يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

إن مما منّ الله تبارك وتعالى به على نبيه عليه الصلاة والسلام من القرآن العظيم سورة الفاتحة. قال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ )الحجر/87-88.

ويقول الله عز وجل ممتناً على نبيه: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي )الحجر/87، والسبع المثاني هي سورة الفاتحة؛ السورة العظيمة في معانيها، القصيرة في آياتها، سورة اشتملت على مقاصد القرآن إجمالاً، اشتملت على ما اشتمل عليه القرآن تفصيلاً، لكنها اشتملت على تلك المقاصد إجمالاً.

وهي سورة يرددها المسلم في الفرائض في كل يوم سبعة عشرة مرة، فإذا صلى السنن الرواتب والنوافل زاد على ذلك كثيراً. سورة لا تصح الصلاة إلا بها، كما قال في الحديث الصحيح: “لا صَلاةَ لمَن لَم يَقرَأْ بفاتِحةِ الكِتابِ”مسلم.

وهذه السورة هي أعظم سورة في القرآن، كما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلى في صحيح البخاري “كُنتُ أُصَلِّي في المَسجِدِ، فدَعاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلَم أُجِبْه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي كُنتُ أُصَلِّي، فقال: ألَم يَقُلِ اللهُ: ( استَجيبوا للَّهِ ولِلرَّسولِ إذا دَعاكُم لما يُحييكُم )الأنفال/24؟ ثُمَّ قال لي: لَأُعَلِّمَنَّك سورةً هي أعظَمُ السُّورِ في القُرآنِ قَبلَ أن تَخرُجَ مِنَ المَسجِدِ. ثُمَّ أخَذَ بيَدي، فلَمَّا أرادَ أن يَخرُجَ قُلتُ له: ألَم تَقُلْ: لَأُعَلِّمَنَّك سورةً هي أعظَمُ سورةٍ في القُرآنِ؟ قال: (الحَمدُ للَّهِ رَبِّ العالَمينَ) هي السَّبعُ المَثاني، والقُرآنُ العَظيمُ الذي أوتيتُه”.

السبع المثاني هي سبع آيات من كتاب الله ومن كلام الله العظيم، ومثاني لأنها تثنى وتُعاد في كل ركعة وفي كل حين.

ومن عجيب كلام الله تبارك وتعالى وإعجازه أن الإنسان لا يمل من ترداد كلام الله عز وجل وتكراره، ولو كان شعراً من الأشعار لمله وكله في برهة قصيرة، لكن المسلم يكرر هذه السورة ليلاً ونهاراً وهو يستمتع بكلام الله تبارك وتعالى وآياته.

أنواع التوحيد ومقاصد الدين في الفاتحة؟

هذه السورة ذكر الله تعالى فيها مقاصد الدين، ذكر فيها أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

وذكر الله تعالى فيها المعاد والجزاء يوم القيامة، وفيها إثبات النبوات، وفيها ذكر الصراط المستقيم وجزاء سالكيه، وجزاء من تنكب ومن حاد عنه ومن أعرَض عن الصراط المستقيم.

بدأ الله تعالى هذه السورة بالحمد، فهي من السور المفتتحة بحمد الله عز وجل: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ )، بالألف واللام التي تفيد الاستغراق والشمول، فالحمد كله لله سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً لا نقص فيه.

والحمد هو الثناء. والمخلوق إذا حُمد من وجه، ذُمّ من وجه؛ لأن المخلوق مهما كثر كماله لا يزال فيه نقص مهما كمل. وأما الذي له الحمد كله وله الثناء كله فهو ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى، المحمود على كل لسان، والمحمود في كل حال، جل جلاله وتقدست أسماؤه.

( رَبِّ الْعَالَمِينَ )، الرب هو المالك المتصرف، وهذا إثبات الربوبية لله سبحانه وتعالى، فهو رب كل شيء ومالكه وخالقه والمتصرف فيه والمدبر لأمره. والعالمين: كل ما سوى الله فهو عالم؛ عالم الملائكة، وعالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم الطير، وعالم الأسماك، وهكذا كل ما سوى الله فهو عالم، والله تعالى رب الجميع، رب من في السماوات ورب من في الأرض ورب ما بينهما سبحانه وتعالى، لا رب لهم سواه؛ لأنه لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى، فهو الخالق الواحد وهو المدبر وهو المالك المتصرف.

وإذا كان كذلك وجب ألا تعبد إلا الله. وهذا من جهل من جهله من خلق الله، أنهم يقرون بأنه لا خالق إلا الله ثم يتوجهون بالعبادة إلى غير الله! كيف؟ إذا كان لا خالق إلا الله، هو الذي خلق وهو الذي أوجد وهو الذي ربى ورزق وأعطى وهو المالك المتصرف، فكيف تتوجه إلى غير الله سبحانه وتعالى بالدعاء والعبادة والسجود والطلب والركوع والخضوع؟! هذا من جهل الجاهليين، سبحانه وتعالى هو الرب المالك المتصرف.

( الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ )، دالان على صفة الرحمة لله عز وجل، اسمان عظيمان مشتقان من الرحمة، وهما دالان على أسماء الله الحسنى وصفاته العلا. فالله عز وجل هو الموصوف بصفات الكمال والجمال والجلال سبحانه وتعالى، وهذا توحيد الأسماء والصفات.

وقد ذكر الله عز وجل في هذه السورة خمسة أسماء: الرحمن، الرحيم، الله، الرب، المالك؛ خمسة أسماء من أسماء الله الحسنى ذكرت في سورة الفاتحة.

توحيد الألوهية والاستعانة بالله؟

الله عز وجل هو الإله، «الله» مشتق من الإله والألوهية، والإله هو المعبود.

ما معنى كلمة إله؟ الإله هو المعبود محبة وتعظيماً وإجلالاً، والله سبحانه وتعالى لا إله إلا هو، دل على ذلك قول الله عز وجل في هذه السورة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )، فلا نعبد إلا الله، ولم يقل: نعبدك، لا، قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، قدّم المعمول الذي يفيد الحصر، فلا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.

( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، بهذا يقر العبد على نفسه بالضعف، لا يستكبر؛ لأنه إن تخلى عن الله كما تخلى عنه الكفار الذين لا يسألون الله ولا يلجؤون إلى الله ولا يخضعون إلى الله ولا يفتقرون إلى الله عز وجل؛ لأنه ظن أنه غني عن الله، عنده طعامه وشرابه وشهواته وثرواته، يعيش ويحيا بعيداً عن الله عز وجل..

لا، المسلم يقر ويقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) يا الله، لا نعبد إلا أنت، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ لأن العبد لا حول له ولا قوة إلا بالله تبارك وتعالى.

ليس لك حول وليس لك قوة إلا ما أقدرك الله عليه سبحانه وتعالى، هو الذي يمنحك القدرة والعزم والنية والقصد. قد يكون الإنسان قوياً في بدنه، ولكن لا عزم له على عبادة الله ولا على طاعته، وترى شيخاً كبيراً في السن يتوكأ على عصا لا تفوته صلاة! سبحان الله، لا حول ولا قوة إلا بالله عز وجل.

فـ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تقضي على الشرك والرياء؛ فاحذر من الرياء، وهي صرف النية لغير الله في العبادة، أن تريد بعبادتك غير وجه الله، أن تريد الثناء من الناس، أن تريد المدح، فإن هذا يبطل العمل الصالح. و (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تقضي على الكبر، تقضي على الفخر بالنفس.

الإيمان باليوم الآخر والهداية إلى الصراط المستقيم؟

وقبلها قال الله عز وجل: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )، والمالك هو المتصرف، وفي القراءة السبعية الصحيحة: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ). فالله ملك له سلطة وسلطان، ومالك، وهذا أمر عظيم لا يكون إلا لله عز وجل. ملوك الأرض لهم السلطة، لهم الأمر والنهي، لكن لا يملكون كل ما في البلاد، أما الله عز وجل فهو ملك ومالك، هو مالك الملك سبحانه وتعالى.

هو الذي يهب للإنسان ما يشاء وينزعه منه متى يشاء؛ أقرب ذلك أنه يهب للإنسان القوة والشباب والعزيمة والنشاط، فإذا صار شيخاً كبيراً ربما سُلِب القدرة على المشي، وربما سُلِب منه عقله؛ لأن الله عز وجل هو المالك الذي يعطي ما يشاء ويأخذ ما يشاء.

-ويوم الدين هو يوم القيامة، والدين هو الجزاء كما تقول العرب: «كما تدين تدان»، كما تحاسِب تحاسَب، فيوم الدين هو يوم القيامة، يوم الفصل بين الخلائق، هو يوم الحساب، هو يوم الجزاء، وهذا إثبات ليوم القيامة.

ولا صراط إلى الله إلا طريق محمد بعد بعثته: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )، وصفه الله عز وجل بأنه مستقيم ليس فيه عوج. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: خط لنا رسول الله خطاً مستقيماً، ثم خط عن يمينه خطوطاً وعن يساره، فقال: «هذا سبيل الله»، هذا الصراط المستقيم هو سبيل الله، وهذه سبل طرق على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله عز وجل: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )الأنعام/153.

العبد بحاجة إلى الهداية حاجة عظيمة، ولذلك هو يكرر هذا الدعاء في كل يوم وليلة سبعة عشر مرة: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ – الفاتحة ). لست وحدك على هذا الصراط يا عبد الله، لا تستوحش من قلة السالكين، لا تستوحش من قلة المهتدين في هذه الأيام وتداول الشبهات، بل اثبت على هذا الصراط المستقيم حتى تلقى ربك عز وجل.