قال تعالى: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ….. ) الآية لقمان: 14 – 15.
فأوصى سبحانه وتعالى بشكر الوالدين مع شكره، وأمر الولد أن يصاحبهما في الدنيا معروفًا، وإن جاهداه على الكفر بالله، وبذلك تعلم أن المشروع لك أيها الإبن أن تصحب والدك بالمعروف، وأن تحسن إليه وإن أساء إليك، وأن تجتهد في دعوته إلى الحق لعل الله يهديه بأسبابك، ولا يجوز طاعته في معصية.

التعامل مع الوالدين بالحسنى؟

مما لا شك فيه أن الوالد أحق الخلق بالبر والنصح، وبذل الوسع والطاقة للنجاة به من عذاب الله – تعالى – وهذا امر يتطلب صبرًا جميلًا، واحتسابًا فائقًا، وتدبر ما ذكره الله تعالى في كتابه العظيم من الوصايا بالوالدين.

ومن أجمع الآيات ما ورد في سورة الإسراء، فقال عز وجلّ: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا )الإسراء:23،24، فجمع سبحانه وتعالى بين عبادته والإحسان للوالدين، وصور سبحانه رحمةَ الأبناء بالوالدين وهي مشبعة بالذل الذي لا يرفع عينا، ولا يرفض أمرًا، وكأنما للذل جناح يخفضه.  

في سورة لقمان جمع الله سبحانه وتعالى بين شكره عز وجل، والشكر للوالدين؛ فقال تعالى: ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ )لقمان:14.  

ما هو الأسلوب الصحيح لنصح الوالدين؟

-يجب انتقاء أفضل الكلمات، وأرق العبارات؛ إنطلاقًا من كلام الله تعالى، فنصح الوالد يحتاج للطف به، والإحسان إليه، كما قال تعالى: ( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ )، وهذا أدنى مراتب الأذى، نبه به – سبحانه وتعالى – على ما سواه من معاني الأذى؛ من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.

-الحذر من الكلمات القاسية والمعاني الخشنة التي تحمل معى الزجر؛ قال تعالى:( وَلا تَنْهَرْهُمَا )، أي: فلا تزجريها،وقال تعالى:( وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا )، وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون الكلام له يشي بالإكرام والاحترام، فيطمئن قلبه وتصفو نفسه، وينشرح قلبه لقبول الحق الذي هو ثمرة الجدل بالتي هي أحسن، فالنفس البشرية عمومًا والآباء خصوصًا لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة، فتعتبر أن التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها.  

-الحذر كل الحذرمن اللجاجة في الجدل،ويجب أن يشعر الوالد أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الابن لا يقصد إلا نجاته وهدايته  في سبيل الله. .  

-تأمل أيها المسلم ما قصه الله علينا من خبر خليله إبراهيم – عليه السلام –  حنوه بأبيه وشدة خوفه وشفقته عليه قال الله تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا )مريم:41-47.

-جاء في “الآداب الشرعية” : “قال أحمد – في رواية يوسف بن موسى -: يأمر أبويه بالمعروف، وينهاهما عن المنكر، وقال – في رواية حنبل -: إذا رأى أباه على أمر يكرهه، يعلمه بغير عنف ولا إساءة، ولا يغلظ له في الكلام، وإلا، تركه، وليس الأب كالأجنبي”.

-الحرص على اختيار الوقت المناسب للنصيحة، والذي يكون فيه الوالد هادئ النفس،  ومهيئ للسماع والاستجابة.

-الإكثار من الدعاء للوالد بصدق وإخلاص أن يشرح الله صدره للإيمان، مع تحري أوقات الإيجابة كثلث الليل الآخر.