تراه؛ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ. إذا عبدت الله وركعت وسجدت بين يديه فتذكر أنه يراك سبحانه وتعالى.
هذه المرتبة هي مرتبة المراقبة؛ أن تراقب الله عز وجل في عباداتك، وفي تصرفاتك، وتعلم بأنه مطلع عليك في كل وقت وحين
قال تعالى: ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ )الشعراء/218. ما تعمل من عمل إلا والله يراك ويسمعك. إذا تذكرت هذه المرتبة صلحَت جميع تصرفاتك وأفعالك وأقوالك، ومتى ما غابت هذه المراقبة عن العبد فسد حاله.
وكذلك أن تحسن إلى خلق الله عز وجل بأنواع الإحسان القولي والفعلي…